FINANCIAL TIMES

الهند تتطلع إلى بناء طاقة شمسية تعادل إنتاج 25 محطة نووية

كانت عملية تقديم العطاءات للحصول على عقد بناء حقل ضخم للطاقة الشمسية شمالي الهند أمرا مهما لعدد من الأسباب. شارك نحو 20 مطورا، ما يشير إلى مدى التنافس، ودام المزاد الذي عقد في أيار (مايو)، 30 ساعة من العمل المرهق، وأدت النتيجة النهائية إلى إصابة بعض العاملين في الصناعة بالذهول.
عرض العطاء الفائز ببناء محطة بهادلا للطاقة الشمسية في راجاستان، بطاقة 500 ميجا واط، واحدا من أدنى الأسعار الخاصة بالطاقة الشمسية على الإطلاق في أي مكان في العالم.
قالت الشركتان – "أكمي سولار"، وهي شركة تطوير هندية، و"سي بي جي كلينتيك"، وهي مشروع مشترك من بين مساهميه شركة سوفت بانك اليابانية - "إنهما ستبنيان المشروع بسعر مضمون يبلغ 2.44 روبية فقط "0.04 دولار" لكل وحدة كهرباء يتم بيعها في النهاية".
لم يكن ذلك رقما قياسيا عالميا تماما. هناك أسعار أقل حتى من ذلك تم تحقيقها في الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية. لكن النتيجة أكدت مكانة الهند في قلب ثورة مصادر الطاقة المتجددة العالمية التي تتسبب في تخفيض تكلفة الطاقة الخضراء التي تمثل واحدا من أكبر الأخطار التي تهدد أنواع الوقود الأحفوري.
حتى وقت قريب، عمل سجل الهند البيئي على اجتذاب عناوين رئيسية من نوع مختلف. عندما كانت الحكومة تُتَّهَم من قبل بعض البلدان بأنها تعمل على تقويض محادثات التغير المناخي الدولية، كانت نيودلهي واحدة من المدن الأكثر تلوثا في العالم.
لكن بالنسبة إلى كثيرين في صناعة الطاقة الهندية أكد مزاد بهادلا أن البلاد تشهد تحولا جذريا من استخدام الطاقة التي تعمل بالفحم إلى استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ونظرا لأن الهند هي في الأصل ثالث أكبر بلد في العالم من حيث انبعاثات الكربون وتخطط لكهربة حتى أبعد قراها النائية في غضون عامين، يمكن أن يثبت التوسع السريع في قطاع مصادر الطاقة المتجددة في البلاد أنه يمثل دفعة قوية وضخمة لمحاولات الحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين - الهدف الذي حددته اتفاقيات المناخ المبرمة في باريس في عام 2015.

الاهتمام العالمي

تتم ملاحظة هذا التحول من قبل بعض أكبر المستثمرين الأجانب في العالم، الذين يتطلع كثير منهم إلى إقامة مشاريع بنية تحتية خضراء تحقق عائدات كبيرة في الهند، لأن وتيرة التطورات في مجال الطاقة الشمسية في كل سوق أخرى تقريبا تباطأت هذا العام.
قال ماسايوشي سون، مؤسس "سوفت بانك"، "إنه يعتزم استثمار 20 مليار دولار في صناعة الطاقة الشمسية في الهند". "المستثمرون الآخرون هم شركة فوكسكون التايوانية وشركة بهارتي الهندية". وقدر وزراء في نيودلهي أن تحقيق أهداف الطاقة المتجددة يتطلب رأسمال كليا يبلغ 160 مليار دولار.
يقول تيم باكلي، مدير معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي "الهند، إضافة إلى الصين، تحددان الآن وتيرة التنمية في مجال الطاقة الشمسية، ويتعين على أوروبا أن تفعل مثلهما. لهذا الأمر آثار وتبعات عميقة بالنسبة إلى أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم".
لكن على الرغم من الأهداف الطموحة والدعم الممتاز، يتساءل بعض العاملين في الصناعة عما إذا كان يمكن إقامة المشاريع من خلال مثل هذه التكاليف المنخفضة؟ ويحذرون من أن النشوة بدأت في الاستحواذ على مطوري الطاقة الشمسية في الهند، ما يجعلهم غير قادرين على تبصر بعض المخاطر المحتملة. الثقة المتزايدة بقطاع الطاقة الشمسية في كل أنحاء العالم يمكن أن تتعرض لضربة قوية فيما لو أصبحت المشاريع الهندية متعثرة ماليا أو حتى تعرضت للانهيار.
ويبدي بعضهم قلقه بشأن الأثر المحتمل في الاقتصاد الهندي الأوسع إذا اضطرت المصارف المثقلة فعليا بالديون في الهند إلى تحمُّل قروض متعثرة إضافية تبلغ مليارات الدولارات - في وقت يتعرض فيه الاقتصاد لضربة قوية من السياسة التجريبية القائمة على إلغاء فئات معينة من العملة ونظام جديد لضريبة المبيعات.
يقول سومانت سينها، الرئيس التنفيذي لشركة رينيو باور، التي تقدمت بعرض لكنها لم تستطع مطابقة السعر الفائز "لا يوجد أي منطق في تلك العطاءات. الشركات بدأت تشعر باليأس من أن يفوتها القطار".
وانتشر القلق ليصل إلى الحكومة. يقول أحد كبار المسؤولين "اعتدت أن أكون متفائلا إزاء الاقتصاد، لكن هناك أمرين الآن يجعلاني أشعر بالقلق إزاء سلامة الاقتصاد على المدى الطويل. ميل رجال السياسة إلى منح إعفاءات مكلفة على القروض المقدمة للمزارعين، وخطر أن نكون قد بدأنا في بناء فقاعة للطاقة الشمسية".
في عام 2015 فاجأت حكومة ناريندرا مودي العالم بتحديد أهداف طموحة بشكل مذهل في مجال بناء طاقة متجددة جديدة. بحلول عام 2022، بحسب ما شرح وزير المالية، آرون جايتلي، ستبني الهند طاقة متجددة جديدة تبلغ 175 جيجا واط، تأتي 100 ميجا واط منها من الطاقة الشمسية. الخطط المتعلقة بالطاقة الشمسية وحدها تعادل 25 مصنعا كبيرا للطاقة النووية.
قبل ست سنوات كان يُلقى باللوم على الهند والصين في "تخريب" صفقة مهمة خلال محادثات المناخ التي ترعاها الأمم المتحدة، لكن إعلان جايتلي أكد أن الهند الآن في قلب الجهود المبذولة عالميا لتطوير مصادر طاقة متجددة أرخص ثمنا والتصدي لمشكلة التغير المناخي.
في البداية عانت الهند من أجل بناء طاقة جديدة بقدر السرعة التي تتطلبها الأهداف المعلنة، لكن على مدى العامين الماضيين، عملت سلسلة من العطاءات المتدنية بشكل قياسي، الخاصة بمشاريع الطاقة الشمسية الجديدة على تأجيج التفاؤل بإمكانية اللحاق بالركب قريبا.
وفقا لتحليل للهند أجرته "بريدج"، وهي هيئة استشارية تركز على الطاقة المتجددة في الهند، من المتوقع أن يبني المطورون طاقة تشغيلية جديدة للطاقة الشمسية تبلغ 8.8 جيجا واط في عام 2017، وهذا من شأنه أن يشكل 76 في المائة أكثر مما كان في عام 2016 ويكفي لجعل الهند ثالث أكبر سوق للطاقة الشمسية في العالم.
ما يستند إليه هذا النمو هو الانخفاض العجيب في الأسعار التي يفرضها مطورو الطاقة الشمسية على الكهرباء. في آب (أغسطس) 2015، بلغ الحد الأدنى القياسي 5.49 روبية لكل وحدة كهرباء. بعد مضي شهر، انخفض إلى 5.09 روبية، وفي كانون الثاني (يناير) اللاحق تراجع 4.34 روبية، وبعد مضي عام، إلى 3.30.
عندما تقدمت شركة أكمي للطاقة الشمسية بعطائها، بسعر 2.44 روبية لمشروع بهادلا في أيار (مايو)، كان ذلك يعني أن الأسعار انخفضت 50 في المائة في غضون عامين، وأكثر من الربع خلال ثلاثة أشهر فقط. وكان يعني أيضا أن الطاقة الشمسية أصبحت أرخص بكثير من الفحم: عندما تم الإعلان عن عطاء بهادلا كانت "إن تي بي سي"، أكبر شركة للكهرباء في الهند، تبيع الكهرباء التي يتم توليدها بواسطة الفحم بمتوسط سعر يبلغ 3.20 روبية لكل وحدة.
تسبب العطاء الناجح في إثارة غضب بعضهم في تلك الصناعة. يقول إندربريت وادوا، الرئيس التنفيذي لشركة آزور باور، التي تقدمت بعرض أيضا لمشروع الطاقة الشمسية في بهادلا "من الجيد أن نرى أن الناس أصبحوا أكثر كفاءة في التعامل مع أنظمتهم، لكن بصراحة بالنسبة إلى السعر 2.44 - لا أعتقد أن أحدهم تقدم وقال (إنه رقم معقول من الناحية الاقتصادية). نشعر بأن الأمر أصبح عدوانيا بشكل فائق..
لكن الشركات الداعمة للعطاء تدافع عن ذلك العرض". يقول مانوج كومار أوبادياي، مؤسس ورئيس شركة أكمي، وهي واحدة من عدد قليل من الشركات التي تتنافس على مشاريع الطاقة الشمسية مقابل عدد من التكتلات الهندية ومتعددة الجنسيات "لم نفاجأ على الإطلاق بعد نتيجة المزاد". كما يشير أوبادياي، هناك أسباب تبرر الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة الشمسية في الهند، إضافة إلى مستويات الأشعة الشمسية القوية والموثوقة، انخفض سعر الألواح الشمسية المصنوعة في الصين خلال السنوات القليلة الماضية في الوقت الذي أدت فيه طفرة التصنيع إلى فائض في العرض.
علاوة على ذلك، تم تقليل تكلفة رأس المال المرتفعة بشكل كبير في الهند بسبب مشاركة الحكومة القوية في قطاع الطاقة الشمسية. في مصانع ومحطات مثل بهادلا، الحكومة تستحوذ على الأرض - بحيث تزيل واحدة من أكبر العقبات في البلاد حيث من الصعب التفاوض بشأن حقوق الأراضي - إضافة إلى ضمان توصيلات شبكة الكهرباء وتقديم ضمانات للدفع فيما لو أصيبت مرافق الدولة بالإعسار.
في مشروع بهادلا نفسه، عمل ذلك على التقليل من تكاليف التمويل المتوقعة من قبل المطورين إلى نحو 9 في المائة – وهو رقم ليس بعيدا عن سعر الفائدة القياسي المفروض من البنك المركزي؛ 6 في المائة.

تفاقم الفقاعة

المشكلة التي يواجهها أوبادياي هي أن هناك عديدا من العوامل التي يمكن أن تعمل أيضا على زيادة التكاليف بشكل لا يستهان به. في الوقت الذي سيكون فيه من الممكن التنبؤ بمقدار أشعة الشمس التي تحصل عليها بهادلا على مدى فترة العقد الممتدة لـ 25 عاما، إلا أنه من غير المؤكد تحديد مدى التلوث الذي سيصبح عليه الموقع. أظهرت دراسة أجريت الشهر الماضي أن الغطاء السميك من الهواء الملوث الذي تعانيه الهند يقلص توليد الطاقة الشمسية بمقدار الربع - أكثر بكثير مما كان معتقدا في السابق.
ثانيا، توقفت تكلفة الألواح الشمسية عن الانخفاض خلال الأشهر الستة الماضية، وبدأت في الارتفاع بدلا من ذلك؛ من 0.30 دولار للواط الواحد من الكهرباء إلى نحو 0.35 دولار، بشكل رئيسي لأن كلا من الهند والولايات المتحدة بدأتا الأخذ في الحسبان فرض رسوم مكافحة الإغراق على الألواح الشمسية المصنعة في الصين.
يقول أحد مسؤولي الصناعة "إن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تدفع تكاليف المشاريع الكلية، مثل مشروع بهادلا، إلى الأعلى بنسبة 20 في المائة". وبالنسبة لشركة أكمي يعني هذا إنفاق 32 مليون دولار زيادة على الميزانية المخصصة لمشروع بهادلا.
ثالثا، الضريبة الجديدة التي فرضتها الحكومة على السلع والخدمات، التي تهدف إلى إحداث ثورة في الشركات من خلال تحويل الهند إلى سوق موحدة للمرة الأولى منذ استقلالها، عملت أيضا على رفع تكاليف مطوري الطاقة الشمسية. مثلا، تواجه مواد مثل الصلب والنحاس الآن ضرائب نسبتها 18 في المائة.
يقول أوبادياي "لو قدمنا العطاء الآن، ماذا عن (...) الارتفاع في أسعار الطاقة الشمسية. ما كنا سنتمكن من تقديم العرض الذي قدمناه في أيار (مايو)". لكنه يصر على أنه لا يزال بالإمكان بناء مشروع بهادلا بالسعر المفترض نفسه، ويعترف "كنت قد أخذت في الحسبان أكثر من عامل أمان لو أنني كنت قد عرفت عن تلك التغييرات. سيكون السعر أقرب إلى 3.00 روبيات".
أخيرا، كما هي الحال مع جميع معامل توليد الكهرباء في الهند، هناك خطر كبير يكمن في أن المرافق التي تشتري الطاقة لن تدفع الثمن. شركات توزيع الكهرباء التي تديرها الدولة هي بعض المؤسسات الأكثر مديونية في البلاد، وتعاني من أجل تحقيق الأرباح في الوقت الذي يحافظ فيه السياسيون على التعريفات المفروضة متدنية بشكل مصطنع. وتسبب التعثر في الدفع من قبل في إحداث فوضى في صناعة الكهرباء المولدة بالفحم - أحد الأسباب الرئيسية للديون المتعثرة التي تعانيها الميزانيات العمومية للمصارف الهندية.

النهج المتسق

تسعى الحكومة المركزية إلى تبديد تلك المخاوف من خلال تقديم عديد من طبقات الضمانات لمطوري الطاقة الشمسية، مع وجودها نفسها مصدر دعم نهاني.
لكن مع محاولة بعض الولايات منذ الآن إعادة التفاوض بشأن تلك الصفقات مع مطوري الطاقة الشمسية، للاستفادة من الأسعار الآخذة في الانخفاض، يشعر بعضهم بالقلق من أن المصارف قد تبدأ في دفع تكاليف التمويل إلى الأعلى.
يقول أحد مختصي الاقتصاد في مصرف عالمي كان يتطلع إلى تمويل بعض مخططات مشاريع الطاقة الشمسية الهندية "تلك المشاريع جاذبة للممولين. لكن فقط في ظروف محددة جدا".
تحتاج سياسة الحكومة والإجراءات التي تتخذها الجهات المنظمة إلى أن تكون متسقة، بحسب ما قال. "يجب ألا يتوقع المستثمرون الحصول على عائدات سريعة - من المرجح أن يستغرق الأمر من 15 إلى 18 عاما لكي يسترد المطورون التكاليف التي تكبدوها".
منذ الآن، بدأت المخاوف المتعلقة بانفلات صناعة الطاقة الشمسية الهندية في العمل على إبطاء النمو. وتيرة الإعلانات عن مناقصات جديدة تباطأت بنسبة 68 في المائة في عام الماضي، وفقا لشركة بريدج الاستشارية. ومنذ أيار (مايو)، لم تقترب أي شركة من طرح عطاء بقيمة 2.44 روبية للبدء بمشروع جديد.
يقول تقرير جديد صادر عن الشركة الاستشارية "مشاريع الطاقة الشمسية النظيفة بمثل هذه الأسعار جذابة جدا ويجب أن تحقق تقدما قويا في الطلب على المدى المتوسط والطويل. لكنها تفضي أيضا إلى شعور المشترين بالندم على مشاريع بنيت بالفعل وأخرى قيد التطوير".
الأخطر من ذلك أن هناك دلالات تشير إلى أن المصارف بدأت تشعر بالتوتر حول ما إذا كان سيتم تسديد المدفوعات لها أم لا. يقول أحد المصرفيين الأجانب "إن مصرفة ليس مستعدا لتمويل مشاريع الطاقة الشمسية الهندية إلى أن تستطيع الشركات أن تثبت أنها قادرة على البناء بالأسعار التي عرضتها".
يقول سينها، من رينيو باور"، "إنه يأمل أن يساعد حدوث توقف في نمو الصناعة السريع في تطورها من خلال تقليل فرص حدوث انهيار في النهاية".
لكن تنفيذيين في الصناعة يحذرون من أنه مع تمويل يقدر بحدود عشرة مليارات دولار التزمت المصارف بتقديمها للصناعة، قد يتبين أن سلسلة من حالات الإعسار التي يتعرض لها المطورون خطيرة بالنسبة إلى المصارف المتعثرة أصلا في الهند.
يقول سينها "هناك كثير من الأمور التي تسير بشكل خاطئ هنا، لكن الشركات تعمل وتبني في قطاع لا مجال فيه للخطأ. إن لم تسر الأمور بالشكل الصحيح، فستنهار الشركات، وستعاني المصارف وربما تتباطأ الصناعة حتى تتوقف كليا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES