ثقافة وفنون

العصر الذهبي للجهل .. تخمة علوم وهزال فهم



اهتم الفلاسفة عبر التاريخ بالمعرفة، لكن ما أهملوه ولفترة طويلة هو الجهل؛ وهو واقع يمتلك تاريخا ومحيطا جغرافيا خاصا به. ترجع بدايات الاشتغال بدراسة "اللامعرفة" Agnotology إلى العقود الأخيرة من القرن الماضي. وانطلقت مع روبرت بروكتورRobert Proctor؛ الأكاديمي الأمريكي في جامعة ستانفورد المتخصص في تاريخ العلوم، الذي نحت تلك الكلمة للدلالة على نشر الجهل بشكل متعمد من كلمتين يونانيتين هما: Agnosis تعني الجهل أو عدم المعرفة، وOntology التي تطلق على ما يعرف باسم علم الوجود. ويكون حاصل الجمع بينهما هو دراسة الجهل الناجم عن نشر بيانات علمية غير دقيقة ومعلومات مضللة.
ترتبط قصة تدشين هذا الحقل المعرفي بالاستياء الذي تلقى به هذا المؤرخ مذكرة سرية لبعض شركات التبغ، كان الغرض منها الترويج لمنتجاتها، إذ نصت حرفيا على أن "الشك هو وسيلتنا الفضلى لمواجهة الحقائق التي تسكن عقول الجمهور، وهو أيضا وسيلة لإثارة البلبلة". هنا نقطة انطلاق الرجل للبحث في خبايا ممارسات شركات التبغ، وكيف أنها ترمي إلى الحيلولة دون اكتشاف المستهلك أضرار منتجاتها، وأنها أنفقت مليارات للتعتيم على حقائق الآثار الصحية للتدخين.
عمم الرجل استنتاجاته بهذا الخصوص على باقي الشركات، لينصدم بالحقيقة المرة حيث قال "كنت أعكف على استكشاف كيفية نشر الشركات الكبيرة والقوية الجهل من أجل بيع منتجاتها. الجهل قوة كبيرة، ويتعلق ذلك المصطلح الجديد بإشاعة الجهل عن سبق الإصرار. وبدراسة ذلك، اكتشفت أسرار عالم العلوم السرية، وبت على قناعة بأنه يتوجب على المؤرخين إعطاء هذا الأمر اهتماما أكبر".
تاريخيا وُظف هذا العلم على مر العصور، فقد تصارع السلاطين والملوك والساسة على حق امتلاك المعرفة ومصادر المعلومة. فالمعرفة قوّة وسلاح، بشكل يوازي المال والعتاد العسكري. ولأن المعرفة بهذه الأهمية، هناك من يحاول الاستئثار بها لنفسه. ولهذا تأسس مجال "إدارة الفهم" في الأوساط الأكاديمية والسياسية. ويقصد به "نشر" معلومات أو "حذف" معلومات، لأجل التأثير في تفكير الجمهور، والحصول على نتائج يستفيد منها أصحاب المصالح.
نحن محاطون بالجهل الذي يُنتج عن عمد من قبل قوى مهيمنة، لكي يتركونا في الظلام. وقد عبّر بروكتور عن ذلك بقوله "الجهل ليس فقط عدم المعرفة، لكنه حيلة سياسية، واستراتيجية متعمدة من قبل ذوي السلطة الذين يريدون لك ألا تعرف".
مساع عادة ما يتم التأسيس لها تحت ذريعة "النقاش المتوازن"، التي تجد سندا لها في فكرة تدعي أن عدم وجود وجهتي نظر متعارضتين، لا يؤدي دائما إلى نتيجة عقلانية. وكان هذا وراء استخدام شركات التبغ العلم لجعل منتجاتها تبدو غير ضارة، واستعمل في وقت لاحق من قبل شركات المشروبات الغازية للتشكيك في أضرارها، ويتكرر استخدامه اليوم من قبل منكري تغير المناخ الذين يجادلون ضد الأدلة العلمية.
عام 1995 صاغ بروكتور مفهوما لوصف ظاهرة، تحولت الآن بسبب شبكات الإنترنيت، إلى مشكلة عويصة يتعذر ضبطها بسبب تسونامي المعلومات المضللة والأخبار المفبركة التي تغزو العوالم الافتراضية.
إننا نعيش في عصر رقمي، بات الجهل والتضليل فيه سلعة يومية، تُنشر وتُساق على الجمهور، من حكومات وشركات وأصحاب نفوذ، سلعة تلقى رواجا بحسب هذا المؤرخ، لأن كثيرا من الناس لا يدركون الحقيقة أولا، وثانيا لكثرة الجماعات واللوبيات ممن لهم مصالحهم الخاصة "الشركات التجارية، لوبيات الضغط...".
وضع دفع مؤسس علم الجهل في إحدى حواراته لهذا العام إلى القول، بنبرة تشاؤمية، "إننا نعيش في عالم من الجهل المتطرف، ومن باب المعجزة أن تسمع الحقيقة في وسط كل هذا الضجيج"، ويمضي محذرا "حتى لو كان الوصول إلى المعرفة متاحا، فذلك لا يعني أنه تم الوصول إليها بالفعل".
لأن كل ما يقدم من أخبار ومعلومات ينبغي تأطيره، من وجهة نظره، بثلاث قواعد بسيطة: القاعدة الأولى؛ أن تسأل نفسك دائما عن مصدر أنواع معينة من الأخبار. والثانية؛ أن تسأل نفسك عن سمعة هذا المصدر. بينما الثالثة وهي أكثر أهمية من الجميع؛ أن تفكر، من يجني فائدة من الخبر نفسه.
لم تذهب جهود بروكتور التي دامت لأزيد من ثلاثة عقود من الزمن، أثمرت مؤلفات رصينة تولت مطابع أعرق الجامعات نشرها "كامبريدج، هارفرد، كاليفورنيا، شيكاغو..." سدى، إذ ظهرت في الأوساط الأكاديمية الأمريكية أسماء تنتصر لمذهب الأب المؤسس، بل منهم من خاض معركة من أجل انتزاع حق الاعتراف بهذا المفهوم في مجال تخصصه.
من أشهر تلك المعارك، تلك التي خاضتها مارليز ويت أستاذة الجراحة في جامعة أريزونا، حين طلب تدريس مقرر بعنوان "مقدمة في الجهل الطبّي وغيره"، لكن، لم تلق فكرتها قبولا حسنا آنذاك، لدرجة أن مسؤولا أخبرها أنه يفضل الاستقالة على أن يدعم مقررا دراسيا عن "الجهل".
سرعان ما ستتغير الأوضاع بفضل انكشاف الحقائق، ففي عام 2006، برمج عالم الأعصاب في جامعة كولومبيا ستيوارت جيه فايرستاين، مقررا عن "الجهل العلمي" بعد أن هاله كون عديد من طلابه يعتقدون أنهم يفهمون كل شيء تقريبا عن الدماغ. سنوات من التدريس تُوجت قبل خمس سنوات بكتاب نوعي بعنوان "الجهل: كيف يقود العلم؟".
لا تزال دراسات الجهل في مهدها، ولا يزال هذا المجال الناشئ مُتشظيا عن نفسه بسبب حداثته النسبية، وكذا طبيعته العابرة للتخصصات؛ لكن التركيز على "المجهول"، وتسليط الضوء على حالات دراسية، تُبرز ذلك التفاعل الدائم والمثمر بين الأسئلة والأجوبة، واستكشاف سيكولوجية الغموض؛ أمرا ضروريا ستزداد راهنيته كلما أغرقنا أنفسنا في عوالم افتراضية وسلمنا ذواتنا لتكنولوجيا متطورة تجعلنا أقرب ما نكون إلى حالة "الأخ الأكبر يراقبكم" بتعبير الروائي جورج أرويل في رائعته "1984".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون