إلغاء التأشيرة

|

حدثني شخص يعشق اليابان عن حجم الاهتمام الشخصي والشعبي بالتفوق والنجاح. وصل الهاجس في هذا المجال لأن يقوم أحد الحراس في إحدى الغابات بسحب صاحبنا من الخلف، عندما توقع أن الرجل يحاول الانتحار. بعد أن سأل صاحبنا الحارس عن سبب توقعه أن الرجل يخطط للانتحار، شرح له الحارس أن هذه البقعة من المواقع المفضلة لدى الراغبين في الانتحار من اليابانيين. الانتحار ــ المحرم شرعا ــ هو الوسيلة التي يعاقب بها كثيرون منهم أنفسهم بسبب فشلهم في الدراسة أو الوظيفة.
لم يكن غريبا علي أن أقرأ عن قرار ترحيل مبتعثين لم يحققوا الحد الأدنى من المتطلبات الدراسية خارج اليابان. هذا وهم في مرحلة اللغة، فكيف إذا أصبحوا جزءا من المنظومة التعليمية في الدولة. يكمن في هذه الحالة خطآن مهمان. الأول عدم توضيح هذه الحقيقة المهمة للطلبة المبتعثين في دولة كهذه، وهو أمر خطير فعلا لأنه لا يؤثر في المبتعث فقط وإنما يطول سمعة الدولة التي ابتعثته، وهي تعلم أنه لن يحقق المستوى الأدنى من الأداء.
الخطأ الآخر ابتعاد المبتعث نفسه عن البيئة التي يعيش فيها وهو يشاهد كم التنافس والانضباط الذي يميز تلك البيئة. وإشكالية عدم التأقلم هذه يجب أن تعمل على تلافيها برامج الابتعاث كلها، إضافة إلى ربط المبتعث بالمجتمع الذي يعيش فيه بكل الوسائل، ومن ضمنها أن يكون عدد المبتعثين أقل ما يمكن في مدينة أو موقع تعليمي معين. المهم في المرحلة الأولى هو تكوين شخصية مختلفة للطالب تتبع البيئة والفكر والفهم العام الذي يسيطر في الدولة التي يبتعث إليها.
تدفع التركيبة النفسية والمجتمعية لأبنائنا وبناتنا مفاهيم الرغبة العامة ليكونوا مع بعضهم، وهذا هو أسوأ قرار يمكن أن يتخذه أي مبتعث في أي دولة. إن التأقلم يستدعي الحاجة، وعند انتفاء الحاجة للتعامل في البيئة والاضطرار للتفاعل النوعي مع مكوناتها يدفع ذلك نحو ظهور حالات تدهور التحصيل العلمي في المراحل الأولى، ونعود مع هذا إلى موضوع الرمح وركزه من البداية بالطريقة السليمة التي تضمن أن يصيب الهدف ويحقق أكبر النجاحات.
أمنيتي لكل أبنائنا الذي يتعلمون في الخارج أن يكونوا خير سفراء لبلادهم، وهذا يتطلب البذل والتحمل والاجتهاد خلال سنوات قليلة تحدد مسار ومستقبل الشخص طوال حياته، واسألوا من سبقوكم.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها