FINANCIAL TIMES

بياناتك مطلوبة من أجل المصلحة العامة .. موافق؟

هناك قول سائر فحواه أن العلماء يفضلون تشارك فراشي الأسنان مع الآخرين على أن يقتسموا معهم بياناتهم. لكن سيتعين علينا جميعا تصور أشكال صحية وأكثر انفتاحا من أشكال تبادل البيانات، إذا أردنا تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الثورة.
البيانات آخذة في الظهور بين أهم الأصول في اقتصاد القرن الـ 21. هناك كميات هائلة من البيانات المتولدة من البشر والآلات، جنبا إلى جنب مع أجهزة الكمبيوتر والخوارزميات الذكية التي تزداد قوة باستمرار، تقدم المواد الخام لأنظمة الذكاء الاصطناعي وتعد بتحسينات مذهلة في مجال الإنتاجية. قدرة البلد على استغلال البيانات بطرق آمنة ومبتكرة ستحدد بشكل متزايد نجاحه. حان الوقت للابتكار المؤسسي من أجل تشجيع هذه العملية.
بالنسبة إلى الوقت الراهن تتفوق شركات حوض الباسيفيك، على الساحل الغربي للولايات المتحدة والساحل الشرقي للصين، على بقية الشركات في صناعة التكنولوجيا. الشركات أمثال جوجل وأمازون وعلي بابا وتينسنت تعمل على شفط البيانات واستخدامها بطرق مبتكرة - لمصلحة معظم المستهلكين وبعض المواطنين الذين يشعرون بالقلق إزاء تركيز قوة الشركات وتراجع الخصوصية.
في وقت سابق من هذا الشهر، نشرت حكومة المملكة المتحدة تقريرا مستقلا بقلم البروفيسورة الليدي ويندي هول والبروفيسور وجيروم بيسينتي حول كيف يمكن لبريطانيا تعزيز صناعة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. تعتز بريطانيا بوجود تاريخ عريق في مجال الحوسبة، لكنها تخاطر بأن تصبح ذات مستوى أقل في هذا الاقتصاد الناشئ. قدم التقرير مقترحات جيدة لتحسين التعليم الفني، من خلال المحافظة على حرية حركة الخبراء الموهوبين (وهذا يشكل تحديا خاصا بعد "خروج بريطانيا")، وجعل البيانات الحكومية قابلة للقراءة من قبل الآلات.
يمكن أن يستفيد القطاع العام بشكل هائل في مجالات مثل الطاقة والرعاية الصحية والنقل والأمن الإلكتروني. لكن التوصية التي تلفت النظر بشكل كبير في التقرير هي أخذ قصب السبق في إنشاء صناديق للبيانات، أي إطار من الاتفاقيات المبرمة بين الحكومة والصناعة لتحفيز التبادل الآمن للبيانات الذي يحقق المنفعة المتبادلة.
هذه فكرة جيدة من الناحية النظرية لكن سيكون من الصعب تنفيذها على أرض الواقع. حتى أن البروفيسورة هول تعترف قائلة: "هناك إرادة لتنفيذها لكن لا توجد طريقة حتى الآن".
الفكرة الأساسية تتضمن عمل الحكومة مع مؤسسات مستقلة، مثل الجمعية الملكية ومعهد البيانات المفتوحة، لتشجيع عملية إيجاد آليات قوية ومستقلة لتبادل البيانات بين القطاعين العام والخاص. وهذا من شأنه أن يساعد في طمأنة مانحي البيانات أن المعلومات التي تأتي منهم يتم استخدامها للمصلحة العامة وليس لتحقيق أرباح خاصة أو لغايات الرقابة الحكومية. لكنه أيضا أن يمنح الباحثين وأصحاب المشاريع إمكانية الوصول إلى كميات جديدة مثيرة من البيانات.
يجادل مؤلفا التقرير بأن القطاع العام يمكن أن يستفيد بشكل هائل في مجالات مثل الطاقة والرعاية الصحية والنقل والأمن الإلكتروني. ويشير خبراء آخرون إلى أن الجهات المنظمة يمكن أن تحفز شركات، مثل أوبر، لتشارك بيانات تكون مغْفَلة، على نحو يساعد مخططي المناطق الحضرية، مثلا. وقد تشجع مؤسسات البحوث الخيرية، مثل ويلكوم تراست، شركات الأدوية على الإسهام بتقديم بيانات "مستنفَدة" ناتجة عن تجارب سريرية فاشلة، لكنها يمكن أن تقدم أفكارا لا تقدر بثمن.
يقول السير نايجيل شادبولت، أستاذ الذكاء الاصطناعي والمؤسس المشارك لمعهد البيانات المفتوحة، يجب أن يكون الهدف هو إيجاد "مؤسسات مهتمة لا تتوخى المصلحة الذاتية" للإشراف على مثل هذه الأصول المشتركة من البيانات. ويستشهد بالمثال التاريخي لسجل لويدز للنقل البحري، وهي منظمة خيرية يعود تاريخها إلى ستينيات القرن الـ 18، تأسست لاعتماد وتصنيف السفن التجارية لمصلحة جميع شركات التجارة وشركات التأمين. وتم أيضا منح مكتبات في المملكة المتحدة وإيرلندا حق الحصول على نسخة من جميع الكتب المنشورة في المملكة المتحدة مجانا بهدف نشر المعرفة.
ويضيف السير نايجيل: "تعاملنا مع هذا المجال من قبل وعملنا بشكل ناجح تماما على إيجاد أنظمة أصبحت فيها المعلومات متوافرة ومتاحة للمصلحة العامة إلى الأبد. فكرة إيجاد صناديق للبيانات جديرة بالمتابعة".
الخصوصية والأمن هما أكثر العوائق وضوحا. وتحويل البيانات على شكل يجعلها مغْفَلة يعد أكثر صعوبة مما يبدو عليه، ولا سيما بالنسبة للمعلومات الصحية. قانون حماية البيانات العامة الذي يكتسح الاتحاد الأوروبي، والذي يدخل حيز التنفيذ في أيار (مايو) المقبل ـ سيتم اعتماده من قبل بريطانيا ـ يفرض أيضا قيودا صارمة على استخدام البيانات. تقول البروفيسورة هول: "هذا القانون رائع في حماية الأشخاص، لكن من المحتمل أن يؤدي إلى تقييد البحوث".
وهذا ربما يعَرِّض أوروبا إلى حد كبير لضرر تنافسي أكبر على المدى القصير نظرا للمساءلة الأكثر مرونة في البلدان الأخرى. وتواجه الشركات في الصين، على وجه الخصوص، قيودا محدودة على استخدام البيانات سواء من التنظيمات والضوابط الحكومية أو تلك الناشئة عن قلق الجمهور.
لكن يورجن شميدهوبر، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة لوجانو، يجادل بأن حماية حقوق البيانات ربما تكون منطقية من ناحية الأعمال على المدى الطويل، إذا أسفرت عن بنية تحتية أكثر موثوقية في عملية تبادل البيانات.
يقول: "احترام الخصوصية سيكون أمرا مربحا يوما ما".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES