محاربة الفساد تبدأ من القمة

|

تمر السعودية واقتصادها بفترة مهمة جدا وهي تخوض تجربة حقيقية وجادة في مكافحة الفساد، وقد بدأت المملكة طريقها نحو مكافحة الفساد منذ إنشاء هيئة مكافحة الفساد قبل عدة أعوام، ثم تلى ذلك إصدار عديد من الأنظمة، ولن يكون نظام مكافحة غسل الأموال الذي صدر قبل أسابيع آخر تلك الجهود النظامية لمواجهة مارد الفساد. ورغم هذه الجهود الضخمة فإن المملكة كانت بحاجة إلى رسالة واضحة وصادقة توجهها للعالم أجمع، رسالة عن عزمها وصدقها في محاربة الفساد، ذلك أن المملكة اليوم وهي ضمن دول مجموعة العشرين الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي، وتحتاج إلى أن تثبت مكانتها هذه. كما أن المملكة تعمل اليوم على مشاريع عملاقة وتريد أن تستقطب رؤوس أموال ضخمة جدا، وتحتاج أيضا إلى إدراج شركاتها القادمة في بورصات عالمية، كما أن صندوق الاستثمارات العامة سيكون أكبر صندوق سيادي عالمي ويحتاج حتما إلى الشراكة مع كبار المستثمرين حول العالم، ومن أجل تحقيق هذه الطموحات يجب أن يثق هذه العالم بكل اتجاهاته وأفكاره وأيديولوجياته في البيئة الاقتصادية في المملكة، وأن القرارات تتخذ عند القمة للمصلحة العامة وليس لتحقيق مصلحة دائرة صغيرة تمتلك حق القرار، ولهذا كان يجب أن ترفع المملكة شعار محاربة الفساد وأن يبدأ الحساب من القمة.
وبالتأكيد مثل هذه القرارات قد تكون مؤثرة جدا في الاقتصاد، ولهذا عمل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية على توضيح مقتضى الأمر الملكي بتشكيل لجنة عليا لحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة بقضايا الفساد العام، وتأكيد أن الهدف من هذا الأمر الملكي هو تعزيز النمو المستدام للاقتصاد الوطني، والتحقق من عدالة الفرص بين منشآت القطاع الخاص والشركات والمؤسسات المحلية والأجنبية، وضمان أن هناك مناخا عادلا لكل المستثمرين المحليين والدوليين. ولهذا فإنه رغم الإجراءات النظامية التي تم اتباعها من أجل ضمان عدالة ونزاهة التحقيقات، فإن الحكومة السعودية ملتزمة التزاما تاما بحماية حقوق الأفراد والمؤسسات الخاصة والشركات الوطنية ومتعددة الجنسيات داخل المملكة وخارجها، بما في ذلك القطاعات التجارية والمالية والاقتصادية المملوكة جزئيا أو كليا لبعض المتهمين والموقوفين. وفي السياق نفسه نقرأ إيضاح مؤسسة النقد العربي السعودي بتنفيذ طلب النائب العام الحجز على حسابات الأشخاص المتهمين بقضايا فساد، وأن حسابات الشركات والمؤسسات التي يمتلكونها لن تتعرض للحجز، وستعمل كما هو معتاد.
فلم يكن الهدف من محاربة الفساد في أي دولة كانت وفي المملكة خاصة هو هدم المؤسسات الاقتصادية القائمة، أو مصادرة الحريات وحقوق الأفراد، ولم تعمل المملكة لسنوات طويلة من أجل الوصول إلى هذه المستويات المتقدمة في حقوق الإنسان لتهدر كل هذا اليوم، بل إن الهدف من محاربة الفساد هو تعزيز هذه الحقوق، ذلك أن الفساد حتما يتضمن الاستيلاء على حقوق الآخرين سواء كانت ضمن الحقوق العامة أو الشخصية، ولهذا فإن محاربة الفساد تسعى جهدها إلى إعادة الحقوق إلى أهلها، ولم تطور المملكة نظام مكافحة غسل الأموال وأنظمة أخرى كثيرة أخرى ولم تعمل على استقلال النيابة العامة، وأمن الدولة إلا من أجل أن يكون هدفها هو المصلحة العامة فقط، ولا يوجد لدى القائمين عليها أي تعارض مصالح.
وإذا كان الحفاظ على حقوق الأفراد، وضمان حقوق الإنسان ساريين أمام لجنة حصر مخالفات وجرائم الفساد العام، فإن حقوق الكيانات الاقتصادية وحقوق العاملين فيها تمثل أولوية عند متخذ القرار، ولهذا فقد أكد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في اجتماعه الأخير على تمكين الشركاء والإدارات التنفيذية في تلك الشركات والمؤسسات التي لها علاقة بالأشخاص المتورطين في قضايا فساد بمواصلة أنشطتها الاقتصادية ومشروعاتها ومعاملاتها المالية والإدارية في ضوء أنظمتها ولوائحها الداخلية والمحافظة على حقوق جميع الأطراف ذوي العلاقة. وهذه رسالة واضحة وصادقة نحو الأهداف الحقيقية من جهود محاربة الفساد في المملكة وتجربة سيتابعها العالم أجمع وتحللها كبريات الصحف والقنوات الإخبارية العالمية. المسألة ليست الإضرار بهذه المؤسسات أو تقليص قدرتها التنافسية، بل العكس تماما، فالإجراءات كلها تدور حول تعزيز هذه المفاهيم في الاقتصاد، فالعدالة الاقتصادية سارية في الأسواق، وطالما أن هذه المؤسسات والشركات قائمة على أسسس تجارية بحتة، وهدفها هو السعي لتحقيق الأرباح بالطرق المشروعة فإن استمرارها وبقاءها يمثل حقا مستقرا لها، فهذه كيانات مستقلة عن ملاكها، وهو ما تضمنته المعايير الدولية وما تقر به الأنظمة في المملكة، حتى لو تضمنت بعض الأحكام الصادرة في قضايا الفساد وغسل الأموال عقوبات مالية على بعض الشركات إذا كانت قد استخدمت لأغراض مثل غسل الأموال، على أن هذه العقوبات ــ إن هي صدرت ــ لن تؤثر في القدرة التنافسية لهذه الشركات وبقائها، وطالما أن وجودها قائم على مبادئ اقتصادية وليس مجرد أغطية وهمية للفساد وغسل الأموال.

إنشرها