FINANCIAL TIMES

في بريطانيا .. مغامرة استثمار المعاشات تتحول إلى مقامرة

منحت إصلاحات وزارة الخزانة في بريطانيا الناس حرية فتح معاشاتهم التقاعدية، وإنفاق المال كما يرغبون.
الآن بعد مضي عامين على ذلك، تتزايد المخاوف حول تكتيكات المبيعات ذات الضغط العالي، والمخاوف من الغش عند البيع.
جاريث سْلي لا يستطيع تصديق حُسن حظه. يقول عامل الصُلب السابق البالغ من العمر 55 عاماً الذي قايض معاشه التقاعدي الأخير الكبير مقابل مبلغ نقدي من ستة أرقام: "المال يُغير الحياة بالنسبة لي. لن أضطر إلى العمل مرة أخرى. لا أشعر أنني ربحت اليانصيب، لكن الفرق ليس كبيرا".
سلي هو واحد من أكثر من 220 ألف شخص في بريطانيا اتخذوا الخطوة التي لا رجعة فيها خلال العامين الماضيين، بالانسحاب من المخططات ذات مزايا التقاعد الآمنة وتحويل أموالهم إلى صناديق التقاعد الشخصي الأكثر خطورة، حيث يُمكن استخدام النقود لتسديد القروض العقارية، أو شراء سيارة جديدة أو إنفاقه دفعة واحدة.
يقول سْلي، المواطن من بورت تالبوت في ويلز: "أعرف أن الأمر محفوف بالمخاطر لكنني أثق بمستشاري".
هذا التحوّل العجيب بالنسبة للأشخاص الذين يبلغون من العمر 55 عاماً وأكثر، كان سببه إلى حد كبير الإصلاحات الجذرية على قواعد المعاشات التقاعدية التي أُدخلت في عام 2015.
الهدف كان منح الناس الحرية للقيام بما يريدون بمعاشاتهم التقاعدية بدلاً من إجبار المتقاعدين على استخدامها لشراء راتب سنوي، الذي يُقدّم دخلا آمنا.
قال جورج أوزبورن، وزير الخزانة في ذلك الحين، عندما أعلن عن إصلاحات "الحرية والخيار" في البرلمان في آذار (مارس) من عام 2014: "الناس الذين عملوا بجد وادّخروا بجد طوال حياتهم، وقاموا بالشيء الصحيح، ينبغي أن يؤتَمنوا على مواردهم المالية".
الملايين من الناس في المملكة المتحدة أنشأوا استحقاقات على المعاشات التقاعدية للراتب النهائي التقليدي، لكن منذ عام 2015 فإن نحو 50 مليار جنيه من مدفوعات المعاشات التقاعدية ذات الميزة المحددة، تدفقت خارج برامج القطاع الخاص، وذلك وفقاً للشركة الاستشارية، ميرسر.
يُشير الخبراء إلى أن هناك تدفقات خارجة ضخمة من برامج المعاشات التقاعدية لموظفي المصارف والتأمين، بما في ذلك بنك باركليز، و"آفيفا" وصندوق التقاعد شركة تاتا ستيل.
فضلاً عن منح المتقاعدين مزيدا من الحرية بخصوص كيفية إنفاق أموالهم، تزامنت الإصلاحات مع ارتفاع قيم التحويل، في بعض الحالات 30 إلى 40 مرة ضعف دخل المعاش التقاعدي السنوي المتوقع، وهو مُضاعِف ارتفع مع تشديد عوائد السندات.
كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن علامات مبكرة لمشكلات كبيرة محتملة مع تشغيل حريات المعاشات التقاعدية الجديدة في المملكة المتحدة.
في حين أن هيئة السلوك المالي أجبرت عددا من الشركات التي تُقدم المشورة بشأن عمليات التحويل على تعليق أنشطتها، إلا أن صحيفة فاينانشال تايمز أيضاً تُدرك أن الجهاز التنظيمي ينظر في التقارير التي تفيد أن المستشارين يستهدفون عددا من مخططات الراتب النهائي، باستخدام تكتيكات الضغط العالي لحشد الشركات.

مخططات «رولز رويس»
للاستفادة من الإصلاح، يجب على الفرد تحويل حقوق المعاشات التقاعدية ذات الميزة المحددة، أو الراتب النهائي، إلى مبلغ مقطوع، ومن ثم تحويل هذا إلى صندوق تقاعد شخصي، أو برنامج مساهمات محدد.
هناك ظروف يكون فيها هذا منطقياً: عندما يكون الشخص في حالة صحية سيئة أو ليس لديه زوج أو معالين، لكن هيئة السلوك المالي تعتقد أن معظم الناس هم أفضل حالاً مع المعاشات التقاعدية للراتب النهائي على غرار "رولز رويس" بسبب مزايا الدخل الآمن والمرتبط بالمؤشر.
التحويل يُشكل مخاطر مهمة للأفراد، الذين إما أنهم سيكونون مسؤولين عن إدارة محافظ استثمارية كبيرة بأنفسهم، أو يدفعون لشخص ما للقيام بذلك بالنيابة عنهم.
وهناك الآن دلائل تُشير إلى أن الزيادة في عدد الأشخاص الذين يختارون مقايضة معاشاتهم التقاعدية بمبلغ مقطوع، يُمكن أن تؤدي إلى فضيحة غش بيع جديدة في سوق دخل المعاشات التقاعدية في المملكة المتحدة.
وكانت معاملات في ثمانينيات القرن الماضي، أدت إلى مدفوعات تعويضية بقيمة 13 مليار جنيه إلى المتقاعدين الذين نُصحوا باتّخاذ خطط شخصية، بينما كان من الممكن أن يكونوا أفضل حالاً بالبقاء في مخطط الشركة.
يزعم النقاد أن نماذج الرسوم التي تستخدمها الشركات الاستشارية تخلق حوافز غير صحية للمستشارين. هيئة السلوك المالي، التي نظرت بالفعل في النمو في عمليات التحويل، توسّع تحقيقها في السوق.
ليس فقط المستشارون هم من يواجه التدقيق - يخشى أعضاء البرلمان أن بعض الشركات المُدرجة في مؤشر فاينانشيال تايمز، المثقَلة بالعجز الكبير في المعاشات التقاعدية، تُحفّز الموظفين الحاليين والمتقاعدين للخروج من المخططات ذات المزايا المحددة.
هذا قد يُخفف الضغط على الميزانيات العمومية ويُهدئ المستثمرين الرئيسين، لكن تكتيكات بعض الشركات، بما في ذلك تزويد الموظفين بمشورة مجانية (تساوي قيمتها آلاف الجنيهات) لنقل معاشات التقاعد، تُمثّل تضارباً محتملاً في المصالح.
عضو البرلمان فرانك فيلدن رئيس العمل البرلماني ورئيس لجنة المعاشات التقاعدية، يشعر بالقلق من أن الشركات تتكفل بالدعم المالي عن تكلفة المشورة لأعضاء مخططات المعاشات التقاعدية لتشجيع الناس على التحويل من المخططات ذات المزايا المحددة.
وقال في جلسة أمام أعضاء البرلمان: "من المهم أن يحصلوا على نصيحة خبير مستقل، وليس من مندوبي مبيعات المعاشات التقاعدية الذين يرسلهم صاحب عملهم".
يقول كيث ريتشاردز، الرئيس التنفيذي لجمعية التمويل الشخصي، التي تُمثّل 35 ألفا من المخططين والمستشارين الماليين: "هذا العمل المبكر من هيئة السلوك المالي أمر بالغ الأهمية. إلا أن السوق تستلزم بالتأكيد مزيدا من التدقيق".
دور المستشار المالي هو بالغ الأهمية. إذا تم تقييم المزايا المحددة بما يزيد على 30 ألف جنيه، يجب على الفرد الحصول على مشورة مالية مستقلة لنقل ماله.
ارتفع الطلب على مشورة التحويل منذ إطلاق الإصلاحات. الشركات التي تُقدّمها يُمكن أن تستفيد أيضاً من الرسوم السخية لمرة واحدة، التي تراوح عادةً بين 1 و3 في المائة، والرسوم الإدارية اللاحقة إذا اختار الأفراد قبض المال نقدا.
دُقت أجراس الإنذار بشأن جودة المشورة في وقت سابق من هذا العام عندما علّقت نحو خمس أو ست شركات أنشطتها المتعلقة بمشورة التحويل بهدوء، بعد مراجعة من قِبل هيئة السلوك المالي.
من بينهم كانت شركة هيثر دون آي إف آيه في كنت التي تُقدم دعماً متخصصاً للتحويل التقني إلى المستشارين. موقعها الإلكتروني وصف السوق بأنها "مربحة" وقال "إننا نبحث عن سبب للتحويل، وليس سبباً لعدم التحويل".
تقول الشركة إن هذا البيان قد أُزيل من موقعها الإلكتروني.
الجهاز التنظيمي لا يعلّق على حالات فردية، لكنها نشرت نتائج استعراض 88 توصية تحويل قدمتها 13 شركة ناشطة في السوق منذ تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2015. من هذه الحالات، 47 في المائة فقط اُعتبرت مناسبة للظروف الشخصية للزبون، فيما اعتبرت 17 في المائة غير مناسبة.
توصلت هيئة السلوك المالي إلى أن 35 في المائة فقط من منتجات الاستثمار الموصى بها للأفراد الذين يحولون أموالهم اعتُبرت مناسبة. تُقابَل الأرقام بجودة المشورة في السوق الأوسع؛ وتوصلت هيئة السلوك المالي سابقاً إلى أن 91 في المائة من مشورة دخل التقاعد كانت مناسبة. نتيجة تقييماتها، هناك أربع شركات لم تذكرها هيئة السلوك المالي بالاسم توقفت عن تقديم المشورة بشأن تحويلات مخططات الراتب النهائي.

التخلص من المطلوبات
منذ إدخال القواعد الجديدة، فإن كثيراً من مخططات المعاشات التقاعدية في الشركات بدأت بإضافة عروض أسعار تحويل إلى حُزم الخيارات المُرسلة إلى الأعضاء الذين اقتربوا من التقاعد، إلى جانب عروض تقليدية عن دخل المعاش التقاعدي المتوقع في التقاعد.
بعض أصحاب العمل، بما في ذلك مجموعات مدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز 100، تتخذ خطوة أبعد وتنظم ندوات لتشجيع الأعضاء على استكشاف خيارات التقاعد.
وكثيراً ما يُشار إلى مزايا الضرائب على المواريث - إذا تم نقل معاش تقاعدي ذي مزايا محددة، فإن مبلغ مليون جنيه يُمكن أن يُورَّث من الناحية النظرية إلى الورثة دون ضرائب إذا مات المستثمر قبل عمر 75 عاماً.
شركة أون هيويت الاستشارية للمعاشات التقاعدية، تقول إن المخططات التي تُحدد تلقائياً سعر التحويل في حُزم التقاعد ترى ما متوسطه 5-10 في المائة من الأعضاء يتحولون عن المخططات ذات المزايا المحددة.
مع ذلك، ارتفع الرقم إلى 30-40 في المائة عندما تُقدم المشورة للأعضاء أيضاً، التي يدفع مقابلها صاحب العمل. يقول بن رو، الشريك في شركة أون هيويت: "توفير المشورة المجانية أو المدعومة من الشركة له تأثير كبير في حجم عمليات التحويل".
بحث أجرته الشركة الاستشارية ويليس واتسون يقول إن 55 في المائة من أعضاء مخططات المعاشات التقاعدية، الذين تزيد أعمارهم على 55 عاماً وتلقوا مشورة دفع مقابلها صاحب عملهم، قرروا التحويل.
"بحسب الرويات المتناقلة، كلما زاد التواصل وكان أفضل، بما في ذلك مشورة التحويل المدعومة من المؤسسة، كان أعضاء مخططات المعاشات التقاعدية أكثر احتمالاً لاتخاذ خيار التحويل"، كما يقول تشارلز كولينج، مدير في شركة جيه إل تي لعوائد الموظفين، التي حالياً تسيِّر معاملات نحو 100 مليون جنيه شهرياً من مدفوعات تحويل المزايا المحددة للمخططات التي تُديرها.

كثير من الشركات والأمناء يجادلون بأن هناك ظروفا يكون من المناسب فيها تحويل معاشاتهم التقاعدية إلى نقود. مع ذلك، فإن جون هاتشيت، الشريك في شركة هيامانز روبرتسون، يقول إن عددا من أصحاب العمل تحركهم الرغبة بالتخلص من مطلوباتهم بخصوص مخططات المزايا المحددة من ميزانياتهم العمومية.
يقول: "تكلفة التحويل عادة ما تكون أقل بكثير من تكلفة تأمين المطلوبات نفسها مع شركة تأمين [بالنسبة لصاحب العمل]. وحيث إن معدلات القبول للذين تزيد أعمارهم على 55 عاماً في ممارسات [النقل] المنظمة هي بحدود 20-30 في المائة، فهناك حافز مالي واضح".
استخدام التخويف بشأن الملاءة المالية
كما تُحقق هيئة السلوك المالي أيضاً في تقارير عودة ظهور تكتيكات أسلوب "مطاردة سيارة الإسعاف" التي استخدمها المستشارون الذين لا ضمير لهم بعد الحملة السابقة لتحرير سوق المعاشات التقاعدية في الثمانينيات.
في ذلك الحين، كانت فِرق المبيعات المباشرة الكبيرة التي تعمل بنظام العمولة، تصطف عند بوابات المصانع في محاولة للحصول على عمل من أعضاء مخططات الراتب النهائي الذين تم تسريحهم قبل ذلك بفترة قصيرة.
تقول مارجريت سنودون، رئيسة مجلس مراقبة ممارسات الحوافز: "سمعت عن أمثلة جديدة لبعض موظفي شركة آي إف آيه، الذين قد لا يتمتعون بسمعة طيبة، ويوجدون على بوابات المصانع، أو يحاولون الحصول على التعاملات، وهو أمر مُثير للقلق.
إضافة إلى ذلك، سمعنا أن بعض موظفي شركة آي إف آيه يطلبون من العملاء إحالة الأصدقاء أو الزملاء في العمل، أو حتى طلب نشر منشورات إعلانية في مكان العمل. هذه ممارسة سيئة".
هناك أيضاً أدلة متداولة تفيد بأن بعض المستشارين يسعون إلى الحصول على تعاملات من خلال استغلال المخاوف بشأن أمن صناديق المعاشات التقاعدية في الشركة.
إذا تعرّض صاحب العمل للإفلاس، فإن مسؤولية مدفوعات المعاشات التقاعدية تنتقل إلى صندوق حماية المعاشات التقاعدية - وهو قارب النجاة للمخططات الفاشلة.
أشار بعض المستشارين علناً إلى أن هذا الشرط قد يكون عُرضة لخطر الإغراق من قِبل الشركات الفاشلة.
تم استخدام الخلاف حول السير فيليب جرين ومخطط التقاعد الفاشل في متجر التجزئة المنهار بي إتش إس في بعض المناقشات بين المستشارين والعملاء، وذلك وفقاً لتنفيذي كبير في مجال التأمين. تعرّض شركة الطيران مونارك للإفلاس في وقت سابق من هذا الشهر زاد من المخاوف.
بيان صحافي صدر أخيراً عن مجموعة ديفير، التي تصف نفسها كواحدة من أكبر منظمات الخدمات المالية المستقلة في العالم قال: "انهيار شركة مونارك هو خطر لا يجب تجاهله بالنسبة للأشخاص الذين هم على أعتاب التقاعد. وحيث إن مخططات معاشات الراتب النهائي في المملكة المتحدة عليها الآن مطلوبات في حدود 1.6 تريليون جنيه، وهو رقم مثير للقلق، وتعاني عجزا بمقدار 224 مليار جنيه، والمشكلة لا تزداد إلا سوءاً، يمكن أن يكون من المعقول الافتراض أن [صندوق حماية المعاشات التقاعدية] ربما يشعر جدياً بالضغط. كم عدد الانهيارات البارزة التي يُمكن أن يتحمّلها؟"
تقول مجموعة ديفير إن الهدف من تحذيرها كان أن تشير على الناس بمراجعة معاشاتهم التقاعدية وخططهم المالية الأوسع. ديفيد بيني، المخطط المالي القانوني في شركة بيني رودي آند وينتر، يقول إنه سيكون من "الخطير" على المستشارين تقديم التوصيات للناس لتحويل معاشات الراتب النهائي على أساس خطر تعرّض صاحب عملهم للإعسار المالي، فحسب.
ويضيف: "هناك خطر حقيقي في أن عمليات التحويل تتم على أساس التخويف، وأن الأعضاء سيتخلون في نهاية المطاف عن الدخل الآمن بسبب المخاوف التي لن تتحقق أبدا".
الإجراء المبكر من قِبل هيئة السلوك المالي يُشير إلى أن أي مشكلة تتعلق بتسويق تحويل المعاشات التقاعدية يُمكن وقفها بسرعة قبل أن تتطور، لكن بعض المراقبين حددوا ما يعتقدون أنه مزيج من العوامل التي تُشير إلى تكرار فضائح الغش في البيع السابقة.
يقول ميك ماكاتير، المدير المشارك في مركز الإدماج المالي، المؤسسة الفكرية المستقلة، والعضو السابق في مجلس هيئة السلوك المالي: "نحن نعرف من التاريخ أنه عند اقتران الحوافز التجارية وتضارب المصالح مع التنظيم السيئ لأجزاء من سوق المشورة، عندها يُمكن أن تسوء الأمور".
"آمل أننا لن نرى تكراراً لأسوأ التجاوزات لفضيحة الغش في البيع في الثمانينيات، لكن العلامات مثيرة للقلق".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES