FINANCIAL TIMES

كشف سر تسليط الضوء على أوراق «الفراديس الضريبية»

من المتوقع أن يكون هناك تراجُع في سورة الغضب المتوقع والمشروع بشأن الأموال الخارجية التي كُشفت في أوراق الفراديس الضريبية المُسرّبة حديثاً.
السبب في ذلك هو أنه على عكس التسريبات السابقة على نطاق مماثل، فإن معظم السلوك الذي كُشف عنه حتى الآن قانوني، كما توضح صحيفة «فاينانشيال تايمز». بعض الذين هم في دائرة الضوء الآن، بما في ذلك العائلة الملكية البريطانية، ربما بإمكانهم أن يدَّعوا بشكل صحيح أنه لا توجد ميزة ضريبية في استثماراتهم الخارجية؛ وإنما هناك أسباب تتعلق بالراحة التنظيمية لاستخدامها.
كما أن كثيرا من المراكز المالية في مناطق الأفشور تدعي بشكل مبرر أنها شفافة تماماً فيما يتعلق بالسلطات الضريبية في البلدان الأخرى، لذلك من المستحيل إخفاء المكاسب غير المشروعة هناك.
سيكون من الخطأ أن نعتقد أنه لا توجد أسباب تدعو للقلق. على العكس، ما يُعتبر مقبولاً للحجج التي مفادها "انسوا الموضوع، لا يوجد شيء نراه هنا" هي فعلاً أسباب للتأكيد على الإصلاحات. لنأخذ كل حجة على التوالي:
الكثير أو معظم ما ورد في أوراق الجنة قد يكون قانوني، لكن ليس هناك شك في أن بعضه يعمل على خفض الضرائب التي كانت ستكون مستحقة خلافاً لذلك.
هذا صحيح بالنسبة لشركة أبل، التي يبدو أنها حولت الأرباح المحاسبية إلى جزيرة جيرزي البريطانية من إيرلندا، بعد أن فرضت المفوضية الأوروبية حملة على هيكلها الإيرلندي. وهذا صحيح بالنسبة لأفراد مثل مشاهير الرياضة والتلفزيون الذين تخدمهم "أبلبي"، شركة المحاماة التي تسربت أوراقها.
وحتى لو تبيّن أن كل هذه المخططات قانونية - والبعض قد لا تكون كذلك بمجرد أن تُحقق فيها السلطات الضريبية - فإن الاستنتاج بالتأكيد هو أنها ينبغي أن تكون غير قانونية.
وذلك ينبغي أن يشمل حظر الصفقات مع مناطق الاختصاص القضائي المذكورة. خطوات الاتحاد الأوروبي نحو قائمة سوداء تضم 53 ملاذا ضريبيا تذهب في الاتجاه الصحيح، لكن يجب أن تكون أكثر صرامة بشأن العقوبات التي ستعاني منها البلدان المُدرجة في القائمة السوداء.
ماذا لو لم تكن هناك ميزة ضريبة؟ هذا ممكن - تذكر صحيفة فايننشال تايمز أنه حتى صندوق تقاعد أعضاء البرلمان البريطاني يستخدم هيكلا في إحدى مناطق الأوفشور - لأسباب تتعلق بالراحة الإدارية أو حتى لا تخالف قوانين الضريبة المزدوجة.
(على الرغم من أننا ينبغي أن نعتقد أن أعضاء البرلمان لديهم القدرة على ضمان عدم حدوث هذا مع الضريبة البريطانية لأدوات الاستثمار المسجلة في المملكة المتحدة – لاحظ أنهم هم الذين يضعون القوانين).
أما الحقيقة فهي أن الاستخدام واسع النطاق لهياكل الأوفشور، بما في ذلك تلك التي بدون دافع غير مناسب، يجعل من السهل أكثر على الجميع إخفاء المال.
من الصعب التفكير بهيكل في الأوفشور لا يُمكن أن يُستخدم أيضاً للتهرب من الضرائب، بالإضافة إلى أيّ كان الاستخدام الشرعي (الضئيل) الموجود. هذا بحد ذاته أمر سلبي يقال ضدها.
الجزر الصغيرة التي تتعرض للانتقاد تحتج أنها تمتثل لمتطلبات المعلومات والشفافية. هذا صحيح، إلى حد ما. ليس هناك نظام لتبادل المعلومات الضريبية تلقائياً بين مختلف السلطات الضريبية في مناطق الاختصاص القضائي.
هذا تحسّن عن فترة ليست ببعيدة؛ على الرغم من أنه تحسُّن لم يحدث بدون مقاومة. كما أنه لا يرقى إلى مرتبة السجلات العامة لملكية الشركات المستفيدة التي كانت تطالب بها المملكة المتحدة في السابق، والتي تريد المعارضة من الحكومة أن تفرضها على المناطق التابعة للمملكة المتحدة.
المراكز المالية في مناطق الأفشور مُحقة بالقول إنها تمنح السلطات الضريبية في البلدان المعنية إمكانية الوصول إلى مثل هذه المعلومات.
كما أنها محقة ايضاً بالقول إنه إذا أرادت حكومات تلك البلدان تغيير قواعدها الضريبية أو تحسين إنفاذها، فإن الأمر يعود إليها للقيام بذلك.
المسؤولية الأساسية في الواقع تقع على حكومات البلدان الغنية لسن وإنفاذ قوانينها بشكل مناسب (بما في ذلك وقف فرص إخفاء الأموال في الداخل). إلا أن المراكز المالية منخفضة الضرائب بالكاد، يمكن أن تكون بريئة: هي تستفيد كثيراً من عدم قيام البلدان الكبيرة بالشيء الصحيح. ومع إصرارها على الخصوصية - فإن الفكرة التي تقول إنه طالما أنها تُشارك المعلومات بسرية مع السلطات الضريبية الأخرى، فإنها تفعل ما يكفي - فهي تتواطأ مع الذين يرغبون بإبقاء صناعة التهرب الضريبي على قيد الحياة.
السبب في ذلك هو أن جميع السلطات الضريبية تعتمد، إلى حد كبير، على الإبلاغ الذاتي. وفي حين أن السلطات الضريبية تستطيع القيام بعمل أفضل بكثير من أجل الكشف عن المتهربين من الضرائب - وينبغي أن يكون كل مكان أفضل تمويلاً للقيام بذلك - إلا أنه من الصعب القيام بذلك عندما يكون من السهل تمويه شيء خاضع للضرائب (مثلاً، دخل الاستثمار أو صفقة خاضعة لضريبة القيمة المضافة) كشيء ليس كذلك.
وهذا هو ما تُسهّله شبكات هياكل الشركات في مناطق الأوفشور. السجلات العامة للمستفيدين النهائيين يُمكن أن تحصل على معلومات جماعية بخصوص مشكلة المعلومات التي تعاني منها السلطات الضريبية من خلال إبراز الانتهاكات المحتملة.
هذا من شأنه التركيز على ما كُشف الآن بشكل عرضي فقط من خلال التسريبات مثل أوراق الفراديس.
هناك مشكلة أخرى هي أن عددا قليل جداً من البلدان تفرض الضرائب على الثروة بشكل مباشر (معظم الضرائب هي على الدخل أو الصفقات).
هذا يعني أن الأفراد عادة غير مضطرين للإبلاغ عن ثروتهم للسلطات الضريبية. بالتالي فإن وضع تلك الثروة في الخارج يجعل من السهل أكثر إخفاء الدخل من الثروة، ومن الصعب أكثر على السلطات الضريبية تتبعها للمطالبة بالضريبة المستحقة قانونياً.
ما يُقدّر بين 8 تريليونات دولار و10 تريليونات دولار من ثروة العالم، أي نحو عُشر المجموع، مودع في مناطق الاختصاص القضائي في الأفشور.
يبين جابرييل زوكمان وزملاؤه أن هذا إلى حد كبير هو ثروة الأغنياء جداً. كما يُقدّرون أيضاً أنه حتى في الدول الاسكندنافية، نسبة الـ 0.01 في المائة الأغنى من السكان تدفع ضريبة أقل بنسبة 25-30 في المائة مما ينبغي أن تفعل.
الأمر الذي يمكن أن يفيد في هذا المقام هو استخدام أوسع بكثير للضرائب على الثروات. ليس من الضروري أن يعني هذا ضغطا إجماليا أعلى على الضرائب: إذ يمكن تخفيض الضرائب على الدخل والتعاملات بالقدر المناسب.
وجود متطلب قانوني يفرض على الشخص الإبلاغ عن ثروته – مع التهديد بالسجن في الحالات الشديدة – من شأنه أن يجعل من الأسهل بكثير على السلطات الضريبية توجيه تحقيقاتها بصورة منتجة، لكي تستطيع معرفة الدخل الخاضع للضريبة أيضا.
بهذه الطريقة لن يكون هناك داع لانتظار إفادات من المبَلِّغين والصحافيين لتسليط الضور على الهياكل المثيرة للشبهة. إذا كانت النتيجة هي أن عددا أقل من الناس فهموا الهدف من إيداع أموالهم في مناطق الأوفشور، فإن من شأن هذا أن يكون برهانا على سوء التصرف الذي لا تزال مناطق الأفشور تعمل على تسهيله في الوقت الحاضر، مهما كان مستوى التزامها بالقانون.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES