النجاح رهن الصلابة النفسية

|

الإنسان على الأرض يمر بمحن، وصعوبات لا حصر لها، منها ما هو المعيشي، والصحي، والعلاقات مع الآخرين، كما قد يواجه مشكلات، وتعثرا دراسيا تشعره بانسداد الأفق، والأمل في المستقبل، وفي مثل هذا الوضع ربما يشعر بالإحباط، وعدم القدرة على مواجهة الأعاصير التي تعترضه، وقد يختار الانكفاء، والانزواء في زوايا مظلمة، تشعره بالخوف من الانطلاق، ومواجهة الحياة، بما تحتاج إليه من صلابة، وقوة لا تستسلم لأي ضغوط تأتي من هنا وهناك.
الصلابة النفسية تمثل قوة دافعة، مثلها مثل الطاقة المحركة للطائرة، أو السيارة، ومن دونها لا يمكن للفرد أن يتحمل الضغوط التي يتعرض لها. والصلابة النفسية لا تأتي بالتمني، بل لابد من رصيد نفسي يتسم بالعزيمة، والتفاؤل، رغم أن الظروف المحيطة لا تشجع على التحرك، فعلى سبيل المثال، لا الحصر، عالمنا العربي يعيش حقبة مظلمة صعبة أمنيا، وسياسيا، واقتصاديا، وتنمويا، يجد الفرد فيها نفسه ضائعا، وعاجزا في تحديد بوصلته.
هذا الوضع ملامحه لا تحمل ما يدفع على التفاؤل، وما يشجع على الحركة، وربما من يفتقد الصلابة النفسية يجد نفسه عاجزا عن الحركة، فاقدا للحيوية، مستسلما للظروف المحيطة، مثله مثل من يصاب بمرض عضال، ويخبره الأطباء أن أيامه معدودة، ولا يعرف كيف يتصرف، وما عليه إلا الاستسلام، وانتظار المصير الذي ينتظره.
كيف تكتسب الصلابة النفسية القادرة على المواجهة؟ أمور، واعتبارات عدة تشكل الأسس الضرورية لبناء الصلابة النفسية، خاصة عندما يكون الوضع مثل حقل ألغام، لا يدري الفرد كيف يسير، ويتلافى الوقوع في أي لغم يقضي عليه. بالنسبة لنا نحن- المسلمين، الإيمان بالله يمثل القاعدة الصلبة التي تؤسس عليها الصلابة النفسية "ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك"، ومتى تجذر الإيمان في قلب الفرد كلما تمكن من تجاوز المحن، والظروف التي تواجهه، وقلبها إلى عوامل إيجابية، بدل كونها سلبية.
من العوامل المهمة والأساسية لبناء الصلابة النفسية استرجاع التاريخ المشرق، بدلا من استحضار المواقف السلبية، سواء على صعيد الفرد، أو الأمة، فمن يفتش في تاريخه سيجد نقاطا إيجابية تشجع على التحرك نحو الأمام، بدل التراجع، والانزواء في المناطق المظلمة الكئيبة التي لا تشجع على الشعور بالتفاؤل. وهذا ينطبق على الأمم فأمتنا الإسلامية رغم الظروف الصعبة، والشائكة، إلا أن التاريخ يحفظ في بطون كتبه تاريخا مشرقا، عاشته الأمة، وعاشه معها العالم، حين قدمت للعالم المعارف، والعلوم في كل المجالات، في مناخ عادل ينشر الطمأنينة، والأمن للجميع.
إن مراجعة التاريخ ليس بهدف الاجترار، وتسلية النفس على أنغامه، بل بهدف اكتشاف أسرار النجاح الذي حققه الآباء، والأجداد، حين انتشروا في أصقاع الأرض رافعين راية التوحيد، والمعرفة، والعدل، وبسط الأمن للجميع، بغض النظر عن العرق، والدين، والمكان.
الأسرار تتمثل في وجود هدف واضح، ودقيق، قابل للتحقيق، بعد توفير جميع المتطلبات اللازمة لهذا الهدف، بشرية كانت أو مادية. سر النجاح يتمثل في الإمساك بزمام العلم والمعرفة على مستوى الفرد، أو المجتمع بكامله، وهذا ما تحقق في زمن الحضارة الإسلامية الناصع، حين نشرت المعارف في كل المجالات، وحمل علماؤها أمثال الحسن بن الهيثم، وجابر بن حيان، والخوارزمي، وابن رشد، والفارابي علم الرياضيات، والفيزياء، والفلسفة، وعلوم الفقه، والقانون لتنظيم الحياة الاجتماعية وفق مبادئ العدالة.
الحراك العلمي، والفكري احتضنته المساجد والجامعات ودور العلم، واحتوته الأسفار التي مثلت إشعاعا للبشرية كافة، كما أن من الأسرار قانون التغيير كسنة في الحياة الفردية والاجتماعية والأممية، التغيير الذي يطول كل شيء، قوة، وضعفا، وغنى، وفقرا، وصحة، ومرضا "وتلك الأيام نداولها بين الناس". هذا القانون يفتح الأمل، فما من شدة ومهما بدا الأفق مسدودا إلا أن قانون التغيير يفعل فعله في التشجيع على السعي الجاد، وبذل الجهد لتحقيق الهدف، مهما بدت الأجواء قاتمة متى ما وجد العزم والإصرار "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". الصلابة النفسية متى ما توافرت تكون نتيجتها النجاح وتحقيق الأهداف مهما كانت صعبة المنال.

إنشرها