FINANCIAL TIMES

أخروا المدرسة .. المراهقون بحاجة إلى مزيد من النوم

في المملكة المتحدة تم أخيرا تأخير عقارب الساعة 60 دقيقة، إشارة على نهاية التوقيت الصيفي البريطاني. وكان الخبراء يدرسون تحولا زمنيا أكثر دواما في جداولنا اليومية، خاصة بالنسبة للمراهقين المتعبين الذين يعانون دوام المدرسة المبكر.
إعادة التفكير في النوم لدى من هم في سن المراهقة ترجع إلى حد كبير إلى العلم الناشئ حول نظم الإيقاع اليومية. علم الوراثة المرتبط بساعات الجسم حصل هذا العام على جائزة نوبل للطب ـ علم وظائف الأعضاء. يُعتقد أن توقيت إطلاق الميلاتونين، هرمون النوم، يتغير مع التقدم في السن: خلال فترة المراهقة يبدأ إفرازه في وقت متأخر من الليل ويستمر حتى نحو الثامنة صباحا. وإيقاع النوم لدى أي مراهق يمكن أن يتخلف عن البالغ بواقع ساعتين إلى ثلاث ساعات.
يجادل تقرير صادر عن مؤسسة راند بأن تأجيل بدء اليوم الدراسي إلى الثامنة والنصف صباحا، أو ما بعد ذلك يمكن أن يحقق 140 مليار دولار للاقتصاد الأمريكي على مدى 15 عاما. يبدأ اليوم الدراسي لدى بعض المدارس في الولايات المتحدة في وقت مبكر في حدود الساعة السابعة صباحا.
وتظهر المكاسب التي هي في حدود 9.3 مليار دولار في السنة أساسا من إنجازين متوقعين: تحسين الأداء الأكاديمي الذي يزيد من احتمال التخرج والعمل في المستقبل. وتقليص حوادث السيارات، الذي يعني أن مزيدا من الطلاب سيصلون إلى سوق العمل في المستقبل.
يقول ماركو هافنر، وهو خبير اقتصادي في شركة راند، إن المكاسب يمكن أن تكون أعلى من ذلك لأن حساب الفوائد يتم على الجانب المحافظ. مدخلات محاكاة الاقتصاد الكلي لم يتم احتسابها في ظواهر أخرى، مثل مخاطر الانتحار والبدانة التي يُعتقد أنها تتفاقم بسبب الحرمان من النوم.
وخلصت راند التي استخدمت بيانات من 47 ولاية أمريكية، إلى أن الحرمان من النوم في سن المراهقة ينبغي أن يعد مشكلة اقتصادية ممكنة الحل. وتقول إن المكافآت المالية ستفوق بسرعة أي تكاليف مرتبطة بمعالجتها، مثل إعادة جدولة خطوط الحافلات أو تعديل مواعيد أندية ما بعد المدرسة.
كانت هناك منذ فترة في الولايات المتحدة مخاوف بشأن "عدم كفاية النوم" بين المراهقين – والمدة الموصى بها هي بين ثماني وعشر ساعات في الليلة.
في عام 2014، نشرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بيانا يعترف بأن "عدم كفاية النوم لدى المراهقين هي قضية مهمة في الصحة العامة تؤثر بشكل كبير على الصحة والسلامة، وكذلك النجاح الأكاديمي لطلاب المدارس المتوسطة والثانوية في بلدنا".
وأظهرت تجارب تأخير أوقات بدء الدراسة فوائد مثل زيادة النوم (يبدو أن الأطفال يذهبون إلى الفراش في الوقت نفسه لكنهم يستيقظون في وقت متأخر)، وزيادة اليقظة، وارتفاع الحضور الذهني، والمزاج الأفضل. وأدى ذلك بالأكاديمية إلى أن تقدم دعمها المطلق للتغيير.
لكن في الشهر الماضي تعثر مشروع قانون يهدف إلى إقرار مثل هذا التغيير في ولاية كاليفورنيا. ومن المرجح لمشروع القانون الذي يحظى بتأييد حركة "تأخير بداية الدوام المدرسي"، وهي مجموعة ضغط مكونة من الأهالي، والمختصين في المجال الصحي، وصناع السياسة، أن يعاود الظهور في كانون الثاني (يناير). فكثير من المدارس في ولايات أخرى طبقت ذلك بالفعل.
وتشير كل الأدلة إلى أن أنماط النوم في سن المراهقة هي نتيجة لقوانين علم الأحياء، وليس الوضع الجسماني لدى الشخص، وذلك وفقا لكيلا والستروم، وهي مختصة في السياسة التعليمية في جامعة مينيسوتا، التي تدرس هذه القضية منذ عام 1996.
تقول الدكتورة والستروم إن تأخر أوقات بدء الدوام له آثار فورية وملحوظة، مثل انخفاض معدل حوادث السيارات في سن المراهقة. وقد شهدت إحدى مقاطعات ولاية كنتاكي انخفاض عدد حوادث المراهقين 16 في المائة في العامين اللذين أعقبا تأخير بدء الدراسة ساعة واحدة، ويعزى هذا الانخفاض إلى زيادة الانتباه لدى السائقين. وارتفع معدل الحوادث 8 في المائة في الولاية ككل.
فضلا عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، دعمت كل من الجمعية الطبية الأمريكية ومراكز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة مثل هذا التغيير. ويعتقد أن نحو 250 مدرسة أمريكية أعادت تصميم جداولها لاستيعاب هذه التوصيات.
وكان هناك نقاش مماثل يجري في المملكة المتحدة. في عام 2015 اقترح بول كيلي، وهو أستاذ في معهد علم الأعصاب للنوم والساعة البيولوجية في جامعة أكسفورد، ألا يبدأ الأطفال في سن 16 عاما يومهم الدراسي قبل الساعة العاشرة صباحا. أما بالنسبة للذين تبلغ أعمارهم 18 عاما، فيفضل أن يبدأ الساعة 11 صباحا. والسبب كما يقول، هو أن الاستيقاظ المبكر يعني أن أداء التلاميذ يكون في العادة دون المستوى المطلوب.
لا يوافق الجميع على ذلك: علماء في جامعتي سوري وهارفارد يعترضون على فكرة أن تأخير بدء اليوم الدراسي تتيح للمراهقين الحصول على مزيد من النوم. فمن النتائج غير المقصودة، مثلا، أن يكون الطلاب معرضين للضوء الاصطناعي لفترة أطول بسبب أوقات النوم الإضافية.
واستنادا إلى عدد من النماذج الرياضية، أشارت هذه الدراسة المخالِفة للآراء إلى أن تقليص الأضواء في المساء يتيح للمراهقين الحصول على مزيد من النوم دون الحاجة إلى تغيير في مواعيد اليوم الدراسي. الوقت الذي يقضيه الطلاب على هواتفهم الجوالة وغيرها من الأجهزة أيضا يظهر بانتظام، وبشكل غير متوقع، بوصفه عاملا يعمل على تعقيد دراسات النوم في سن المراهقة.
مع ذلك، اختار جوناثان تايلر، مدير إحدى المدارس المستقلة في لندن، أن يؤخر بداية اليوم لطلاب المرحلة الثانوية حتى التاسعة والنصف صباحا. وفي تفسيره لقراره، أشار في مقال نشر في ملحق "التايمز" التربوي إلى أن أنموذج العمل من التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء مخيب للآمال أصلا. وانتقد المربين الذين يتمسكون بأنموذج البداية المبكرة استنادا إلى "مفهوم يقوم على خطأ في التقدير بشأن الانضباط الذاتي. هل فعلا تعلُّم الرياضيات في الثامنة والنصف صباحا أفضل من تعلمها في الخامسة مساء؟".
وقال تايلر المتحمس إن الحضور ودقة المواعيد تحسنت – وأصبحت رفقة المراهقين أكثر متعة. والله يعلم كم نحن بحاجة إلى أن يكون المراهقون سعداء.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES