FINANCIAL TIMES

"وول ستريت" .. الذكاء الاصطناعي يشارك في قرارات الاستثمار

توصّلت شركة جيلياد للأدوية أخيرا إلى اتفاق بقيمة 11.9 مليار دولار للاستحواذ على "كايت فارما" مقابل علاوة 50 في المائة فوق متوسط سعر أسهمها الشهري. قبل خمسة أيام من إعلان عملية الاستحواذ الأمريكية، توقعها جهاز كمبيوتر يعمل بالذكاء الاصطناعي.
الخورازمية التي طورتها "داتامينر"، وهي مجموعة تكنولوجيا مقرها نيويورك، لاحظت ثرثرة غير عادية على وسائل الإعلام الاجتماعية ونشاطا في شراء خيارات الأسهم، ونبّهت عملاءها بشأن احتمال عملية استحواذ تام على شركة كايت من قِبل شركة كبيرة في مجال التكنولوجيا الحيوية. في الأسبوع التالي ارتفعت الأسهم في كايت 28 في المائة.
التنبؤ لم يكُن المرة الأولى التي يتوقع فيها الذكاء الاصطناعي حركة الأسواق قبل المستثمرين والمحللين والصحافيين. لأعوام كانت صناديق التحوط الصغيرة المتخصصة تستخدم أجهزة الكمبيوتر لتحليل مصادر البيانات البديلة للحصول على ميزة تنافسية.
لكن في الوقت الذي يتنبأ فيه الذكاء الاصطناعي بشكل أكثر تطوراً، وفي الوقت الذي يتعرض المديرون النشطون للضغط لخفض التكاليف وتحسين العوائد، بدأت شركات الاستثمار الرئيسية، مثل شرودرز، وآكسا إنفستمنت مانيجرز، وجيه بي مورجان لإدارة الأصول، وجولدمان ساكس لإدارة الأصول، وستيت ستريت، وإن إنفستمنت بارتنرز، وفيديليتي، أيضاً باستخدام البيانات الكبيرة، أو التعلم الآلي للمساعدة في اتخاذ قرارات الاستثمار.
يقول جديون سميث، كبير الإداريين للاستثمار لأوروبا في "آكسا روزنبرج"، فرع الاستثمار الكمي لشركة آكسا إنفستمنت مانيجرز في فرنسا: "هناك طمس للمعالم بين المديرين التقليديين الذين يعتمدون على أحكامهم والمديرين الكميين". وأوضحت شركة آكسا روزنبرج في وقت سابق هذا الشهر أنها ستدمج التعلم الآلي والبيانات الكبيرة في عملياتها الاستثمارية.
وقالت "أي دور تفعل فيه شيئا متكررا هو مؤهل ليتم بشكل أسرع وأرخص من قِبل الآلات والروبوتات، وبالتالي نحن ملزمون جميعا في صناعة إدارة الأصول بالنظر إلى ما نفعله (...) وما إذا كان شيئا قد تكون الآلة قادرة على إنجازه بشكل أفضل".
في الوقت الذي تزداد فيه شعبية الصناديق الأرخص المُدارة بشكل سلبي، ما يجعلها تجتذب الأصول بعيدا عن أيدي المديرين النشطين، تتعرض شركات الاستثمار لضغط شديد لخفض الرسوم وتحسين الأداء. تحت الضوء الكاشف من المستثمرين والمنظمين والمنافسين السلبيين، يأمل المديريون النشطون أن يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة شركات الصناديق التقليدية على التغلب على السوق وكبح التكاليف.
مع أخذ هذا في الحسبان، شرعت شرودرز، أكبر شركة مُدرجة لإدارة الأصول في المملكة المتحدة، في خطط طموحة لتوظيف علماء بيانات. ووسّعت الشركة فريق البيانات من اثنين إلى 18 خلال العامين الماضين، وتنوي تعيين مزيد من الموظفين في الوقت الذي يعتاد فيه مديرو المحافظ على التكنولوجيا.
يقول مارك آينسويرث، رئيس قسم الاستفادة من البيانات في شرودرز "هناك كل مجموعات البيانات الكبيرة هذه التي يُمكن أن تكون مفيدة لكي تستنير بها قرارات الاستثمار التي يتّخذها المختصون في انتقاء الأسهم. لكنها ليست موجودة حاليا في شكل مفيد لمديري الاستثمار". ويضيف "يمكنك الحصول على جهاز كمبيوتر لمحاولة استيعاب نص ذي حجم كبير".
