خلخلة الرأسمالية

|

الدول الصناعية الرأسمالية على عتبة طفرة علمية جديدة قد تأخذنا إلى عالم لم نألفه سابقا وربما لم نتوقعه حتى في أحلامنا.
هذه الطفرة ستخلخل تقريبا أغلب الأسس التي بنت عليها الرأسمالية أركانها.
ونحن على أبواب العصر الجديد، هناك مخاوف كثيرة مما يخبئه المستقبل وفيما إذا كان بإمكان رأس المال وتراكمه ونموه مقاومة هذا المدّ التكنولوجي الجارف.
الدلائل تشير إلى أن المصانع الكبيرة التي كانت عماد الاقتصاد الرأسمالي ستستغني عن أغلب عمالها. وإن علمنا أن التشغيل ركن من أركان الرأسمالية وأن البطالة عدوتها اللدود لعرفنا الخطر المحدق الذي ستشكله الخطط التنموية الطموحة لهذه الدول التي فيها لن تكون هناك حاجة إلى عضلات الإنسان.
البطالة التي تتكهن بها الدراسات الحالية في غضون عقد أو عقدين من الزمن قد تصل إلى نسب لم يعرفها العالم الرأسمالي.
تصور ماذا سيحدث بعد أن تزيح المكننة الذكية عشرات الملايين من العمال في صناعات كانت عماد الاقتصاد الرأسمالي مثل صناعة السيارات والمكائن والصلب والتعدين والاستخراج وغيره.
بيد أن الآلة التي حتى الآن تقتصر إمكاناتها على إزاحة القوة العضلية للإنسان، صارت تكتسب طاقات أخرى وهي في طريقها إلى إزاحة قواه الفكرية أيضا.
لنأخذ مثالا واحدا للبرهنة كيف أن الآلة بدأت تفكر وتدريجيا صارت تستحوذ على بعض القوى الفكرية والعقلية للإنسان؛ بمعنى أنها أخذت تؤدي وظائف فكرية وعقلية كانت خاصية يمتاز بها الإنسان وتستدعي تشغيله للقيام بها.
والمثال يتعلق بعالم الصيرفة والمال. الخلخلة التي ضربت هذا القطاع وهي في طريقها إلى خلخلته جذريا، يأخذها الاقتصاديون نموذجا لما سيقع في القطاعات الأخرى منها الخدمات والتربية والتعليم وغيرها.
إن أخذنا الدول الإسكندنافية نموذجا، لرأينا أن عمليات الادخار والإنفاق والصرف والشراء والتعامل مع المصارف قد تخلخلت إلى دون رجعة.
حتى المصارف الكبيرة بدأت في التخلخل. أخذت المصارف تقلص العمالة وتغلق الفروع لأن الآلة الذكية تقوم مقام ما كان يقوم به المصرفيون في المصارف.
باختصار، صار المصرف وأغلب عملياته يديرها العميل من خلال جهاز الهاتف الذكي أو أي جهاز ذكي آخر.
وباختصار أيضا، لم تعد هناك حاجة إلى تحمل مشقة وعناء الذهاب إلى المصرف أو أي من فروعه والوقوف في طابور ومن ثم الطلب من الموظف أداء خدمات محددة لم يكن بإمكاننا القيام بها دون خبرته وتجربته وما بحوزته من تكنولوجيا وأدوات كان من المستحيل تحميل وظائفها على أجهزة ذكية صغيرة صار بإمكان الشخص العادي اقتناؤها. الشركات التكنولوجية الصاعدة والتطبيقات التي تطلقها بين الحين والآخر تضع بين يدي المستخدمين مهارات وخبرات وممارسات كانت سابقا حكرا على المختصين من الصيرفيين الذين كانوا يتقاضون رواتب كبيرة.
اليوم تقف البنوك والمصارف العملاقة عاجزة أمام ما تطلقه هذه الشركات التكنولوجية الفتية من أدوات وتطبيقات وبرمجيات تسحب من صلاحياتها وتخلخل من احتكاراتها وتضعها في متناول المواطن العادي. في الصين، هناك تطبيق جديد في طريقه إلى أن يخلخل الأسس التي بني عليها عالم الصيرفة والمال هيكله. بواسطة هذا التطبيق بإمكان الزبائن اليوم دفع حق مشترياتهم بمجرد النظر إلى الكاميرا الذكية في المتجر أو في هواتفهم الذكية.
لقد تحول الهاتف الذكي إلى مصرف نقال يحمله الناس معهم في حلهم وترحالهم وبواسطته حسب ما يقول الباحثون صار بإمكان دولة مثل الصين الاستغناء عن استخدام النقود في غضون خمس سنوات أو أقل.
وكل هذا ما كان ممكنا دون المكننة الذكية التي فيها صارت الآلة تحل محل الجهد العضلي وبعض الجهد العقلي للإنسان.
التكنولوجيا الفتية تتطور بسرعة مذهلة والشركات الكبيرة منها والصغيرة تهرع للحاق بها.
ما لاحظته أخيرا هو الخطوات المثيرة للإعجاب التي بدأت المصارف اتخاذها لدرء الخلخلة التي تسببها تكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها.
آلات الصرف الأوتوماتيكية أخذت تقدم خدمات مثل التي كانت فروع المصارف تقدمها للزبائن لا بل أكثر من ذلك بكثير.
فإضافة إلى الخدمات المصرفية التقليدية، بإمكان الناس اليوم شراء التذاكر بأنواعها والقيام بأغلب الخدمات التي كان موظفو المصارف يؤدونها من أية آلة صرف قريبة منهم.
كان التوقع أن تتقلص أعداد آلات الصرف هذه، إلا أن تبنيها للتكنولوجيا الذكية زاد من إقبال الناس عليها والطلب حفز المصارف على زيادة المتوافر منها.
الخلخلة هذه بدأت تؤثر سلبا في معدلات البطالة. وكي تدرأ التبعات السلبية للبطالة من جراء تخلخل النظام الرأسمالي في هذا المنحى، بدأت فنلندا مثلا الإعداد لكيفية التعامل مع أعداد غفيرة من العاطلين.
تطبق فنلندا نظاما تستقطب فيه العاطلين مهما كان عددهم وتوظفهم، أي تدفع لهم مراتب مجزية، وإن بقوا في بيوتهم.

إنشرها