الفساد .. ظلم للفقراء

|

يمكن تعريف الفساد في القطاع الحكومي بأنه استغلال المسؤولين صلاحياتهم في صياغة وتفعيل الأنظمة والتشريعات والإجراءات لتحقيق منافع خاصة. وينتج عن الفساد عادة تضخم ثروات المسؤولين الحكوميين الفاسدين ونظرائهم في القطاع الخاص، أو خفض الالتزامات المالية أو غير المالية. ولا يوجد دين أو عرق أو لون للفساد، حيث ترتفع مستويات الفساد في عديد من بلدان العالم بغض النظر عن الفوارق بينها. وعلى الرغم من عظمة الإسلام وسماحته ووضعه التشريعات المفصلة التي تحرم الفساد وأدواته ومظاهره، إلا أن الفساد ينخر في معظم المجتمعات الإسلامية ويتسبب في ضعفها وتخلفها وعدم الاستقرار فيها. يبرر الفاسدون من جميع المجتمعات أعمالهم بشتى الوسائل والآراء والمعتقدات.
للفساد مساوئ كثيرة على المجتمعات والأفراد والدول، حيث يعتبر من أكبر عقبات التنمية والاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويتسبب في التخلف والجريمة، ورداءة الخدمات والسلع الحكومية ونقصها، وعند استشرائه سيهدد وجود الدول والمجتمعات ووحدتها. يقلل الفساد الثقة في السياسات والإجراءات الحكومية، حيث يمكن اختراق أو تجاوز كثير من الأنظمة والممنوعات والقيود التي تهدف لتعظيم الرفاه الاجتماعي من خلال الفساد، بينما لا تمنح كثيرا من الامتيازات والحقوق التي يتمتع بها الأفراد والمؤسسات إلا بعد موافقة منظومات الفساد. يخفض الفساد عدالة توزيع النفوذ والقوة في المجتمع وهذا يقود إلى سوء توزيع الثروة والدخل والفرص المتاحة. ويشير عديد من الدراسات إلى وجود علاقة قوية بين الفقر وسوء توزيع الثروة والدخل من جهة ومستويات الفساد في الجهة الأخرى. وينتج عن سوء توزيع الدخل زيادة التوترات بين الشرائح السكانية وخفض كفاءتها وإنتاجيتها ما يدفع أجزاء منها إلى الاستبعاد أو التهميش الاجتماعي. يعرف التهميش الاجتماعي بأنه عمليات منظمة لمنع الأفراد أو بعض الشرائح السكانية من الوصول بشكل كامل أو جزئي للحقوق والامتيازات والفرص المفترض تمتعهم بها. ومن أبرز الأمثلة على الحقوق السكن والعمل والرعاية الصحية والتعليم.
تذكر منظمة الشفافية الدولية في أحد إصداراتها أن هناك علاقة بين التهميش والاحتواء الاجتماعي في دول العالم وترتيب الدول في النزاهة. وتحتل المكسيك مثلا مركزا متأخرا في كل من الفساد والتهميش الاجتماعي، بينما تحتل دول مثل الدنمارك والنرويج مراكز متقدمة في النزاهة والاحتواء الاجتماعي. صحيح أن الدول الغنية تملك موارد تمكنها من محاربة الفساد وخفض التهميش الاجتماعي بقوة أكثر من الدول الفقيرة، ولكن التحليلات الفنية للبيانات تؤكد أن العلاقة بين الفساد والتهميش الاجتماعي قوية حتى مع استبعاد تأثير العوامل الأخرى بما في ذلك الناتج المحلي للفرد.
يتداخل الفساد مع مهمات الحكومات وسياستها في تخصيص الموارد وضمان الاستقرار الاقتصادي وعدالة توزيع الدخل وهو ما يغير من أهدافها ونتائجها. وفي حالة استفحال الفساد تتفاقم معضلة الفقر وتنخفض عدالة توزيع الدخل والثروة بين أطياف المجتمع. ويتم ذلك من خلال خفضه للنمو الاقتصادي، وتركيزه لملكية الأصول "خصوصا الأراضي"، وحرفه لاستهداف الدعم، وتأثيراته السلبية في عدالة النظام الضريبي ومستوى وفعالية الإنفاق الاجتماعي وتنمية الموارد البشرية والمساواة في الفرص التعليمية والوظيفية. يتسبب فساد القطاع العام في تدني كفاءة الإنفاق الحكومي، ويؤثر في مستوى ونوعية الخدمات الحكومية المقدمة. فالفساد المالي وغير المالي يقلل من حجم وانتشار وجودة الخدمات الحكومية بشكل عام بما في ذلك الخدمات التعليمية والصحية والرعاية الاجتماعية. وهذا سيحرم أو يقلل المنافع التي تحصل عليها الفئات السكانية متدنية الدخل من الضمان الاجتماعي والتعليم والرعاية الصحية دافعا بها إلى التهميش.
من جهة أخرى يصاحب الفساد المالي في كثير من الأحيان فساد غير المالي من خلال توظيف الشلل والمقربين والمعارف في المؤسسات الحكومية للتغطية على ممارسات الفساد ما يفاقم من آثار الفساد السيئة وينحدر بكفاءة القطاعات الحكومية. ويلقي كثير من المفكرين والمختصين باللوم على الفساد في التسبب في الفقر حيث يعتقدون أن الغنى الفاحش مرتبط بوجود فقر مدقع.
يمكن تخفيف آثار الفساد في توزيع الدخل من خلال تبني سياسات محاربة الفساد التي تتركز في تبني أعلى درجات الشفافية في السياسات والأنظمة والإجراءات والإنفاق والمشاريع الحكومية والمعلومات، والإدارة السليمة في استغلال الموارد الطبيعية، وتفعيل سياسات الحوكمة والرشادة ومحاسبة المسؤولين. ويلعب تبسيط الإجراءات والأنظمة الحكومية وتوضيحها وتحديد المسؤوليات بشفافية دورا في الحد من الفساد، كما يمكن أن يساعد تبني معاير جودة الخدمات الحكومية دورا محوريا على التصدي للفساد بأشكاله كافة. وباستطاعة الإعلام الحيادي والنزيه والمحترف أن يلعب دورا قويا في محاربة الفساد من خلال فضح ممارسات الفساد والذين يقفون وراءه. وعموما يؤثر الفساد بدرجة أقوى في الفقراء ومحدودي الدخل أكثر من غيرهم وذلك لتدني نفوذهم وتأثيرهم في المؤسسات والسياسات الحكومية. ولهذا فإن خفض مستويات الفساد يرفع المظالم التي يتسبب فيها عن الشرائح السكانية متدنية الدخل، حيث تفيد الدراسات أن ردع الفساد يزيد عدالة توزيع الثروة والدخل في المجتمع، ويحارب الفقر، ويرفع معدلات النمو الاقتصادي، ويحسن حسابات المالية العامة والموازين الخارجية.

إنشرها