لأعوام حاولت مجموعات التكنولوجيا الصغيرة اجتذاب مديري الأموال التقليديين من خلال تكنولوجيا التعلم الآلي، قائلة إنها ضرورة استراتيجية لتفهم شركات الاستثمار ما مقداره 2.5 كوينتليون بايت من البيانات التي تُنشأ كل يوم (وهي كمية بيانات تحتاج لتخزينها إلى مليونين ونصف مليون من الأقراص الصلبة سعة كل منها تيرا بايت، أو ألف جيجا بايت). لكن حتى الآن كثير من مجموعات صناديق الأموال المشتركة تعاني لأجل التحول إلى الاستثمار الرقمي بسبب عدم وجود الخبرة الداخلية والتكلفة العالية للمعلومات القيّمة.
في الأعوام القليلة الماضية الإنجازات في مجال التعلم الآلي وما يُسمى معالجة اللغة الطبيعة، حيث أجهزة الكمبيوتر تتعلم تفسير لغة البشر، جعلت من الممكن على الذكاء الاصطناعي فك اتصال وسائل الإعلام الاجتماعية، وملفات براءات الاختراع، وصور الأقمار الصناعية، وحتى مكالمات المحللين.
هذه التطورات أثارت اهتمام مجموعات الاستثمار الكبيرة. يقول خافيير رودريجيز-ألاركون، رئيس استراتيجيات الاستثمار الكمي لأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في جولدمان ساكس لإدارة الأصول: "توسعت البيانات غير المهيكلة بشكل أسّي".
ويضيف: "لدينا فجوة بين حجم المعلومات والقدرة على معالجتها، و(لفترة طويلة) الطريقة الوحيدة لإغلاق تلك الفجوة كانت تعيين عدد كبير من الموظفين مثل خافيير". ويتابع: "الآن يمكننا السيطرة على تلك الفجوة من خلال استخدام أجهزة الكمبيوتر".
ما يقارب ثلث مديري الأصول، الذين شملتهم هذا العام دراسة "تاب جروب"، وهي شركة استشارية لأسواق رأس المال، قالوا إنهم يستخدمون البيانات البديلة، وأعرب 64 في المائة منهم عن اعتقادهم أن بإمكان هذه البيانات مساعدتهم على التغلب على مؤشراتهم المرجعية. والمعلومات الأكثر شعبية كانت بيانات وسائل الإعلام الاجتماعية، وتحليل سلاسل التوريد، ومعلومات أداء الشركات، وحركة المرور على شبكة الإنترنت.
وقد أدى اهتمامهم إلى زيادة في عدد شركات التكنولوجيا الناشئة التي تقدم تحليل البيانات البديلة للمؤسسات المالية. هناك الآن 191 شركة تزويد في مختلف أنحاء العالم، بحسب موقع AlternativeData.org، شركة تزويد البيانات عن الصناعة التي أنشأتها شركة YipIt Data.
يقول إيميت كيلدوف، مؤسس "إيجل ألفا"، وهي شركة معروفة مختصة بتزويد البيانات البديلة: "بالتأكيد كانت هناك زيادة كبيرة من صناديق الأموال المشتركة التقليدية في العام الماضي".
"هناك بعض العوامل الكلية: كثير من المال يذهب إلى (الصناديق) السلبية والكمية، بالتالي يحاول المختصون في القرارات القائمة على التقديرات الشخصية أن يصبحوا أكثر جوهرية كميا".
آثار التحوّل نحو الاستثمار الكمي باستخدام أدوات التعلم الآلي ستكون كبيرة بالنسبة للأسواق المالية. فإذا حاولت الشركات السيطرة على إشارات البيانات، أو على العدد القليل من البائعين الذين يقدمون تكنولوجيا أساسية لمختلف مديري الأصول، من الممكن أن تكون هناك مخاوف بشأن الازدحام والمنافسة.
يقول دانيال تاماس-هاستينجز، مؤسس RiskSave، الشركة الناشئة للاستشارات الروبوتية "هل تعرف هيئة التنظيم ماذا ستكون التغييرات التي ستحدث على السوق إذا لم يعرف الناس ما يحدث على الهامش؟ إذا بنينا خوارزمية التعلم الآلي الآن وطلبنا منها التداول بحسابات فردية، سيحتاج الأمر إلى عامين أو ثلاثة أعوام قبل أن نعرف ما إذا كان ذلك صحيحا".
ولا تزال هناك عقبات أمام مديري الصناديق التقليديين الذين غالباً ما يكونون مدربين في مجال الاقتصاد والمالية بدلا من علوم البيانات أو التكنولوجيا.
يقول سكوت بورجرسون، المؤسس المُشارك لمجموعة تحليل البيانات البحرية "كارجوميتريكس"، التي هي الآن صندوق تحوّط "هم كبار فوق الحد، وبطيئون فوق الحد. هذه بيانات كبيرة ناتجة عن طبيعة وادي السليكون، وليست أشياء من طبيعة وول ستريت".
عادةً لا ينتقي المختصون بشراء وبيع الأسهم أكثر من مرة خلال يوم التداول ولا يُمكنهم الاستفادة دائماً من الإشارة الآتية من البيانات التي تكون قبل ساعات قليلة فقط من إعلان الشركة.
يقول أرماندو جونزاليز، الرئيس التنفيذي لشركة رافين باك، التي توفر تحليل وسائل الإعلام الاجتماعية والأخبار للمستثمرين: "هناك كثير من التحديات التي يواجهها شخص غير مختص في علوم البيانات وتجعل من غير السهل عليه البدء في استخدام هذه الأدوات. من رأيي أن 90 في المائة من الصناديق الكمية و30 في المائة من (شركات الإدارة) القائمة على الأساسيات تستخدم هذه الأدوات".
البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي لا يُستخدمان فقط في القرارات الاستثمارية. كثير من أكبر شركات الصناديق والمصارف أيضاً سارعت لإطلاق منصات استشارة رخيصة مؤتمتة معروفة باسم "المستشارون الروبوتيون"، تستخدم التكنولوجيا للتوصية بالصناديق بناءً على أسئلة بسيطة.
ترى هذه الشركات أن الأتمتة على الإنترنت ستُعيد تشكيل السوق الخاصة بالاستشارات المالية من خلال جاذبيتها للمُدّخرين الأصغر سنا والأقل ثراءً. "إتش إس بي سي"، وإنفيستيك، وبلاك روك، ودويتشه لإدارة الأصول، وشرودرز، وأبردين لإدارة الأصول، وليكسور، هي من بين المؤسسات المالية التي اشترت أو استثمرت في مجال المشورة الروبوتية.
تقديرات سيتي جروب تشير إلى أن سوق المشورة الروبوتية عالمياً يُمكن أن تصل إلى خمسة تريليونات دولار خلال العقد المقبل.
يقول شون بورت، كبير الإداريين للاستثمار في "ناتميج"، شركة إدارة الاستثمار على الإنترنت التي استثمرت فيها شرودرز أكثر من 12 مليون جنيه "في الوقت الذي يُصبح فيه السكان أكثر رقمية (...) هناك فرصة كبيرة للمصارف للتوسع من خلال الأتمتة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها تحقيق النمو حين يكون لديك هذا العدد الهائل من السكان وتكون بحاجة إلى إبقاء التكاليف منخفضة". تستخدم "ناتميج" أربعة علماء بيانات في فريق يتألف من 98 شخصا وتريد توظيف المزيد في السنة المقبلة.
الأجهزة التنظيمية رحبت بالمستشارين الروبوتيين. في نيسان (أبريل) وضعت بريطانيا قواعد جديدة لتحرير شركات تزويد الإنترنت من القواعد المتشددة المرتبطة بالاستشارات المالية التقليدية. وفي السنة الماضية قالت سلطة السلوك المالي إنها تريد تشجيع نمو المستشارين الروبوتيين ليكون سبيلا لتقديم المساعدة الاستثمارية إلى عدد أكبر من الناس.
بالنسبة لمديري الأصول، الأمل هو أن النصائح الآلية يمكن أن تساعدهم على توفير المال. يقول تيج فاكتا، رئيس قسم إدارة الثروات لدى "كابجيميني"، وهي شركة للاستشارات وتقديم خدمات التكنولوجيا "العوامل التي تحرك مديري الأموال النشطين هي الإتيان بزيادات من الدرجة الأولى وفي الوقت نفسه السرعة وتقليص التكاليف".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES