الثقة بالنفس .. ومطرقة الجهل وسندان التسلط

|

يتذمر بعض أولياء الأمور من عدم ثقة أبنائهم بأنفسهم، مستشهدين على ذلك بقلة حديثهم أمام الآخرين، والتردد في إبداء رغبتهم في شيء من الأشياء، خاصة في حضور الآخرين، وعدم القدرة على التعبير عن الرأي في أمر من الأمور، ناهيك عن الدفاع عن أنفسهم. هذه الملاحظة ليست محصورة في فئة اجتماعية، أو منطقة، وليست محصورة في أبناء المدن، أو الريف إلا أنها ذات علاقة وثيقة بنوع التربية التي يتلقاها الفرد، والمواقف التي يتعرض لها، فهي التي تصقل شخصيته، وتؤصل الخصائص الإيجابية، والسلبية.
أكون مدعوا عند أحد المعارف أو الجيران، وأعرف أن لديه كثيرا من الأبناء، ومع ذلك لا تجدهم يحضرون مجلسه، ليسمعوا ما يتم تداوله، وليكتسبوا خصائص الرجولة، وأساليب الحديث في المجالس العامة، إضافة إلى افتقادهم فرصة التعبير عن الرأي في هذه المجالس، فهي بمنزلة فرص للتدريب على ذلك، واكتساب الجرأة، وعدم التردد، وقد يكون السبب في هذا الإحجام عن غشيان مجالس الكبار والاستفادة مما يطرح فيها ولي الأمر نفسه، الذي يمنع أبناءه الحضور، إما خوفا من العين، أو عدم إدراك لقيمة المجالس كونها مصدرا للمعرفة، ومحفلا تصقل فيه الشخصية.
بعض أولياء الأمور قد لا يمانع في حضور ابنه المجلس، لكنه لا يسمح له بالحديث، إما بحجة ترك المجال لمن يكبرونه سنا، أو خوفا من مقاطعتهم، أو لعدم وجاهة رأيه وفكرته كما يعتقد، بل إن البعض يوبخ ابنه أمام الآخرين ويخذله وينتقص منه حالما يسمعه يتكلم في حضور الآخرين، دونما وعي بالآثار السلبية المترتبة على هذه التصرفات.
ويدخل في المعوقات رغبة الأب أن يتحدث ابنه بطريقة أو أسلوب يروق له، وأن يحمل أفكاره التي يؤمن بها، وهو في هذا يخالف الطبيعة البشرية، بما فيها من فروق فردية في الرؤية والميول والتذوق، حتى أن البعض يريد ابنه نسخة منه وهذا أمر محال.
المدرسة بإمكانها أن تلعب دورا بارزا في كسر حاجز الخوف من الحديث أمام الآخرين، وما يصاحبه من قلق، وعدم ثقة بالنفس، وذلك باعتمادها آليات التشجيع على الحديث أمام الآخرين، والتعبير بحرية عن الفكرة، حتى ولو كانت خاطئة، وذلك بتدريب الأطفال منذ المرحلة الابتدائية على إبداء الرأي في قضايا ومشكلات البيئة، وطرق المحافظة عليها، أو التفكير في حلول المشكلات الاجتماعية كتدخين الصغار، والتفحيط، وأسباب الهروب من المدرسة، ونظافة الحي، وغيرها من القضايا المعيشة في الحياة اليومية.
آلية استخدام الجوائز والمكافآت المادية، والتحفيز المعنوي كإضافة درجة لمن يفكر في حل لمشكلة ما، أو توزيع طلاب الفصل إلى مجموعات صغيرة تسهل على المترددين في الحديث، وتشجعهم على اكتساب الثقة بالنفس تدريجيا، إضافة إلى الطلب من الطالب القيام ببعض المهام، أمام الطلاب كإلقاء قصيدة، أو قراءة من كتاب تمثل آليات مفيدة في مواجهة عدم الثقة بالنفس، أو الحديث في الطابور الصباحي، أو تكليفه برئاسة مجموعة للقيام بعمل مشترك.
آلية التدرج في تعديل السلوك مفيدة حين تستخدم بعناية من قبل الهيئة التعليمية، مع الحذر من عدم إشعار الفرد بأنه فاقد الثقة بذاته، لأن في هذا تعزيز سلبي يقوي لديه الشعور بفقدان الثقة بالنفس، حتى يتحول الأمر إلى حالة مزمنة من فقدان الشعور بالثقة.
تناولت هذا الموضوع بعد نقاشي مع أحد الطلاب الذي حكى لي معاناته مع والده الذي يمنعه من حضور مجلسه، منذ صغره حتى وهو في الجامعة، ولو قدر وحضر يشترط عليه لزوم الصمت، والجلوس مستمعا، ما أوصله إلى الشعور كما لو أنه قطعة أثاث، كما أن والده يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤونه الشخصية، حتى في ملابسه، ومن يكلم، ومن يخرج معه، ومن يجلس بجواره في قاعة الدراسة، حتى سلبه شخصيته بالكامل، ما حوله إلى فرد عاجز عن اتخاذ أي قرار، مهما كان بسيطا، لأنه يخشى نتائجه السلبية، ومن نظرة الآخرين المعيبة للتصرف، حتى لو كان التصرف سليما، لما يشعره في داخله نتيجة عدم الثقة.
ما سبق ذكره حالة حقيقية لطالب يدرس في الجامعة، يعيش صراعا نفسيا، عنيفا بين رغبات والده ذي الشخصية المتسلطة الجاهلة بقيمة، وأهمية إفساح المجال للابن أن يعيش، وينمو بصورة طبيعية، دون كوابح، ومعوقات لا أساس لها إطلاقا في مبادئ وأسس ونظريات التربية السليمة.

إنشرها