الفساد .. من الزاوية الاقتصادية

|

في خطوة مفاجئة وجريئة نوعيا قامت الحكومة مؤسساتيا بقيادة الأمير محمد بن سلمان بالتصدي للفساد من أعلى الهرم الإداري والمجتمعي وفاء بما ذكره قبل أكثر من سنتين خاصة حين قال إن محاربة الفساد لن تستثني أحدا. لأسباب موضوعية معروفة، اقتصاد المملكة مالي توزيعي النزعة ولذلك حين يذكر الفساد يغلب على كثيرين دور التسريبات من المالية العامة التي تأتي على حساب مصالحه الشخصية غير المباشرة ما يثير نزعه إصلاحية أو غيرة شخصية اعتمادا على موقعه في سلم الوعي الاجتماعي أو مركزه المالي مقارنة بالآخرين خاصة من يعرفهم. ولكن للفساد أيضا جانبا آخر أكثر ضررا وخطرا حين ينخر في مصداقية المنظومة كلها إلى أن تصل رسالة للغالبية مفادها أن النجاح المالي مقرون بالفساد بدلا من الجدارة والجهد والتعليم الجيد. ما حدث في المملكة في العقود القليلة الماضية تراكم أنواع مختلفة من الفساد ولذلك كان لابد من حل جذري لإنقاذ الجسم الاقتصادي. التوقيت اقتصاديا وجيليا واجتماعيا مناسب.
الفساد المالي موجود في كل المجتمعات وحتى المتقدمة منها ولكنه مختلف الحجم والنوعية، فهو يقوم بدور الضريبة السامة إذ يذهب ريعها ليس للحكومة ولكن لمستفيد متطفل. الفساد المالي وحش ذميم منظور ولكنه الوجه غير المنظور للفساد الاقتصادي. الفساد الاقتصادي يحرف ويشوه العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك وتوزيع الثروة ما يؤثر سلبيا في سلامة محركات الاقتصاد ويشوه الرسالة العامة. الفساد الاقتصادي يجد البيئة الصالحة كلما تضخم دور الجهاز الحكومي في الإدارة الاقتصادية ولذلك مصدره الأساس نموذج اقتصادي غير ملائم للتطور، بل إنه سيكرر نفسه تحت مسميات وأعذار مختلفة إذا استمرت المنظومة على النسق نفسه. حين يسمع البعض هذا الوصف سيقفز بالتوصية بالتخصيص وكأنه كبسولة تستطيع علاج كل الآفات الاقتصادية بما فيها الفساد. أرى أن هذا الحل مطب آخر قد يحمل فسادا مختلفا إذا أخذنا بالتخصيص قبل توافر شروط نجاحه خاصة أن التكلفة القانونية من تبعات فساد قطاع خاص هزيل تكون عالية.
الخطوات التي اتخذت تصب في الاتجاه الصحيح على أكثر من صعيد من حيث دور القدوة وهيبة النظام والحفاظ على المال العام ولكن لابد من خطوات متلاحقة لحين إعادة تأسيس منظومة اقتصادية تعكس نسقا جديدا في القوى الاقتصادية. التوقف يحمل مخاطر إذ قد يسبب هجرة الأموال، ولكن الخطوات المتواصلة تؤسس لقاعدة جديدة أكثر ديمومة بما فيها الطمأنينة على حماية الحقوق وسلامة الواقع الاستثماري. الخطوات اللاحقة تبدأ بالقضاء وكتاب العدل والبلديات، خطوات ليست كلها عقابية مع ضرورة العقاب للمقصر، ولكن في التقنين وتطوير الإجراءات لمزيد من الانكشاف على القوى الاقتصادية وانسيابية ومرونة الأعمال. الخطوة الأخرى تأتي في رفع مستوى الحوكمة خاصة أن هيئة السوق المالية لم تثبت إبداعا أو جرأة في تطوير الحوكمة وملاحقة الفاسدين وإلى حد أقل بمسافة مؤسسة النقد.
محاربة الفساد مكلفة ولكن عدم محاربته أكثر خطرا ولذلك لابد من المواصلة خاصة أنها تلاقي دعما من الغالبية الواضحة، ولكن النقص في الكفاءة يسيء إلى كفاءة استغلال الثروة ومن هنا فإن رفع المستوى الاقتصادي من حيث الكفاءة والإنتاجية من خلال دور العنصر البشري، حيوي جدا منحه علاقة مباشرة بين درجة الفساد والكفاءة. لذلك يبدو أن أحد مسببات الفساد نقص مؤثر في الكفاءة خاصة أننا لم نثبت كفاءة في الفرز بين الكوادر، إذ لا تزال هناك جيوب كثيرة من محدودي الكفاءة والضعف المعرفي. أعتقد أن الخطوة التالية في تقليل طلاب التعليم العالي لرفع مستوى الكفاءة قياديا وتوفير ما يكفي من الطاقات البشرية لرفع كفاءة الطبقات الفنية. سأستعرض موضوع الطاقة البشرية الأسبوع المقبل.

إنشرها