تطوير القضاء من أين يبدأ؟ (4)

|

هذا المقال الرابع من سلسلة عن تطوير القضاء، وسأركز اليوم على الركيزة الرابعة التي ينبغي أن يتركز عليها تطوير القضاء وهي تعزيز حوكمة القضاء لضمان مزيد من العدالة والنزاهة.
مبادئ الحوكمة ومعاييرها تعتبر اليوم ثورة حديثة لضبط وضمان العدالة والنزاهة وحسن الأداء في أي مؤسسة، وهي كل يوم تتطور بشكل متسارع، وتعتبر أنجع الحلول الحديثة لضمان النزاهة وحسن الأداء.
الحوكمة تعني باختصار جعل كل شيء من خلال نظام يضمن حكم القانون وعدالة تطبيقه. وهي تركز في الأساس على تعزيز عدد من المعايير من أهمها؛ ضمان الشفافية والعدالة والنزاهة والحقوق والرقابة والاستقلال بين السلطات داخل الجهاز نفسه وعدم تعارضها مع أهدافه أو مصالحه وهكذا.
فمعيار الشفافية ببساطة مثلا؛ يعنى بكشف كل إجراء للجمهور أو المعنيين، وبذلك تصبح تلك الجهة تحت الأعين لكون كل شيء مكشوفا، بينما محاولة إخفاء الإجراءات أو المعلومات يفيد الفاسد كثيرا بتغطية أعماله وعدم كشفها، وهكذا في القضاء يجب أن تكون جميع الإجراءات مكشوفة للخصوم لمراعاة الشفافية، سواء فيما يتعلق بأوراقهم أو حتى المسؤولين عن أي شيء يخصهم أو حتى اسم الموظف المسؤول عن أوراقهم أو الذي اطلع على أوراقهم أو قام بحفظها وهكذا.
الحوكمة يجب أن تحمي استقلال القضاء والقضاة من أي نفوذ أو تدخل غير صاحب السلطة التشريعية في البلد وهو الملك حفظه الله، كما تحافظ الحوكمة على حقوق القضاة داخل الجهاز بشكل يضمن المساواة والاعتماد على الكفاءة فقط، كما أنها في المقابل تهتم بضرورة ضمان عدم خروج سلطة القاضي عن مسارها. فمثلا فيما يتعلق باختيار القضاة، فإن من ضمن معايير الحوكمة، أن تتم "حوكمة" آلية اختيار القضاة وترشيحهم بشكل يضمن سلامة الاختيار من حيث الكفاءة والعدالة والمساواة، وكذلك الأمر أهم أيضا فيما يتعلق بتعيينات القضاة وترقيتهم في المناصب والمحاكم، بشكل يضمن عدالة التعيين وكفاءته وعدم تعارض المصالح في ذلك، وكل هذه العناوين تحتاج لنقاش طويل حول كيفية هذه الضمانات، ولا أريد التعمق بطريقة تخصصية تزعج القارئ غير المتخصص.
الحوكمة تركز أيضا على الإفصاح كضمان للشفافية أيضا، ولكن في الجهات القضائية يختلف الأمر بعض الشيء، فبعض القرارات لا يتم الإفصاح عنها لأجل مصالح المترافعين وضمان سريتها، إلا أن الإفصاح قد يعزز داخليا من خلال وسائل عدة، كما أن الإفصاح قد يكون ضمانا للشفافية في كثير من الأحيان، مثل تسمية اللجان المختصة وأعضائها لأجل الشفافية والرقابة.
من أهم مبادئ الحوكمة محاربة تعارض المصالح، فالقاضي يجب ألا يكون بينه وبين الخصوم خصومة مثلا، وهذا مثال بسيط متعارف عليه، ولكن يجب البناء عليه أكثر مما يحمي القاضي من التهمة وكذلك المترافع، فمثلا يجب منع تكرار ترافع المحامي أو الخصم أمام القاضي نفسه بشكل متكرر مثلا، منعا لاحتمال التعارض أو التوافق في المصالح، كما أن القضاة يجب أن يبتعدوا عن أي عمل يمكن أن يكون تعارضا ولو في المستقبل، كالاشتراك والتعاون مع مكاتب المحاماة في أي عمل لمصالحهم، وهكذا.

إنشرها