التعليم الإلكتروني .. إلى أين سيقود جامعاتنا؟

|

أريد في هذا المقال أن أستكمل موضوع مبالغة بعض الجامعات في التعليم الإلكتروني. ففي مقال سابق بينت وجهة نظري حول السبب المبطن للتحول السريع لبعض الجامعات من التعليم التقليدي إلى التعليم الإلكتروني. فذكرت أن السبب يتمثل ـــ والله أعلم ــــ في إخفاق الجامعات في إدارة وتشغيل التعليم التقليدي فتلجأ إلى التعليم الإلكتروني من أجل أن تخفي فشلها وتواري سوءتها بالمبالغة في توظيف التقنية من أجل أن تشعر منسوبيها في الداخل والمجتمع المحيط بها في الخارج أنها تسير وفقا لرسالتها وبما يحقق رؤيتها. فأظنها تريد إخفاء ما يمكن إخفاؤه من تعليم هش، وأعضاء هيئة تدريس دخلوا الجامعات على حين غفلة من الزمن، وطلاب ضلوا طريقهم في الحياة ولم يعثروا على فرص لتحقيق أهدافهم فوجدوا الجامعة تفتح لهم ذراعيها فانضموا إليها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وأنا لا أقصد أن التعليم الإلكتروني غير مفيد ولكن الذي يدعو للعجب التوجه الكامل نحو التعليم الإلكتروني وإهمال شبه متعمد للتعليم التقليدي. فلو كان هناك اهتمام متساو لكل منهما لهان علينا الأمر، ولكن المبالغة في توظيف التقنية في التعليم الجامعي أمر يجعلنا نتوقف ونبحث عن الأسباب. فعند زيارتك لبعض الجامعات تلاحظ ضعفا شديدا في قدرات الأساتذة وشحا في الكفاءات العلمية المؤهلة بينما هناك تطور هائل في مجال التعليم الإلكتروني والحوسبة والبرامج الحاسوبية. وهذا التناقض يصيبك بالدهشة فترى برامج، وإدارات، وعمادات متكاملة للتعليم الإلكتروني، واستثمارا متقدما في البنية التحتية، وموارد تقنية، وأجهزة إلكترونية بينما هناك ضعف في جوهر عمل المؤسسات التعليمية من أعضاء هيئة التدريس ونقص في الأكفاء منهم ما تسبب في بعد عن منهجية الجامعات التي نعرفها حتى أنك تشعر بالغربة في محيطك، فالقيم الأكاديمية غائبة والقواسم المشتركة لم تعد همزة الوصل بين الأكاديميين.
نحن نعرف أن المحور الأساس والمحرك الجوهري للجامعات هو العنصر البشري خصوصا الأستاذ، أما بقية المكونات والتجهيزات فشكلية وهي بمنزلة إكسسوارات تزين بها برامج التعليم عندما يكتمل بناؤها، ويرى بريقها، وتظهر قوتها، ولو فرض وكان هناك نقص في الإكسسوارات من تعليم إلكتروني ونحوه فلا ضير، وإن حدث وتأخرت جامعة ما في هذا المجال فلا أظنه سيغير شيئا في جودة التعليم، فهذه الإكسسوارات هي خدمات داعمة ومساندة لجوهر العميلة التعليمية وليست بديلة له. أما إذا كان هناك ضعف ظاهر في أعضاء هيئة التدريس وانحراف واضح في البرامج فستصاب الجامعة بالشلل التام ولن تقوم لها بعد ذلك قائمة.
ونود أن نقول للجامعات التي تصر على هذا النهج وتسابق الخطى في التعليم الإلكتروني إن تطور التعليم لا يعني البتة تحويل التعليم من تقليدي إلى إلكتروني فهذا تحول في الآلية وليس في جوهر العملية التعليمية. فكل الذي يحدث في التعليم الإلكتروني أن الأستاذ بدلا من أن يلقي محاضرته في قاعة أمام الطلاب يلقيها عبر برامج إلكترونية ويبقى الأستاذ هو الأستاذ بكل ما يحمله من ضعف، وتسيب، ونقص علمي، وبحثي. ولو كانت هذه هي فلسفة تطور التعليم لرأينا أعرق الجامعات في العالم سبقتنا في هذا المضمار، فها هي جامعة ستانفورد ـــ التي يطلق عليها "هارفارد الغرب" ـــ ما زالت تستخدم السبورة الخضراء العتيقة والطباشيرة البيضاء القديمة، ولم يمنعها هذا من أن تبقى ضمن أقوى خمس جامعات في العالم لثلاثة عقود متتالية، احتفظت بهذا الشموخ لأنها تستثمر في الأستاذ، ثم الأستاذ، ثم الأستاذ، هذا الذي يعد عندنا في ذيل قائمة اهتماماتنا.
هل تعلم الجامعات التي تسير بغير هدى إلى المبالغة في التعليم الإلكتروني أن له أضرارا كبيرة على المديين القصير والطويل. التعليم الإلكتروني لا يناسب الطلاب خصوصا في المراحل الأولية من التعليم الجامعي حيث نرى الجامعات تقدم التعليم عبر الفصول الافتراضية للطلاب المستجدين القادمين من الثانويات. الطلاب المستجدون يحتاجون إلى من يقودهم في هذه البيئة (بيئة الجامعة) ويعرفهم بما فيها من فرص وما تواجههم من تحديات، وهذا لن يتحقق بالفصول الافتراضية. الذي يغرس مفاهيم وقيم وأعراف الجامعات هو حضور الطالب ومشاركته في قاعات الدرس وتفاعله مع السلوك التنظيمي بأكمله وحضور مناشط الجامعة الأخرى.
كما أن الزج بالطلاب في الفصول الافتراضية من بداية حياتهم الجامعية يؤدي إلى الانطوائية في التعليم لأنها تعزل الطالب في منزله بعيدا عن أقرانه، وهذا يفاقم من لديه رهبة من التجمعات ومقابلة الناس، فلم يحتك ببيئة الجامعة سوى بمشاركة خجولة مع أساتذته وزملائه عبر الفصول الافتراضية. كما أن التعليم الافتراضي يشوه شخصية الطالب ويحرمه تكوين صداقات مع رفقائه ومن هم في مثل عمره التي تكون فيما بعد ذكريات عذبة يستذكرها بعد تخرجه في الجامعة وبدء مشواره العملي، فيحن لتلك الأيام العذاب مع رفقاء الصبا ومرتع الشباب. كما أن التعليم الإلكتروني يضعف دافعية الطلاب نحو التعلم، بسبب قضاء كثير من الوقت أمام شاشة الحاسوب والمواقع الإلكترونيّة.
نرجو من جامعاتنا العودة إلى صوابها وأن تطور من ذاتها ومن أعمالها التشغيلية وألا تبتعد بمنسوبيها وبمجتمعها إلى عالم افتراضي يفقدها وظيفتها الأساسية من أجل أن تخفي إخفاقاتها الحقيقية.

إنشرها