هل يكره ابنك المدرسة؟

|

تواجه الأبوين مشكلة كراهية أبنائهم للمدرسة، ورغم أنه من الطبيعي أن يتذمر الصغار والكبار من المدارس لما تسببه من ضغوط والتزام ونوم واستيقاظ مبكر، ناهيك عن الواجبات وبذل المجهود في استيعاب الدروس وأداء الواجبات، ولكن ما هي سوى فترة وجيزة ويتقبل الغالبية من طلاب المدارس هذا الأمر ويتفاعلون مع بيئاتهم وأسلوب حياتهم الجديد. إلا أن بعضهم تستمر معهم كراهية المدرسة إلى مراحل متأخرة، ومنهم من يصرح علانية أنه يكره المدرسة، ومنهم من يبوح بهذا لبعض إخوانهم أو زملائهم، ومنهم من يكتمها في نفسه ولا يبديها لأحد ولكنها تظهر على شكل أعراض عضوية ونفسية كحالة من البكاء أو ألم في الجهاز الهضمي، وقد يتطور الأمر إلى تبول لا إرادي وغضب مستمر ونقص في الوزن وشحوب في الوجه وغيرها.
ويقع العبء الأكبر في التعامل مع حالة كراهية المدرسة على عواتق الآباء والأمهات حيث يضطرهم ذلك إلى بذل كل جهد ممكن من أجل إنقاذ مستقبل أبنائهم، لأن التهاون في هذا الأمر قد يجعل أطفالهم أكثر كرها ونفورا من المدرسة، وفي حال لم يتم حلها بشكل جذري فإنها تؤدي إلى أضرار خطيرة. نريد في هذا المقال أن نلقي الضوء على هذا الموضوع ونتعرف على أسباب كراهية الطلاب للمدرسة خصوصا الأطفال منهم ولكن قبل هذا سنتطرق إلى طريقة قياس مدى تقبل الطفل للمدرسة فقد بين التربويون عدة مظاهر تعطي مؤشرا أن الطفل يكره المدرسة.
أول هذه المؤشرات عدم رغبته في الحديث عن يومه المدرسي مهما حاولت معه، فالطفل الطبيعي يقص على أسرته بالتفصيل الممل ما حدث معه منذ خروجه من باب البيت حتى رجوعه، أما الطفل الذي يكره المدرسة فيفضل عدم الحديث ويستأثر بكل أحداث اليوم لنفسه ويختزلها في ذاكرته. أيضا من مظاهر وعلامات الكراهية الشديدة للمدرسة من قبل الطفل عدم رغبته في حل الواجبات المدرسية وقد يخفي أي واجبات يطلبها منه المعلم عن والديه ويسبقهم قبل أن يسألوه فيقول لهم إنه "ليس لديه واجب منزلي لهذا اليوم". هذه بعض المؤشرات التي يمكن ملاحظتها على الطفل الذي يكره المدرسة، ولكن هناك مؤشرات عضوية ونفسية أخرى مثل التلعثم في الكلام والتبول اللاإرادي، وقد يفعل كل ذلك في المدرسة وهو مستيقظ.
أما أسباب كراهية الطفل للمدرسة فهي كثيرة ومتشعبة، وبسبب صعوبة الإحاطة بها سأقوم بتصنيف ما ذكره التربويون في هذا الموضوع إلى عدة أصناف: أسباب أسرية، وأسباب تأتي من قبل المعلمين، وأسباب تتعلق بالبيئة المدرسية، وأسباب تتعلق بتطور فكر الأجيال وعدم مقابلة هذا بتطور في البيئة المدرسية.
يرى أهل التربية أن الأسرة لها دور جوهري في كراهية الطفل للمدرسة بسبب انشغال الأم والأب عن التفاعل مع الحياة المدرسية لطفلهما أو بسبب تركيزهما على الجانب المعرفي وإهمال الجانب السلوكي. كثير من أولياء الأمور يركزون على الناحية المعرفية وتطور الطالب في استيعاب المقررات الدراسية ومتابعة أداء الواجبات فقط ولا يتعدى هذا الاهتمام متابعة سلوكيات الطالب في المدرسة وعلاقته بمعلميه وزملائه. بعض الآباء والأمهات يركزون على الواجبات والكم المعرفي والتحصيل العلمي للطفل ولكن لا يصل هذا الاهتمام لما يحدث لابنهم في المدرسة وطريقة تفاعله مع السلوك التنظيمي المدرسي وعلاقته بمعلميه وزملائه ولوائح وأنظمة المدرسة.
كما أن العقاب المتكرر أو التدليل المبالغ فيه للطفل يعد سببا جوهريا لكراهية الطفل للمدرسة فالعقاب وفرض قوانين صارمة من الأهل تجعل الطفل متوترا وكئيبا غالبية الوقت، كما أن عدم الوفاء باحتياجات ومتطلبات الطفل المدرسية تجعله يتعمدّ الغياب تجنبا للإحراج والخجل. وكثرة الغياب هذه تجعل الطفل غريبا في البيئة المدرسية ولا يستطيع مجاراة زملائه في التحصيل فيكره كل ما يتعلق بالمدرسة. إضافة إلى أن المشاكل الأسرية تؤثر هي أيضا في نفسية الطفل وتشعره بالفقدان والحرمان بشكل دائم فلا يستطيع التركيز في تحصيله الدراسي فيتأثر مستواه بين أقرانه ما يضطره إلى كراهية المدرسة. والأمر لا يقتصر فقط على العقاب بل إن التدليل الزائد يجعل الطفل اتكاليا فيكره المدرسة لما بها من متطلبات لا يستطيع الوفاء بها.
وهناك أسباب تتعلق بالنضج المبكر وتطور الأجيال فكريا نتيجة سهولة الوصول للمعلومة واطلاع النشء على معلومات يصعب أن يطلع عليها الكبار من خلال البرامج والنت والتواصل الاجتماعي. ويقابل هذا التطور الفكري للأطفال جمود في البيئة المدرسية وتخلف في أدوات المعرفة والتربية. إن وعي الأجيال المبكر بأسلوب الحياة وفهم الواقع بسبب سهولة الوصول للمعلومة يسبق وعي البيئة المدرسية من معلمين وإداريين وبرامج وغيرها كما يسبق أيضا وعي الأسرة. ونتيجة لكل هذا فإن المدرسة لم تعد في نظرهم المكان الذي يحقق طموحاتهم فتتكون في أذهانهم في سن مبكرة طرق لجلب الرزق أقصر من المكوث في المدرسة. وهذا النضج المبكر للطفل أدى إلى أن ينظر إلى المدرسة على أنها لا تستحق منه كل هذا العناء والاستيقاظ صباحا والمكوث حتى منتصف النهار فهناك الكثير الذي يستطيع أن يعرفه ويغذي فكره وروحه به دون وجوده لسنوات من حياته في مكان واحد يطلق عليه "مدرسة".
بقيت أسباب تتعلق بنمط شخصية الطفل وأخرى لها علاقة بالبيئة المدرسية لعلنا نناقشها في مناسبة قادمة بإذن الله.

إنشرها