FINANCIAL TIMES

«سيمنز» و«جنرال إلكتريك» .. رائدتا صناعة الكهرباء تعانيان «ضربة» شمس

جو كايزر، الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز، كان لديه سؤال استفزازي وجهه للصحافيين يوم الخميس الماضي. هل كانوا يعلمون كم عدد توربينات الغاز الكبيرة التي طُلِبت في ألمانيا خلال السنوات الثلاث الماضية؟ قال لهم: "سأخبركم، المجموع يصل إلى اثنين!".
جنبا إلى جنب مع منافستها الأمريكية، "جنرال إلكتريك"، كانت شركة سيمنز الألمانية واحدة من الشركات المميزة في العصر الصناعي. تم تأسيس كلتا الشركتين في القرن الـ19؛ "سيمنز" في عام 1847 و"جنرال إلكتريك" في عام 1892. واستفادت كل منهما من جذورها في صناعة الكهرباء لتصبح من الشركات العملاقة في القرن الـ20.
مع ذلك، وكما يوحي السؤال الصارخ الذي طرحه كايزر، تواجه كلتا الشركتين تهديدات مماثلة في القرن الـ21، أهمها تهديدات من ثورة مصادر الطاقة المتجددة التي تنذر بخطر تحويل مَواطن قوتهما التي دامت قرنا من الزمن في مجال توريد المعدات اللازمة في صناعة الكهرباء لتصبح بلا استخدام.
مع انخفاض تكاليف الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، على نحوٍ جعلها أرخص من توليد الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري في أجزاء كثيرة من العالم، تغير الأنموذج التقليدي للصناعة. فقد ارتفع الإنفاق الرأسمالي على التكنولوجيات الجديدة إلى مستويات عالية. وبدأ التخزين بواسطة البطاريات يصبح أيضا حلا اقتصاديا من حيث التكلفة لدعم ومساندة الشبكة، ما يشكل تحديا للسوق في مجال توربينات الغاز التي تستخدم عندما يكون الطلب عند أعلى مستوى له. مع ذلك اتخذت كلتا الشركتين مراكز في مجال الطاقة المتجددة، لكنهما تعثرتا في الطريق.
والنتيجة هي أن كلتا الشركتين مضطرة لتخفيض التكاليف بشكل عجيب في أعمالها التجارية الأساسية في مجال الطاقة. تتطلع شركة سيمنز لتخفيض الآلاف من الوظائف في وحدة الطاقة والغاز الخاصة بها. ومن المنتظر أن يعطي جون فلانري، الرئيس التنفيذي الجديد لشركة جنرال إلكتريك، معالم خططه الهادفة إلى تحسين أوضاع الشركة الأمريكية بصورة جذرية، التي أصبح وضعها المالي محفوفا بالمخاطر بشكل كبير جدا حيث قررت تخفيض توزيعات أرباحها التي كانت في الماضي مضمونة تماما.
مع ذلك، على الرغم من أن كلتا الشركتين تواجهان بيئة مضطربة، إلا أن التوقعات الفورية تبدو أكثر إشراقا بالنسبة إلى "سيمنز" التي يبدو أنها في وضع أفضل يمكِّنها من التكيف مع التعطيل الذي يجتاح صناعة الطاقة.
باعتبارهما شركتين بينهما منافسة شرسة في الأسواق المنتشرة حول العالم، عادة ما تتحلى "جنرال إلكتريك" و"سيمنز" بكياسة باردة. لكن في الأسبوع الماضي، سمح كايزر لنفسه بأن يشمت في خصمه قليلا. قال وهو يقدم نتائج الشركة السنوية الكاملة: "التكتلات الأخرى كانت أقل نشاطا في تشكيل تحولها الاستراتيجي. وهذا يمكن رؤيته أيضا في مجال أسعار أسهم تلك الشركات". يمكن غفران تهنئة الذات تلك التي عبر عنها كايزر: على مدى الـ12 شهرا الماضية، انخفضت أسهم "جنرال إلكتريك" 28 في المائة في الوقت الذي ارتفعت فيه أسهم شركة سيمنز 8 في المائة.
عام 2017 كان كارثة بالنسبة لشركة جنرال إلكتريك. تراكمت الأسئلة خلال حزيران (يونيو) عندما أعلنت الشركة مغادرة جيف إيميلت رئيسها التنفيذي منذ عام 2001. وجاءت الإجابات في تشرين الأول (أكتوبر)، عندما أعلنت "جنرال إلكتريك" انخفاض في الأرباح للربع الثالث من العام وخفضت بشكل حاد توجيهاتها للعام بأكمله. فلانري الذي تولى المنصب في آب (أغسطس)، وصف تلك النتائج بأنها "غير مقبولة، على أقل تقدير"، وقال إن الشركة بحاجة إلى "إجراء بعض التغييرات الأساسية على وجه السرعة".
وقد اتخذ منذ فترة إجراءات بشكل سريع للإشارة إلى نواياه: الاستغناء عن كثير من كبار التنفيذيين، وإيقاف الطائرات النفاثة التابعة للشركة، وإيقاف تسليم سيارات لكبار المديرين، وتقليص شبكة مراكز البحوث العالمية، والوعد ببيع الأعمال الطرفية ذات الأداء الضعيف التي تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار.
في الوقت الذي كانت فيه "سيمنز" تحذر من المخاطر التي تهدد توليد الكهرباء باستخدام المواد الهيدروكربونية، اختار إيميلت المتحمس الذي يتصف بطابع الميل إلى النظر إلى الجانب المشرق، زيادة الرهان على صناعات الوقود الأحفوري.
في حديث مع "فاينانشيال تايمز" الأسبوع الماضي كان كايزر صريحا حول الإخفاق الواضح الذي منيت به "جنرال إلكتريك" من حيث الاعتراف بمشاكلها. قال: "لم يتحسن أي شيء أبدا من خلال تجاهل الواقع".
وأضاف أنه كان يبدو على إيميلت أنه يحاول القيام ببعض الأمور الصحيحة بما في ذلك القرار الذي اتخذه عام 2015 والمتمثل في بيع معظم أعمال الخدمات المالية الخاصة بشركة جنرال إلكتريك، لكن حديثه المتفائل لم يكن مطابقا للواقع. قال كايزر: "لم أسمعه قط يقول: "أنا آسف، لقد كنت مخطئا". دائما ما كان هناك تفسير للسبب في أن شخصا آخر ارتكب خطأ ما، أحيانا يكون الزبون".
عملت كل من "سيمنز" و"جنرال إلكتريك" على توسيع نطاق عملها ليشمل مجالات مثل المعدات الطبية، لكنهما ما زالتا خاضعتين لإطار أصولهما في مجال الطاقة الكهربائية. يشار إلى أن أعمالهما الأساسية التقليدية في مجال الطاقة التي تشكل هذا عامة نحو ثلث الإيرادات الصناعية لشركة جنرال إلكتريك وخمس الإيرادات الخاصة بشركة سيمنز، هي التي كانت تتسبب في ظهور أكبر المشاكل. انخفضت أرباح شركة سيمنز في قسم الطاقة والغاز بنسبة 15 في المائة في عام 2016-2017، وانخفضت الطلبات 30 في المائة. من المتوقع قريبا أن تعلن تخفيض آلاف الوظائف في القسم الذي يضم 47 ألف موظف، بهدف معالجة الإفراط الضخم في الطاقة التشغيلية للشركة في سوق توربينات الغاز.
كان أداء قسم الكهرباء في "جنرال إلكتريك" أسوأ حتى من ذلك. جيف بورنشتاين، كبير الإداريين الماليين الذي سيغادر الشركة في نهاية العام، قال للمحللين في الشهر الماضي إن قادة الشركة يشعرون "بخيبة أمل حادة" بسبب أداء القسم، الذي أعلن انخفاضا نسبته 51 في المائة في الأرباح للربع الثالث من العام. وقال: "تعرضت الأعمال لتغييرات في السوق، ولم يكن التغير لدينا سريعا بما يكفي لمواكبة ذلك".
تبين أن توقعات الإدارة للربع الثالث متفائلة بشكل جامح. مبيعات توربينات الغاز التي تعمل بمزيج من الغاز والهواء، المستخدمة لدعم الشبكات في أوقات وصول الحمل إلى الذروة، كانت بمقدار نصف الأرقام المخطط لها، في الوقت الذي كانت تشكل فيه مبيعات الحزم التي تهدف إلى تحسين أداء المصانع التي تعمل بالغاز مجرد ثلث التوقعات.
في عام 2010 كان المتنبئون في السوق يفترضون أن يكون هناك نحو 300 توربين غاز كبير مباع في كل عام، لكن في عام 2013 تم طلب 212 توربينا فقط في مختلف أنحاء العالم. وهذا العام كان عدد الطلبات 122.
في العام الماضي كان الغاز لا يزال هو الوقود الأكثر شعبية في الولايات المتحدة من حيث توليد الكهرباء الجديدة، متفوقا بشكل محدود على طاقة الرياح. لكن مبيعات "جنرال إلكتريك" العالمية من التوربينات الكبيرة انخفضت من 134 في عام 2009 إلى 104 في العام الماضي.
يقول جيمس ستيتلر، المحلل لدى باركليز: "جميع الشركات الرئيسة البائعة فهمت السوق بشكل خاطئ"، مضيفا أن مصدر القلق الكبير التالي هو تقديم خدمات لتلك التوربينات التي كانت في الماضي بمثابة منجم ذهب، لكنها معرضة للتراجع مع انخفاض الطلبات الجديدة. ولأن التوربينات تباع بأسعار دون هوامش ربح أو أحيانا بخسارة، تزداد حدة المنافسة لتقديم خدمات للعقود، ما يزيد أيضا من تراجع هوامش الأرباح.
وفقا لجيف سبراج، وهو محلل لدى شركة فيرتيكال بارتنرز للبحوث، من المرجح أن تبقى سوق توربينات الغاز في وضع غير موات في المستقبل المنظور. يقول: "أنا لا أرى بصيص أمل في نهاية الطريق عام 2019، وليس هناك سبب محدد يدعو للاعتقاد بأن الأمور ستكون أفضل في عام 2020. السؤال هو ما إذا كان ذلك مجرد مشكلة دورية، أو ما إذا كان هناك شيء هيكلي في الصناعة بدأ تسبب في حدوث مشاكل".
هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن المشكلة هيكلية، نظرا للتراجع في تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يقول جوناثان مير، من مصرف لازارد الاستثماري، الذي يتعقب تكاليف مصادر الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء: "إن مزيج الطاقة الشمسية الموجودة على الأسطح وتخزين البطاريات يمكن أن يكون له منطق اقتصادي في الهند والبلدان الإفريقية وغيرها من الأماكن التي لا توجد فيها شبكات كهرباء متطورة".
كانت هناك استثمارات بقيمة 316 مليار دولار في مصادر الطاقة المتجددة في مختلف أنحاء العالم في العام الماضي، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المبلغ المستثمر في توليد الكهرباء من مصادر الوقود الأحفوري الذي بلغ 117 مليار دولار، وفقا للوكالة الدولية للطاقة.
كانت كل من "جنرال إلكتريك" و"سيمنز" تسعى للانضمام إلى ثورة مصادر الطاقة المتجددة، وفي مجال طاقة الرياح كان لهما بعض الإنجازات الناجحة. كانت "جنرال إلكتريك" ثاني أكبر شركة مصنعة لتوربينات الرياح في العالم في العام الماضي. واستحوذت "سيمنز" على شركة التوربينات الإسبانية، جاميسا، في نيسان (أبريل)، ولديها آمال كبيرة بأن تصبح شركة رائدة عالميا في مجال مصادر الطاقة المتجددة. لكن كايزر يقر بأن التحول سجل بداية متعثرة. في الأسبوع الماضي قالت سيمنز جاميسا إنها ستسرح 6000 عنصر من قوتها العاملة البالغة 27 ألف عامل، في الوقت الذي تعمل فيه على إدماج الوحدة وسط منافسة حادة وطاقة فائضة.
في مجال الطاقة الشمسية، لا تتمتع أي من الشركتين بإنجازات حقيقية يمكن الحديث عنها. لدى "جنرال إلكتريك" بعض التكنولوجيا الشمسية، لكن خطتها لبناء أكبر معمل لتصنيع الألواح الشمسية في الولايات المتحدة، التي أطلقت عام 2011، تم التخلي عنها.
من جانبها وضعت سيمنز رهانا كبيرا على الطاقة الشمسية عام 2009، لكنها تخلت عام 2013 عن هذا المجهود الخاسر؛ بل إنها حتى لم تتمكن من العثور على مشتر واضطرت إلى إغلاق الأعمال. الأسماء الكبيرة في تصنيع ألواح الطاقة الضوئية الفولطية تأتي بالدرجة الأولى من الصين، بما في ذلك "ترينا سولار" و"جينكو سولار".
في سنواته الأخيرة قرر إيميلت زيادة رهانه على الوقود الأحفوري، بدلا من أن يميل نحو مصادر الطاقة المتجددة. في عام 2015 أنفقت "جنرال إلكتريك" عشرة مليارات دولار لشراء أعمال توليد الكهرباء من "ألستوم" التي كانت قوية بشكل خاص في تصنيع معدات محطات توليد الكهرباء بالفحم الحجري. وفي كلمة له في مؤتمر سيراويك الذي عقد عام 2016، أقر إيميلت بأن الوقت الحالي "ليس هو أفضل الأوقات في الدورة لِرِهان من هذا القبيل"، لكنه جادل بأن من الممكن أن نجعله ينجح.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، تابع صفقة للجمع بين قسم معدات وخدمات حقول النفط وشركة بيكر هيوز، ودفع 7.4 مليار دولار لإنشاء شركة مدمجة تحتفظ فيها "جنرال إلكتريك" بحصة تبلغ 62.5 في المائة. وكانت الأرباح في ذلك القسم عن الأشهر التسعة الأولى من عام 2017 أدنى بنسبة 41 في المائة، باستثناء تكاليف إعادة الهيكلة.
وتعرضت "سيمنز" إلى عثرات في الوقود الأحفوري أيضا. ففي أيلول (سبتمبر) 2014 وافقت على دفع 7.6 مليار دولار لشركة دريسر راند التي تصنع الضواغط لصناعة النفط والغاز، تماما في الوقت الذي بدأت فيه الأسعار في الانهيار. لكن أخطاءها كانت أقل تكلفة واستطاعت الأعمال الناجحة في أتمتة المصانع والمعدات الطبية جعل الأرباح مستدامة.
وبالمثل، لدى "جنرال إلكتريك" أقسام تؤدي أداء جيدا، مثل الأقسام التي تصنع محركات الطائرات والمعدات الطبية. ومن الواضح أن بعض مشاكلها دورية، والارتفاع الأخير في أسعار النفط الخام يبعث على الأمل في أن تتحسن أعمال خدمات حقول النفط، التي تعرف الآن باسم شركة بيكر هيوز، التابعة لـ"جنرال إلكتريك".
ولا يزال قسم الكهرباء عنصرا حرجا بالنسبة لمستقبل "جنرال إلكتريك"، ويتعين على فلانري إصلاحه لتحقيق الاستقرار في مواردها المالية.
يقول جون إينش، وهو محلل في دويتشه بانك: "إنه يسير في بداية جيدة. لكن الأمر سيستغرق وقتا طويلا جدا لإعادة الشركة إلى وضعها الصحيح". ويضيف محلل آخر أن فلانري ورث فوضى.
إذا تعثر فلانري، عندها ربما يبدو تفكيك "جنرال إلكتريك" وكأنه الخيار الوحيد أمام المستثمرين. هذا ليس من شأنه أن يؤدي إلى تبديد مشاكل الشركة بشكل سحري، وسيكون صعبا بسبب الموقف الضريبي المعقد للمجموعة ومطلوباتها، بما في ذلك مطالبات التأمين التي يرجع تاريخها إلى الفترة التي انسحبت فيها "جنرال إلكتريك" من هذه الصناعة بين عامي 2004 و2006.
ولتجنب التفكيك، قد تتبع شركة جنرال إلكتريك الأنموذج الذي أنشأته شركة سيمنز عام 2014 من أجل هيكل يتسم بقدر أكبر من اللامركزية، أو كما يطلق عليه كايزر، أنموذج "أسطول السفن"، حيث الأقسام تصبح شبه مستقلة ومدرجة في البورصة بشكل منفصل. ومن المقرر أن يتم إدراج أكبر قسم في "سيمنز"، وهو وحدة المعدات الطبية، في العام المقبل.
ويقول: "انتهى زمن التكتلات القديمة. إنها بالتأكيد لن تنجو".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES