FINANCIAL TIMES

عراك فرنسي إنجليزي على أعمال المقاصة في لندن

أعمال المقاصة لمشتقات أسعار الفائدة ليست براقة ولا تملك الكثير من الصدى خارج الحي المالي في لندن، لكن السيطرة على هذه الصناعة المهمة أصبحت متاحة للاعبين جدد بفضل "خروج بريطانيا".
المعركة حول ما إذا كانت لندن ستبقى القلب العالمي للصناعة التي يبلغ حجمها 482 تريليون دولار بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تتمحور حول ثلاث شخصيات رئيسة. إكزافييه روليه، الرئيس التنفيذي الفرنسي لمجموعة بورصة لندن، هو المدافع القوي عن مكانة الحي المالي في لندن ضد كارستين كينجيتر، الرئيس الإنجليزي للبورصة الألمانية، الذي يحاول انتزاع بعض أعمال المقاصة ووضعها في أوروبا.
من يُراقب هذا العراك ويحاول تأكيد المصالح الأمريكية هو كريستوفر جيانكارلو، الرئيس الجديد للجنة تداول العقود الآجلة للسلع، التي هي هيئة تنظيم المشتقات الأمريكية.
الأمور التي على المحك كبيرة ولا يوجد لاعب يستطيع تحمّل إفساد فرصة نجاحه بأن يبالغ في تفاؤله. بعد الأزمة المالية، حدد المنظمون المقاصة بأنها الحل لتخفيف المخاطر المرتبطة بتداول المشتقات. هذا في النهاية دفع بأعمال كانت تعتبر غامضة، إلى الخط الأمامي لحماية النظام المالي.
تعمل المقاصة بشكل فعال عند تجميع كميات كبيرة من الصفقات، بما فيها من خسائر ومكاسب، في عموم السوق للأسهم، وكذلك عقود المقايضة والريبو التي تُلغي بعضها بعضا. في الأوقات التي تتعرض فيها السوق إلى ضغوط، المقاصة المستقرة تعني أن خطر العدوى الذي يُثير أزمة من النوع الذي شهدناه بعد انهيار ليمان براذرز في عام 2008 يُمكن احتواؤه.
الخطر من طلاق غير ودِّي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي هو أن المقاصة ستتفكك بين لندن، أوروبا، ونيويورك. هذا لن يُقلل فقط من فعاليتها في تخفيف مخاطر التداول، بل يُمكن أيضاً أن يؤدي إلى كسر الوئام الذي تحقق بشق الأنفس بين الهيئات التنظيمية.
يقول سكوت هيل، كبير الإداريين الماليين في بورصة إنتركونتيننتال، مُشغلة الأسواق الأمريكية التي تبلغ قيمتها 40 مليار دولار: "هذا ليس مجرد مسألة تخص المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. منع هذه السوق من التفكك أمر مهم بالنسبة لنا جميعا".
وفي حين تراجعت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، عن المطالبة بنقل مقاصة مشتقات اليورو، إلا أنها أبقت الخطر محصورا. مثل هذه الخطوة من شأنها إلحاق الضرر بمقاصة لندن، المملوكة في غالبيتها لبورصة لندن. باعتبارها المقاصة البارزة في العالم، تولت هذا العام تخليص قيمة اسمية للمشتقات المهيمنة باليورو بلغت 174 تريليون يورو، أي نحو 75 في المائة من تلك السوق.
إمكانية النقل القسري تثير قلق المصارف التي تتداول بالمشتقات، لأنها تُفضل أن تتركز المقاصة في عدد قليل من المواقع. في الوقت الحالي، اقترح البنك المركزي الأوروبي صلاحيات من أجل مزيد من الإشراف المباشر على بيوت المقاصة الخارجية.
ولأن مقاصة لندن تُسيطر عليها بورصة لندن، هذا جعل روليه (الفرنسي) هو المدافع الأكثر صخبا من أجل أن تحتفظ لندن بصناعة تهيمن عليها منذ 20 عاما. روليه الذي سيتنحى من منصبه العام المقبل، يحمل لقب "سير" فخري ولديه علاقات قوية في العاصمة البريطانية ـ في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، تحدث فيليب هاموند، وزير المالية البريطاني، تحدث في مأدبة غذاء سنوية لبورصة لندن.
روليه (57 عاما) يُريد صفقة انتقالية اعتبارا من آذار (مارس) 2019 تتم الموافقة عليها بحلول عيد الميلاد، لتفادي المخاوف. لكن محادثات خروج بريطانيا المملة والبطيئة تُثير القلق. قال روليه في مؤتمر الأسبوع الماضي: "أتمنى أن يكون في المملكة المتحدة شعور أكبر بضرورة بذل الجهود اللازمة لإنجاح التعاون العالمي، والتدفقات العالمية. هذا أيضا كان مفيدا للمملكة المتحدة منذ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي".
في الوقت الذي تُسفر فيه المفاوضات السياسية المعقدة عن تقدم محدود، كينجيتر، الذي درس في لندن ويعيش فيها، يضغط من أجل الحصول على أعمال مشتقات أسعار الفائدة لليورو. مقاصة يوريكس كليرينج القائمة في فرانكفورت، التابعة للبورصة الألمانية، هي المقاصة الوحيدة في منطقة اليورو المرخصة لتسيير معاملاتها.
باعتباره متداول مقايضات سابق ومصرفي بارز في "يو بي إس"، فهو واحد من عدد قليل من كبار التنفيذيين الذي كان مختصا في أكثر الأعمال الأكثر صعوبة وخطورة في الصناعة، وعلى اتصال جيد مع المصارف.
مقاصة يوريكس تُريد مشاركة الأرباح التي تجنيها من التخليص مع مستخدميها الرئيسين. ثلاثة من أكبر اللاعبين في السوق - الثلاثي الأمريكي "سيتي"، و"جيه بي مورجان"، و"مورجان ستانلي" - هم من بين خمسة مصارف مهتمة. يقول رئيس أعمال المقاصة خارج البورصات الرسمية في أحد المصارف، الذي يفكر في المشاركة: "الأمر يتعلق بعدم وضع كل مواردنا في مكان واحد".
مع ذلك، كينجيتر - الذي كان في بداية العام يحاول هندسة عملية دمج بقيمة 29 مليار يورو مع بورصة لندن - يواجه مشاكل خاصة به. الهيئات التنظيمية الألمانية تُحقق فيما إذا كان كينجيتر قد اشترى أسهما في البورصة الألمانية، في الوقت الذي كان يُجري فيه محادثات مكثفة مع روليه بشأن عملية الدمج. محكمة في فرانكفورت رفضت في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي الموافقة على تسوية بين كينجيتر ومُدّعين عامين الجنائيين حول ادعاءات بالتداول استنادا إلى معلومات داخلية.
في الوقت الذي يتنافس فيه روليه وكينجيتر، هناك قوة ثالثة تمارس النفوذ: جيانكارلو، الذي تم تعيينه رئيسا للجنة تداول العقود الآجلة للسلع من قِبل إدارة ترمب في آب (أغسطس).
جيانكارلو، الضليع في سوق المقايضات ـ عمل في شركة وساطة قبل الانضمام إلى الحكومة في عام 2014 ـ وضع خطوطا حمراء على اقتراحات الاتحاد الأوروبي التي تقول إما فرض النقل، وإما المطالبة بإشراف مباشر على مقاصة اليورو. الرجل البالغ من العمر 58 عاما كان الأسبوع الماضي يشعر بالاستياء الشديد بشأن المعركة حول المقاصة التي أطلقها "خروج بريطانيا". قال أمام لجنة الزراعة في مجلس النواب الأمريكي: "أشعر كما لو أن الولايات المتحدة تُعامل كأنها طفل زوجين مطلقين".
وبحسب جيانكارلو، اقتراحات الاتحاد الأوروبي تعني أنه يمكن تطبيق قانون الاتحاد وإشراف البنك المركزي الأوروبي على بيوت المقاصة الأمريكية، لأن أعمال المقاصة الخاصة بالمشتقات المقومة باليورو تتم أيضا في الولايات المتحدة.
يقول: "هذا أمر لم يسبق له مثيل. الاحتياطي الفيدرالي ليس له دور في بيوت المقاصة في مناطق الأوفشور. حين تعمل على تحويل الأنظمة البيئية إلى أجزاء غير مترابطة، فإنك تضعفها وتسبب لها الأذى".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES