الفساد وعلاقته بالأراضي

|
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعرف الفساد بأنه إساءة استخدام السلطة العامة أو الخاصة لتحقيق مكاسب شخصية، وتشمل أعمال الرشوة، والاختلاس، والمحسوبية، أو محاولة السيطرة على موارد الدولة، وكثيرا ما ترتبط هذه الممارسات بممارسات غير مشروعة أخرى وتعززها، مثل تزوير العقود والاعتمادات أو الاحتيال أو غسل الأموال، ومن البديهي أن الجميع لا يختلف في أهمية محاربة الفساد، لكن البعض لا يعلم حجم أضراره التي وصفها جو بايدن بأنها السرطان الذي يقتل ثقة المواطن بحكومته، ويقلل من الرغبة في الابتكار والإبداع، ويضيق على الميزانية، ويهدر مواهب الأجيال، ويعتبر من أهم عوامل هرب المستثمرين وأموالهم من أي دولة يستشري فيها، لذا فمصير الدول التي يستوطنها الفساد هو الهلاك عاجلا أو آجلا. والمصيبة إذا وصل الحال إلى أن يصبح الفساد جزءا من منظومة العمل وأمرا لا مفر منه، يعززه المسؤول بسلطته ويطبقه العاملون بكافة مراتبهم ومكانتهم ــ إلا من رحم ربي ــ، ويوضح هذه الفكرة فريدريك باستيات، أنه عندما يصبح النهب وسيلة المعيشة لمجموعة من المتنفذين في المجتمع، فسيقومون على مر الزمن بتكوين نظام قانوني يعزز هذا الفساد ومعايير أخلاقية تمجده وتجعله أمرا طبيعيا. ووفقا لتقرير منتدى الاقتصاد العالمي، فإن الفساد يقلل من كفاءة الدولة ويزيد من عدم المساواة، وأشار التقرير إلى أن تكلفة الفساد تساوي 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي الذي يقدر بـ 2.6 تريليون دولار أمريكي، ويوضح البنك الدولي أن أكثر من تريليوني دولار تدفع سنويا كرِشا، لذا فالمسألة ليست أخلاقية فحسب بل تتجاوزها إلى تدمير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن لأي دولة تحمل هذه التكاليف الباهظة. المطلع على أوضاع السعودية خلال الأسبوع المنصرم يستطيع أن يفتخر بما تم من خلال اللجنة العليا لمكافحة الفساد، حيث غسلت درج الفساد من الأعلى كما نصح بذلك لي كوان الرئيس السنغافوري السابق، الذي أسس سنغافورة الحديثة بسياسة عمادها أن تكون سنغافورة خالية من الفساد، ولذا فإن الآمال اليوم أكثر تفاؤلا ومعرفة أن ما وعد به الأمير محمد بن سلمان من اجتثاث للفساد والمفسدين ومحاسبتهم هو واقع نعيشه، وأن التخفيف من الفساد ورفع مستوى الرقابة أصبح أمرا محتما. وخلال الأيام الماضية كثرت التكهنات حول حجم الفساد الذي نتحدث عنه، وبالأمس القريب صرح النائب العام أن عدد الأشخاص الذين تم إيقافهم 208 . وقد تجاوزت المبالغ التي تم اختلاسها أو أسيء استخدامها 375 مليار ريال، فما الذي سيتم اكتشافه مستقبلا؟ وهل يمكن أن تثبت وتستعيد الدولة فعلا اثنين أو ثلاثة تريليونات ريال من الأموال المنهوبة؟ المتأمل في حال المفسدين يجدهم من أحرص الناس على الحصول على أصول تدوم على المدى البعيد وتتضخم قيمتها مع الزمن، لأن الغالب أن من يريد الفساد لمدة معينة يحاول أن يؤمن معيشته على المدى البعيد، ولذا كانت الأراضي وتملكها أحد أهم الأصول التي يكثر فيها الفساد ويحرص الفاسدون على الاستيلاء عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولا شك أن أحد أهم الملفات التي تمثل تحديا للقيادة اليوم هو موضوع تملك المساكن للمواطنين ومحاولة كبح جماح أسعار العقار السكني، الذي عزز تضخمه بشكل كبير في المدن الرئيسة ارتفاع أسعار الأراضي، التي كانت مرتعا لبعض المفسدين الذين وجدوا في أخذ المساحات الشاسعة بغير وجه حق واحتكارها وسيلة جيدة لنمو ثرواتهم على المدى البعيد مقابل معاناة المواطن من أزمة السكن، ولذا أعتقد أن نظام رسوم الأراضي البيضاء قد أخرج أوراقا وأملاكا لم تكن ملحوظة وعززت من الشفافية ودقة المعلومات التي يرى أغلب المختصين بالسياسات الاقتصادية أنها أنجح وسيلة لمحاربة الفساد، لأنها تعزز الرقابة وتجعل من المجتمع كله رقيبا على أي معلومات تصدر. الخلاصة، المفسدون الذين تم القبض عليهم لم يتمكنوا من ترتيب الأمور اللوجسيتة دون وجود أشخاص لهم في دوائر حكومية سهلت ويسرت لهم المعلومة، فمثلا الأراضي المنهوبة لا بد أن هناك من أعطى المواقع وأكد أنها ملك للدولة، وهناك من رتب الرفع المساحي والاعتمادات، وهناك من أفرغ الصكوك، وهكذا تستمر سلسلة الدعم اللوجستي لرؤوس الفساد، ولذا من المهم تتبع هذه الشبكة، ومراجعة هذه الصكوك وإعادتها إلى ملك الدولة لتتحول إلى وحدات سكنية يستفيد منها المواطن، وينعم بسكن يتناسب مع إمكاناته وقدراته المالية.
إنشرها