لجم الهدر في التمويل بسياسة الانضباط الصارم

|

أعلن وزير المالية أرقام الميزانية للربع الثالث التي جاءت بالأداء نفسه الذي التزمت الحكومة تطبيقه منذ بداية السنة. إنفاق منضبط بدرجة كبيرة حتى إن الإنفاق أصبح أقل مما هو معتمد في الميزانية حتى نهاية الربع الثالث، بينما الإيرادات على العكس جاءت أقل مما هو متوقع حيث حققت الدولة إيرادات في حدود 450 مليارا بينما التوقع أن تحقق 519 مليارا "طبعا هذه الأرقام بعد أخذ المعدل وهو عرضة للتغير بحسب بيانات الربع الرابع" ما يعنى أن الإيرادات قد تصل إلى حدود 600 مليار أو تزيد عليها قليلا إذا استمرت أسعار النفط في مستوياتها الحالية، هذا يعني في نهاية الأمر أن الدولة أكثر استجابة في التحكم في الإنفاق عطفا على الإيرادات، بمعنى آخر، يتم تعديل الإنفاق ولو بشكل احترازي على حسب أرقام الإيرادات، وهذا يفسر التحفظ على الوصول إلى الأرقام المقدرة للإنفاق في الميزانية حيث لو استمرت الحكومة في وتيرة الإنفاق نفسها ستنهي سنة 2017 بإنفاق لا يتعدى 765 مليار ريال، وهو أقل من المقدر 890 مليار ريال في حدود 125 مليار ريال بنسبة - 14 في المائة، وفي نظري هذا ما سيحصل في نهاية السنة ولو حصل فرق فلن يكون كبيرا وذلك بسبب المنهجية المنضبطة في الصرف والإنفاق.
في الماضي كان يحدث عكس ذلك تماما، من عام 2005 حتى عام 2015، في كل سنة يتجاوز الإنفاق الفعلي الإنفاق المقدر في الميزانية ما يعكس عدم الانضباط في الصرف والإنفاق وهذا الهدر في الإنفاق كلف خزانة الدولة مئات المليارات، حسب الأرقام الرسمية والمعلنة بلغ حجم التجاوز في الإنفاق الفعلي عن الإنفاق المقدر خلال الفترة ما بين عامي 2005 و2015 تريليونا و500 مليار ريال!
هذا الهدر الضخم في المصروفات كلف الدولة كثيرا، حيث إن التجاوز في المصروفات عن المقدر في الميزانية يدل على فشل الضبط في الإنفاق وهذا الفشل قد يكون له أكثر من معنى وسبب، قد يكون عدم انضباط المسؤولين أو عشوائية أو فسادا، وأيا كان السبب فهو مؤشر غير جيد حول الأداء ولا يعطي الثقة بالأرقام، حتى إنه في سنة 2011 بلغ التجاوز في الإنفاق عن المقدر 43 في المائة وهو هامش ضخم لا يمكن تبريره بسهولة، وبشكل عام كان متوسط نسبة التجاوز في حدود 24 في المائة وهو معدل مرتفع حسب المتعارف عليه عالميا، وهو مرة أخرى إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الانضباط وفقد المصداقية في الأرقام التقديرية للميزانية.
حسب أرقام الميزانية حتى هذا الربع ما زال الإنفاق على الرواتب والأجور هو الأعلى من بين كل البنود، حيث بلغ 303 مليارات ريال أو ما يعادل 53 في المائة من إجمالي الإنفاق، ومتوقع أن يصل في نهاية السنة إلى 405 مليارات، وهو رقم كبير خصوصا إذا ما تمت مقارنته بأرقام ميزانية 2004 حيث كانت الميزانية بالكامل 285 مليارا وهو ما يعني أن بند الأجور فقط أعلى من كامل ميزانية عام 2004، إن أقرب ميزانية لأرقام بند الأجور كانت ميزانية 2006 و2007، وهذا يعكس الارتفاع الكبير في حجم فاتورة الأجور خلال السنوات الماضية بشكل أصبح مكلفا وبشكل كبير على الميزانية، وهنا تأتي أهمية الخصخصة وتقليل المصروفات التشغيلية على الدولة.
أما بالنسبة لواحد من أهم بنود الميزانية وهو الإنفاق الرأسمالي فما زال أقل من المعدلات المحققة في السنوات الماضية حيث لم يتجاوز حتى الآن 17 في المائة، بينما كان المتوسط في حدود 30 في المائة، لذلك يعتبر منخفضا بشكل كبير خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار نمو الاقتصاد خلال السنوات الماضية فهذا يعطي أثرا مضاعفا لهذا الانخفاض.
من المتوقع في عام 2018 أن تشهد الميزانية مزيدا من التوسع والإنفاق، وحسب تصوري سيكون لمصلحة الإنفاق الرأسمالي، فإذا حققت الميزانية لعام 2017 إنفاقا بين 765 و790 مليارا فإن السنة المقبلة سيكون الإنفاق أعلى وقد يتجاوز 15 في المائة، ما يعني إنفاق ما بين 880 و910 مليارات مع التزام بإنفاق هذه الأرقام على عكس 2017 حيث تم التحفظ على الوصول إلى الأرقام المقدرة في بداية السنة، وهذا يعني في النهاية ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بسبب تجمد أو ضعف الارتفاع في بند الإنفاق على الرواتب والأجور، فعليه سيصب أغلب الارتفاع في الميزانية في مصلحة الإنفاق الرأسمالي الذي قد يكون ما بين 244 و274 مليار ريال، في حدود 30 في المائة من الميزانية، الذي سيكون أعلى بكثير من الإنفاق في 2017 حيث من المتوقع ألا يتجاوز 130 مليار ريال.
ختاما، أتوقع أن يكون عام 2018 أفضل بكثير مما توقعته شخصيا في أول بداية برامج "الرؤية" وبرنامج "التوازن المالي"، حيث التصريح بعودة السياسة المالية التوسعية عبر إنفاق الميزانية لعام 2018، والترقب لبدء إنفاق صندوق الاستثمارات العامة على عدة مشاريع ضخمة منتظرة في عدة مناطق من المملكة التي من المتوقع أن تنعش الطلب وتسهم في زيادة الناتج المحلي بشكل تدريجي، هذا كله سيعكس وبشكل تدريجي الاتجاه التشاؤمي السائد اليوم في القطاع الخاص ويعزز الاستثمار في العام المقبل بإذن الله.

إنشرها