الاستثمار في البشر وصفة للنمو الاقتصادي «2 من 2»

|

كنا نعلم دائما أن الاستثمار في البشر هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به؛ الآن نحن نتعلم أنه، من الناحية الاقتصادية، قد يكون أذكى أمر فعلا للقيام به.
ففي كثير من الأحيان، ما زلنا نسمع من القادة قولهم "سنحقق النمو لاقتصادنا أولا، ثم سنستثمر في شعوبنا". لكن الاستثمار في البشر هو استثمار في النمو الاقتصادي.
وتكشف أبحاث جديدة أن رأس المال البشري ــ رصيد المعرفة التقنية، والمعارف، والمهارات في بلد ما ــ جزء أهم بكثير من ثروة الأمم وهو ما كان مفهوما سابقا. وفيما يلي ملخص لما وجدناه:
يشكل رأس المال البشري أغلبية الثروة في البلدان المرتفعة الدخل، ونسبة مئوية أقل من إجمالي الثروة في البلدان المتوسطة الدخل، ونسبة أقل من ذلك في البلدان المنخفضة الدخل. إذا نظرت إلى شريحة الرُبيْع العُليا ــ 25 في المائة من البلدان التي حسنت رأسمالها البشري أكثر من غيرها، وقارنتها بالبلدان التي تمثل 25 في المائة الأدنى ــ البلدان الأقل تحسينا لرأس المال البشري ــ تجد الفرق هائلا. بحثنا خلال 25 عاما بين عامي 1991 و2016 ــ فوجدنا أن الفرق في النمو الاقتصادي يبلغ 1.25 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كل عام على مدى 25 عاما. نحن بحاجة إلى بذل مزيد من العمل ومزيد من البحوث، ولكن هذا يشير إلى أنه بالنظر إلى الماضي، كان للاستثمار في البشر تأثير هائل في النمو الاقتصادي.
هذه الفكرة كانت موجودة لبعض الوقت. ولكن مع توافر بيانات أفضل، وزيادة الشفافية في تبادل تلك البيانات، وظهور أدوات تحليلية جديدة أكثر قوة، فإننا ندرك الآن أن العلاقة بين رأس المال البشري والنمو الاقتصادي يمكن أن تكون أعمق بكثير مما كنا نتخيله.
في كلمتي في كولومبيا، أعلنت عن مشروع رأس المال البشري ــ وهو جهد متسارع لمساعدة البلدان على زيادة الاستثمار ــ وزيادة الفعالية ــ في شعوبها. هناك إحساس بالإلحاح، لأننا نواجه عديدا من أزمات رأس المال البشري: في جميع أنحاء العالم، 155 مليون طفل يعانون التقزم، ما يعني أنهم لا يتطورون بشكل صحيح؛ 250 مليون طفل لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، على الرغم من حصولهم على قدر من التعليم؛ 400 مليون شخص يفتقرون إلى الخدمات الصحية الأساسية؛ ولا تغطي شبكات الأمان الاجتماعي سوى ثلث فقراء العالم.
وعلاوة على هذه الأزمات الحالية، تحتاج البلدان المختلفة إلى الاستثمار على وجه السرعة في بناء رأس المال البشري لأن التسارع التكنولوجي يغير من طبيعة العمل. وتقدر بعض الدراسات أن ما يصل إلى 65 في المائة من أطفال المدارس الابتدائية اليوم سيعملون في وظائف أو مجالات غير موجودة بعد. لذلك تحتاج البلدان المعنية إلى الاستثمار في تنمية ما ستحتاج إليه شعوبها من مهارات في اقتصاد المستقبل، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم مدى الحياة.
إن استثمار مزيد في البشر لبناء رأس المال البشري يمكن أن يساعد أيضا على مواجهة واحد من أكبر التحديات في عصرنا ــ الافتقار إلى الحراك الاقتصادي.
وسنصدر دراسة تستخدم مجموعات جديدة من البيانات تغطي 95 في المائة من سكان العالم ومعظم بلدان العالم النامي. لقد وجدنا أن الوضع الاجتماعي للوالدين له التأثير نفسه اليوم كما كان قبل 50 عاما في تحديد الآفاق الاقتصادية للشخص. والبلدان الـ15 ذات الحراك الاقتصادي الأقل هي بلدان نامية، وفي البلد النامي المتوسط، فإن مستويات التعليم اليوم ليست أفضل مما كانت عليه في الجيل السابق.
وستكون زيادة الحراك الاقتصادي حاسمة لأن التطلعات آخذة في الارتفاع في جميع أنحاء العالم. فأينما أسافر، أرى الناس على هواتفهم الذكية. ووجد خبراؤها الاقتصاديون أنه مع وصول الناس إلى شبكة الإنترنت وزيادة اطلاعهم على كيفية حياة الآخرين، فإن الدخل المرجعي ــ الدخل الذي يقارنون على أساسه دخلهم هم ــ يبدأ في التغير. وبسبب الإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، يحدث تقارب في التطلعات.
وهذا الوعي الجديد يمكن أن يساعد على تكوين مجتمعات أكثر حيوية ورخاء. ويمكن للتطلعات، المرتبطة بالفرص، أن تولد دينامية ونموا اقتصاديا مستداما وشاملا. ولكن إذا لم تتوافر فرصة لتحقيق هذه التطلعات، فإن الإحباط الناجم عن ذلك قد يؤدي بقوة إلى تقويض البلدان بدفعها على طريق الهشاشة والصراع والعنف والتطرف والهجرة في نهاية المطاف.
نحن بحاجة إلى بذل كل ما في وسعنا لمساعدة الناس على تحقيق أعلى تطلعاتهم.
خلال خمس سنوات كنت فيها رئيسا لمجموعة البنك الدولي، لم أكن أبدا أكثر تفاؤلا أننا نستطيع مساعدة الناس على انتشال أنفسهم من براثن الفقر؛ وأن نتمكن من بناء أسس جديدة للتضامن الإنساني.
وإذا استثمرنا الموارد الصحيحة وعملنا بالإلحاح الشديد الذي تتطلبه هذه الأوقات، أعتقد أننا يمكن أن نصبح الجيل الأول في التاريخ الذي ينهي الفقر.

إنشرها