FINANCIAL TIMES

شركات النفط الكبرى تترك 3 سنين عجاف وراء ظهرها

الزيادة في الأرباح التي أعلنت عنها شركة رويال داتش شل كانت خاتمة مجموعة قوية من نتائج الربع الثالث الواردة من شركات النفط والغاز الكبرى في العالم. وعمل ارتفاع أسعار النفط الخام وانخفاض التكاليف أخيرا على جلب الانتعاش بعد ثلاث سنوات من المعاناة المالية.
نتائج شل المعلنة يوم الخميس فاقت التوقعات بزيادة نسبتها 47 في المائة في الأرباح، ما جعلها تصل إلى 4.1 مليار دولار، عقب أداء مماثل من قبل "بريتيش بتروليوم" و"توتال" و"إكسون موبيل" و"شيفرون".
في الوقت نفسه ارتفع خام برنت، المعيار الدولي، إلى أكثر من 60 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2015 في الوقت الذي أخذ فيه ارتفاع الطلب يتجاوز الإمدادات بعد أكبر تراجع منذ جيل.
لكن كان من المهم أيضا بالقدر نفسه التخفيضات الحادة في الإنفاق التي عملت على إيجاد صناعة أصغر حجما قادرة على توليد مزيد من الأموال النقدية بالأسعار الحالية أكثر مما فعلته الشركات قبل انهيار الأسعار التي كانت تزيد على 100 دولار للبرميل في عام 2014.
قال روهان ميرفي، محلل الطاقة في شركة أليانتز جلوبال "كل شركات النفط الكبرى تثبت أنها قادرة على العمل بسعر 50 دولارا للبرميل، الأمر الذي كانت السوق متشككة في إمكانية حدوثه بهذه السرعة".
وجاء انتعاش شركة شل أقوى من انتعاش معظم الشركات الأخرى، بمساعدة إنتاج جديد وتخفيض تكاليف التشغيل بعد عملية استحواذ على شركة الغاز البريطانية "بي جي" مقابل 50 مليار دولار العام الماضي.
بمتوسط سعر بلغ 52 دولارا للبرميل ولّدت شركة شل تدفقات نقدية وصلت إلى 10.1 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أيلول (سبتمبر)، كان ذلك كافيا لتغطية نفقات رأس المال وأرباح الأسهم للربع الخامس على التوالي.
ينسب الفضل في هذه الصورة المالية الآخذة في التحسن بشكل كبير إلى تأخير وإلغاء بعض أعمال التطوير الجديدة في النفط والغاز، الأمر الذي ساعد على حماية أرباح الأسهم من خلال التقليل من الإنفاق، لكنه يثير تساؤلات حول النمو في المستقبل.
النفقات الرأسمالية لشركة شل في سبيلها لأن تصبح نحو 25 مليار دولار هذا العام، مقارنة بـ 40 مليار دولار في عام 2013، قبل إبرام صفقة الاستحواذ على شركة الغاز البريطانية.
وتم فرض تخفيضات مماثلة في جميع أنحاء الصناعة، ما دفع بالاستثمار إلى مستويات متدنية من الناحية التاريخية. فبحسب باتريك بوياني، الرئيس التنفيذي لشركة شل، انخفض متوسط عدد أعمال التنقيب الجديدة في النفط والغاز، التي حازت الضوء الأخضر على المستوى العالمي، من 35 مشروعا في العام الواحد خلال الفترة بين عامي 2010 و2014 إلى 12 مشروعا فقط منذ عام 2015. وقال "يتعين على هذا الرقم أن يزيد إذا أردنا تفادي حصول أزمة في الإمدادات في العشرينيات من هذا القرن".
ويشدد بوياني وتنفيذيون آخرون على أن تخفيض الإنفاق هو أيضا علامة على مكاسب الكفاءة في الصناعة، ما يسمح للشركات أن تنجز أمورا أكثر مقابل نفقات أقل.
ويستشهد إيلدار سايتر، الرئيس التنفيذي لشركة شتات أويل، بحقل يوهان سفيردروب، حقل النفط الجديد لشركته الموجود في بحر الشمال النرويجي. فقد انخفضت تكلفة تطويره بمقدار الربع من أصل ميزانية أولية بلغت 123 مليار كرونة نرويجية إلى ما يقدر بـ 92 مليار كرونة "11 مليار دولار". وقال "لم أرَ قط من قبل تخفيضا كهذا بعد أن تم اتخاذ قرار الاستثمار".
يأتي كثير من الوفورات بسبب التخفيضات المفروضة على الموردين، مثل مشغلي آلات الحفر، الذين لم يكونوا في موقع يمَكِّنهم من المقاومة بعد أن تراجعت الأعمال عقب انهيار أسعار النفط. لكن بيرنارد لوني، رئيس عمليات الاستكشاف والإنتاج في شركة بريتيش بتروليوم، يشدد على أن ثلثي التخفيضات ذات طابع هيكلي، وليست دورية، وبالتالي ستكون مستدامة.
وقال "إنها أشبه بقصة تتحدث حول مدى سوء الأيام الماضية بقدر ما تتحدث حول الوضع الجيد الذي وصلنا إليه. لقد تمكنا من تخفيض تكلفة مشروع ماد دوج 2 "في خليج المكسيك" من 20 مليار دولار إلى ثمانية مليارات دولار، لكن بصراحة لم يكن يجدر بنا أن نتوصل قط إلى الرقم 20 مليار في المقام الأول".
وتشتمل الأمثلة على وفورات التكلفة مزيدا من التوحيد في معايير التصميم من مشروع إلى آخر. قال لوني "في عصر وصل فيه سعر النفط إلى 100 دولار، كانت الصناعة تعتز بنفسها في مجال التصاميم المفصلة. هذا تغير الآن. نحن نشهد مزيدا من المشتريات الجاهزة للاستخدام".
التكنولوجيا الرقمية، مثل التعلم الآلي لتحسين دقة الحفر، وتحليلات البيانات لتحسين الإنتاج مفيدة أيضا، بحسب لوني.
ويتشكك كثير من الناس في أن مثل هذه الصناعة الدورية ستكون قادرة على تفادي العودة إلى التجاوزات التي حصلت في الماضي. فمنذ التكاليف آخذة في الارتفاع في حقول الزيت الصخري الأمريكية ويقول تنفيذيون في مجال الخدمات النفطية "إن الأسعار المتدنية للغاية التي تتلقاها شركاتهم في أماكن أخرى من العالم هي أسعار غير مستدامة". لكن بحسب جيسيكا أوهل، كبيرة الإداريين الماليين في شركة شل، لا توجد أي دلالة على تضخم التكاليف خارج أمريكا الشمالية، وهي تشهد "مزيدا من التقدم" في الجهود الرامية إلى تحقيق الكفاءة. وقالت يوم الخميس "نحن نحاول بناء شركة تبقى متينة أمام أسعار النفط المنخفضة"، مضيفة أن "المشاريع الجديدة تم تصميمها لتحقيق الأرباح من خلال الأسعار التي هبطت إلى مستوى أدنى كثيرا من 50 دولارا للبرميل".
وتذهب مجموعة توتال أبعد حتى من ذلك، إذ تبلغ نقطة التعادل لديها ما قبل توزيع الأرباح "سعر النفط اللازم لتغطية النفقات" أقل من 30 دولارا هذا العام، والهدف لديها هو الوصول إلى 20 دولارا في عام 2019.
قال ألاسدير ماك كينون، وهو مدير في صندوق الاستثمار الاسكتلندي "اسكوتش إنفيستمنت ترست"، الذي يمتلك أسهما في "إكسون موبيل" و"شيفرون" و"شل" و"توتال"، "إن شركات النفط الكبرى لديها "اليد العليا" فيما يخص التكاليف طالما بقيت سوق خدمات حقول النفط مثقلة بالطاقة المفرطة". لكن الادعاءات بتحقيق تحسينات دائمة في الكفاءة من شأنها أن تتعرض للامتحان في حال أصبحت الصناعة أقل حذرا في الاستثمار في الوقت الذي تنتعش فيه الأسعار.
ووفقا لبوياني، من شركة توتال، بعد العثور على مجال مربح في ظل الأسعار الحالية، لن ترحب شركات إنتاج النفط الكبرى بفكرة العودة إلى الأيام التي عانت فيها سوء الانضباط ووصل سعر النفط الخام إلى 100 دولار.
وقال "أنموذج الأعمال لدى الشركات الكبرى يعمل بشكل أفضل عند هذا المستوى".
ويعد قرار "بريتيش بتروليوم" الأسبوع الماضي إطلاق مشروع لإعادة شراء الأسهم دلالة على أن شركات النفط أصبحت واثقة بما يكفي للتفكير في تحسين العائدات الخاصة بالمستثمرين بعد معاناتهم خلال السنوات القليلة الماضية.
ومثل معظم شركات النفط الأوروبية الكبرى، خففت "بريتيش بتروليوم" من الضغوط المفروضة على ميزانيتها العمومية بعد أن انخفضت أسعار النفط، من خلال دفع بعض عائداتها على شكل "شهادات مالية" - بالأسهم وليس بأموال نقدية. وسمح ذلك للشركات بتفادي تخفيض الأرباح، لكن على حساب تقليص الأسهم الحالية.
والتزمت شركة بريتيش بتروليوم الثلاثاء الماضي بالتعويض عن هذا الأثر من خلال إعادة شراء الأسهم على نطاق واسع بما يعادل المبلغ الذي سيصدر في المستقبل، من خلال الأرباح على شكل شهادات مالية.
إلا أن شركة شل لم تصل إلى حد اتخاذ خطوة من هذا القبيل حين أبلغت عن نتائجها يوم الخميس، لكن "أوهل" ألمحت إلى أن إعادة شراء الأسهم باتت غير بعيدة.
وفي إطار شراء مجموعة الغاز البريطانية في عام 2015، وعدت "شل" بإعادة شراء ما قيمته 25 مليار دولار على الأقل من الأسهم بحلول عام 2020.
وقالت "أوهل"، "إن شل في سبيلها إلى أن تبدأ عمليات إعادة الشراء والتوقف عن إصدار الشهادات المالية، لكنها لم تعط جدولا زمنيا لذلك". وفي حين تعتزم "شل" الانتقال إلى توزيعات أرباح نقدية بالكامل، قالت "بريتش بتروليوم"، "إنها ستستمر في عرض خيار الشهادات المالية، لأن بعض المساهمين يفضلونها".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES