المراجعة الداخلية والمسؤولية عن وجود فرصة الفساد

|

اليوم تحقق مهنة المراجعة الداخلية مزيدا من التقدم على حساب كثير من المهن الأخرى مثل مهنة مراقبة الجودة، ومهنة المراجعة الخارجية، وهناك مهن قد لا تكون موجودة في المستقبل، لكن بالتأكيد – وحتى الآن - لن تكون مهنة المراجعة الداخلية من ضمنها، إلا إذا – وإذا فقط – أخفق المراجعون الداخليون في الاعتراف بمسؤولية ما تجاه محاربة الفساد. من المتوقع أن تفقد مهنة المراجعة الخارجية وجهتها في السنوات المقبلة، وقد لا تكون ضرورية بشكلها الحالي وتقاريرها المعقدة، ذلك أن المراجعة الخارجية ولعقود طويلة استمرت تنكر مسؤوليتها عن اكتشاف الغش، ولم تعترف بأي مسؤولية عن ذلك، على الرغم من أنه كلما حدثت مشكلات مالية وظهر الفساد كأحد أسباب المشكلات فإن الأحكام القاسية دائما ما تطول المراجعين الخارجيين، على الرغم من أن المهنة مستمرة لإنكارها لهذه المسؤولية.
المجتمع يريد من يحميه من الفساد، ومن يتحمل مسؤولية عن وقوع هذا الفساد، ليس كي يعاقبه ولكن ليكون مسؤولا ويراقب ويحمي وإذا وقع الفساد تحمل مسؤوليته، ليس عن الفساد بالضرورة ولكن عن وقوعه، هذه الحلقة ضائعة حتى الآن. من السهل أن يقع الفساد، وغالبا من السهل اكتشافه، ومن بعد ذلك معاقبته، لكن لماذا نصل دائما إلى مرحلة وقوع الفساد ومعاناة الناس منه لفترات طويلة؟ أين خطوط الدفاع عنه؟ وهنا أقولها بصورة واضحة إذا لم تقم مهنة المراجعة الداخلية بإعلان مسؤولية ما عن وقوع كوارث الفساد وتحدد هذه المسؤولية بوضوح وتعمل على تدريب منسوبيها من أجل مقابلة هذه المسؤولية فإنها حتما سوف تندثر كمهنة، وتبقى مجرد وظيفة سيتم إهمالها مستقبلا مع ظهور أدوات تتحمل هذه المسؤولية وترفع تقارير عنها، حتى لو كانت مجرد روبوتات.
التحقيق في الفساد، جمع الأدلة والقرائن والقبض على المتهمين وغير ذلك من مسائل ليست من أعمال المراجعة الداخلية، بل أقول هنا، إنه ليس من مسؤوليات المراجعة الداخلية الكشف عن الفساد أو اتهام أحد بذلك، وهنا لا يوجد تناقض في قولي، ذلك أن المسؤولية التي يجب على المراجعين الداخليين الاعتراف بها هي مسؤوليتهم عن حماية المنظمة من الوقوع في الفساد، وإذا حدث فساد بأي نوع يؤثر في أهداف المنظمة حتى لو كان على سمعتها فقط، فإنه يجب عليهم إثبات أنهم بذلوا عناية مهنية كافية لمنع حدوثه.
يحدث الفساد إذا اكتملت أضلاع مثلثه، وهي (1) الفرص لارتكاب الفساد، (2) والضغوط التي يتعرض لها الشخص وتجبره على ارتكاب الفساد، (3) والضلع الثالث هو التبرير المنطقي الذي يقتنع به الشخص لتبرير ارتكاب الفساد لنفسه. بالطبع لن تكون المراجعة الداخلية مسؤولة عن الضغوط التي يتعرض لها الشخص، ولا عن تبريراته، لكنها حتما – عندي – مسؤولة عن وجود فرص لارتكاب الفساد في المنظمة ولم تقم المراجعة الداخلية باكتشافها أو الإعلان عنها ورفع تقارير تفيد بوجودها أو حتى تحارب من أجل إغلاق فرص الفساد هذه، ولا يسأل المرء بعد اجتهاده.
ماذا تعني "فرصة حدوث فساد؟"، الأصل في المنظمات أنها تعمل لتحقيق أهداف معينة، سواء كانت أرباحا مالية أو خدمات مجتمعية أو مجرد خدمة المصلحة العامة بشكل غير مباشر، هذه الأهداف تتعرض لمخاطر عدة، ودور أي جهاز تنفيذي لم يعد العمل على تحقيق هذه الأهداف، بل هو حماية هذه الأهداف من المخاطر التي قد تتعرض لها، فمثلا سرقة مخازن الشركة قد تعرض أهدافها الربحية للضرر، وعدم الالتزام بشروط توريد معينة يعرض خدمات مؤسسة حكومية للضرر، لذلك يجب على الإدارة الحديثة اكتشاف المخاطر (قبل حدوثها) وتحديدها ثم العمل على بناء منظومة من اللوائح والتعليمات والإجراءات التي تضمن عدم تعرض المنظمة لهذه المخاطر. فالمدير الجيد قادر على تعريف المخاطر التي تواجه عمله وقادر على تحديد قوة دفاعاته أمامها. لكن إذا كان المدير غير كفء، بمعنى أنه لا يستطيع أن يحدد المخاطر وليست لديه وسائل ولا إجراءات لمواجهتها، فإن أعمال المنظمة معرضة لخطر الفساد، وكل ما يحتاج إليه الشخص للوقوع فيه هو اكتمال ركني المثلث الباقيين (الضغوط والتبرير). "فرصة فساد" تعني إذا ضعفت المؤسسة داخليا في محاربة الفساد ومكافحته، ضعفت في أداء المديرين والموظفين، أو في كفاءتهم، أو في مدى مناسبة خبراتهم مع مناصبهم، أو في عملهم بشكل عام، أو أنها ضعفت في الرقابة الداخلية، فلا توجد أنظمة وتعليمات وإجراءات معلنة وواضحة وكافية، ولا يوجد ضبط داخلي، ولا توجد حماية للأصول والمخازن بما يتلاءم مع طبيعتها، ولا توجد حماية للأمن المعلوماتي، كل هذه فرص للفساد، ومن ذلك أيضا عدم وجود خطوط دفاع أخرى تعمل مثل ضعف المراجعة الداخلية وضعف المراجع الخارجي وضعف شامل في الحوكمة. إذا وجدت هذه الفرص بتفاصيلها في أي مؤسسة حدث فيها فساد فإن المراجع الداخلي مسؤول عن ذلك. وإذا لم تتحمل المراجعة الداخلية مسؤولياتها أو تنصلت منها فإنها سوف تكون من مهن الماضي. تقبلوا تحياتي.

إنشرها