القائد الحكيم .. وقرار محاربة الفساد

|

منذ اللحظة الأولى لتولي الملك سلمان مقاليد الحكم في المملكة ظهر للعالم أجمع أننا أمام مدرسة فكرية وعلمية جديدة، ومرحلة تغيير حقيقي في المملكة سيتأثر بها العالم من حولنا وسنتعلم جميعا منها. فالملك سلمان يرتكز إلى سنوات طويلة من الخبرة في العمل الإداري الحكومي والقطاع العام بشكل شامل، خبرة بدأت منذ الصغر مرورا بالمكاتب الصغيرة وحتى مكتب أمير منطقة الرياض، ثم وليا للعهد قبل أن يتوج ملكا على العباد والبلاد، ومع هذه السنوات الطويلة رحلة موازية من العلم والاطلاع العام، وأيضا المراقبة الشخصية لكل صغيرة وكبيرة مرت على هذه البلاد، لهذا تأتي قراراته وأوامره عميقة جدا ومدروسة للغاية وواضحة المعاني أيضا، ولن نتحدث هنا عن كل القرارات والأوامر الملكية، لكن سنركز على الأمر الملكي الذي صدر مطلع هذا الأسبوع وتضمن تشكيل لجنة عليا برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تستهدف مكافحة الفساد، كما تقوم بحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة بالفساد العام. وتوج الأمر الملكي أنه جاء على ما لاحظه الملك وما لمسه من استغلال السلطة عند البعض ممن غلّبوا مصالحهم على مصالح البلاد وتطاولوا على المال العام، متخذين طرائق مشينة لإخفاء أعمالهم، وأن هذا الأمر يأتي ضمن منهج للملك سلمان في مكافحة الفساد وتطبيق الأنظمة بحزم وعزم.
عندما نشير إلى أن الأمر الملكي بتشكيل هذه اللجنة جاء بناء على اطلاع واسع علمي وعملي من الملك مباشرة، لكن يجب فهم أن الوضع النظامي وحال الإدارة العامة في المملكة ولسنوات طويلة قبل تولي الملك سلمان زمام الأمور، كانت تمنع من القيام بإجراءات تمكن من معاقبة الفاسدين عند القمة، فهم طالما احتالوا على تلك الإجراءات بسبب النفوذ أو الاطلاع أو حتى ضعف الإجراء القانوني، وهنا تجلت عبقرية الملك سلمان الإدارية وبوضوح مع صدور قرار تشكيل اللجنة. ليست العبقرية من جانب التشكيل نفسه بل من جوانب منها توقيت التشكيل، ولكن الأهم على الإطلاق هو التغيرات الإدارية الكثيرة والكبيرة التي شهدتها المملكة منذ تولي الملك سلمان الحكم، كتأسيس لازم لهذه اللجنة والمرحلة ككل.
لقد كانت التغيرات التي حدثت طوال السنوات الثلاث الماضية توضح بجلاء أن هناك مدرسة فكرية جديدة تمر بها المملكة، ولعل إيقاف كثير من المجالس البيروقراطية التي عطلت المهام والإنجازات، بل كانت وسيلة لإخفاء أسباب كل ذلك، إحدى أبرز الخطوات التي انتهجها الملك، فألغيت جميعها واستبدلت بمجلسين يقوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان شخصيا بالإشراف عليهما، ما منح القيادة وولي الأمر اطلاعا مباشرا على الأعمال والقرارات التنفيذية حتى لا يتم تغيير الوضع الراهن لمصلحة الفساد دون موافقة مرجعية عليا. وهنا أصبحت مناقشة كل وزير ووزارة في أعمالها وإنجازاتها أكثر سهولة، وكذلك تجميع الأدلة على أسباب التعثر، ثم تم بعد ذلك اتخاذ خطوات مهمة جدا لفصل الاختصاصات ونزع السلطات التي كان الفساد يتخفى تحتها أو يتم التمويه من خلالها بطريقة اتسمت بالمرونة العالية، مع عدم إثارة الفاسدين لاتخاذ قرارات مضادة صادمة للمجتمع، كما تم تعزيز قوة وجرأة الأجهزة الرقابية عندما تمت إحالة أول وزير إلى التحقيق، في أمر ملكي صريح، وبناء على ما تم رفعه من قبل هذه الأجهزة. كل هذه التغيرات الكبرى كانت تتم مراقبتها من قبل جميع المختصين في علم الإدارة العامة والجميع يشعر بأن هذه التغيرات تمثل مدرسة جديدة في هذا التخصص، على أنها لا تزال ترتكز إلى مبادئه العلمية الكبرى.
وإذا كانت كل التغيرات الإدارية التي شهدتها المملكة طوال السنوات الماضية توضح بجلاء حكمة وحنكة الملك سلمان، لكن القرارات الأخيرة بإعادة هيكلة الحكومة السعودية، وذلك بإنشاء النيابة العامة واستقلالها وربطها مباشرة بالملك، وكذلك إنشاء "أمن الدولة" وربطها أيضا بالملك مباشرة، هي أهم القرارات على الإطلاق وبلا أدنى شك، ذلك أن كثيرا من الإجراءات الإدارية والنظامية لضبط وإيقاف الفساد كانت تتوقف من خلال استغلال عدم استقلال هذه الأجهزة، واستغلال طول المسافة الإدارية بينها وبين الملك، ولذلك تتجلي المعرفة العلمية والخبرة الإدارية للملك مع فهم ما جاء به الأمر الملكي الأخير بتشكيل لجنة الفساد صراحة، حيث أشار إلى أن الفاسدين استغلوا التقصير ممن عمل في هذه الأجهزة المعنية بالفساد، وحالوا دون قيامها بمهامها على الوجه الأكمل لكشف هؤلاء، ما حال دون اطلاع ولاة الأمر على حقيقة الجرائم والأفعال المشينة "انتهى الاقتباس". وهكذا فإن الأعمال الإدارية والنظامية الكبيرة التي عمل عليها الملك سلمان، رعاه الله، خلال السنوات الماضية كانت تهيئة لمرحلة إدارية ونظامية جديدة وعمل حقيقي لمحاربة الفساد.
أتى تشكيل لجنة محاربة الفساد، كتاج فوق رأس الأجهزة الرقابية كلها، فهي لجنة مستقلة استقلالا كاملا موضوعيا وشكليا عن الإدارة الحكومية التنفيذية، لا يوجد فيها غير أعضاء من الأجهزة الرقابية المعنية بمتابعة الأعمال التنفيذية للوزارات أو الأجهزة الأمنية التي تقوم بأعمال الضبط والإحضار أو الأجهزة التي تمثل القضاء، هنا فقط واليوم فقط اكتمال عقد الرقابة، واكتمل عقد مكافحة الفساد بعد أن كانت أجهزته مجرد صوت فارغ، والقضايا التي تكتشف تذهب في متاهات الأجهزة الحكومية نفسها التي وقع فيها الفساد، ولهذا جاءت نتائج القرار عاجلة جدا مهما كانت صادمة، حيث تم العمل على ملفات الفساد طوال ثلاث سنوات مضت، وكانت هناك مساحة حقيقية من العمل منحت للأجهزة الرقابية، وهناك تهيئة قانونية ونظامية وقضائية كافية للقرارات جعلت التنفيذ سهلا وسريعا وفعالا، كما أن السرية الكبيرة التي أحيط بها العمل لم تعط فرصة لأحد من الفاسدين للخروج من مصيدة محاربة الفساد التي نصبها الملك سلمان بحكمة، ستكون مجالا للدراسة والتأمل والفهم لسنوات طويلة مقبلة. هنيئا للبلاد هذا الملك المعلم الحكيم.

إنشرها