FINANCIAL TIMES

قلاع الرمل على شاطئ جيرزي تتحدى مخاطر الأعاصير والفيضانات

تمشي باربارا مونتون حافية القدمين عبر منزل بني على شاطئ نيو جيرزي، تاركة وراءها حذاء الكعب العالي في الخارج لتتجنب خدش الأرضيات الخشبية. للمنزل سقف هرمي، وحمام سباحة على شكل كِلية الإنسان، وموقد غاز ماركة ثيرمادور لديه ست عيون. لكن هناك أمرا واحدا فقط يفسر السبب في أنه مدرج للبيع بمبلغ 2.2 مليون دولار: الحديقة الخلفية تقع على خليج بارنيجات. تقول وكيلة العقارات، وهي تحدق عبر النافذة: "هذا ما ترغب في رؤيته. المياه".
قبل خمس سنوات كانت المياه هي آخر ما يرغب الناس في رؤيته. تندفع العاصفة على مسافة عدة أقدام منطلقة عبر منطقة لافاليت، مدمرة المنزل الذي كان موجودا في تلك البقعة. كان ذلك بسبب الإعصار ساندي، "العاصفة الهوجاء" التي ضربت مسافة تمتد ألف ميل وألقت بكميات كبيرة من المياه في المنطقة في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2012.
كشف الإعصار ساندي الأخطار الناجمة عن العيش في منطقة الساحل، في الوقت الذي ترتفع فيه حرارة المناخ ومستويات البحر بشكل أكبر. في الولايات المتحدة وحدها تسبب الإعصار في مقتل 162 شخصا، وتدمير 650 ألف منزل، محدثا خسائر بلغت تكلفتها 65 مليار دولار – ثاني أكبر كارثة مكلفة ناتجة عن الطقس في التاريخ.
الضربات المتلاحقة هذا العام من أعاصير المحيط الأطلسي التي حطمت الرقم القياسي، عملت مرة أخرى على تذكير الشعب الأمريكي بوجود 6.9 مليون منزل معرضة لخطر الدمار بسبب العواصف الساحلية، وما يترتب عليه من تكلفة يتكبدها دافعو الضرائب الفيدرالية. بعد الموافقة على دفع 50 مليار دولار مساعدات في أعقاب الإعصار ساندي، أقر المشرعون مشاريع قوانين لإنفاق عشرات المليارات من الدولارات لمساعدة ضحايا "هارفي" و"إيرما" و"ماريا". في الأسبوع الماضي تلقى البرنامج الوطني للتأمين ضد الفيضانات - المدين بمبلغ 30 مليار دولار بسبب ساندي والكوارث السابقة – مبلغ 16 مليار دولار في عملية إنقاذ فيدرالية لتسديد المطالبات التي أوجدتها العواصف السابقة.
ربما يكون التراجع هو أفضل الحلول من الناحية الاقتصادية، لكنه يعتبر استسلاما من وجهة نظر مالكي العقارات والمسؤولين الحكوميين المستثمرين، ماليا وعاطفيا، في نمط الحياة الساحلية. وبحسب البرنامج الوطني لاقتصاد المحيط، نحو واحدة من كل ثلاث وحدات سكنية مضافة في الولايات المتحدة خلال هذا القرن كانت في مقاطعات متاخمة لساحل البحر في ولايات مثل تكساس وفلوريدا ونورث كارولاينا. ومن خلال مضاعفة عدد المساكن على السواحل، يتعرض السكان لخطر زيادة أثر العواصف التي من المتوقع أن تزداد قوة في السنوات المقبلة.
على جزر الحاجز الهش في ولاية نيو جيرزي، لم تكن الاستجابة لإعصار ساندي تتمثل في الانسحاب إلى المناطق الداخلية، بل زيادة مساحة المساكن التي يتم بناؤها. يقول وولتر لاسيسيرو، عمدة لافاليت: "لم يعيدوا بناء البيوت ذات الطابق الواحد. بل دمروها وأزالوها وبنوا قصورا فخمة".
بعد أن قتل العشرات في منطقة البحر الكاريبي، عرج ساندي على منطقة الساحل الشرقي الأمريكي، ووصل في النهاية إلى بريجانتين في نيوجيرزي. الآثار لا تزال باقية في مدن مثل نيويورك التي تآكلت أنفاق القطارات فيها بالمحلول الملحي. في شاطئ جيرزي، وهو مكان اصطياف مشهور، التقى المحيط بالخليج على الجانب الآخر من الجزر التي تشكل الحاجز ودمر المنازل وكأنها سيارات تعرضت لحادث مروري.
بصورة غير محتملة، أوجدت الكارثة فرصة شراء تأتي مرة واحدة في العمر. تمكنت الأسر الأكبر سنا، التي كانت غير قادرة على دفع تكلفة الإصلاحات، من بيع ممتلكاتها العقارية. تقول مونتون: "يأتي وول ستريت مع المكافآت. يترك الناس هامبتون للعيش في شاطئ جيرزي".
في منطقة أورتلي المجاورة عمل المحيط على تسوية مجموعة من المنازل المحاذية للشاطئ. الآن يعكف مسؤولو البناء على إدخال المصاعد وأحواض الماء الساخن إلى أسطح المنازل عند بناء منازل مكونة من ثلاثة أو أربعة طوابق. يقول بيري بينيديوس، زميل مونتون: "أصبح وجود المصعد عنصرا أساسيا الآن. فهو كالهاتف".
تراجعت أسعار المنازل في المناطق الأكثر عرضة للأضرار بعد إعصار ساندي. في لافاليت كان متوسط سعر المنزل 532500 دولار في تشرين الأول (أكتوبر) 2012، لكنه تراجع أكثر من النصف إلى 225 ألف دولار بحلول شباط (فبراير) 2013، وفقا لشركة سمسرة العقارات "نيو جيرزي ريالترز". في صيف هذا العام وصل متوسط الأسعار إلى 660 ألف دولار وكانت أعلى في منطقة الشاطئ.
هذا الانتعاش المذهل كان مضمونا من قبل دافعي الضرائب الفيدرالية. في استعراض مفيد للتعاون الحزبي المشترك، مشى كل من الرئيس باراك أوباما وكريس كريستي حاكم ولاية نيو جيرزي، عبر المناطق التي تعرضت للإعصار في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، ما ساعد على ضمان إعادة انتخاب أوباما وحزمة المساعدات السخية لنيوجيرزي وغيرها من الولايات التي تقع في منطقة الشمال الشرقي.
دفعت وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية "فيما" أكثر من 25 مليار دولار في نيوجيرزي ونيويورك وحدهما، بحيث سددت للبلدات تكلفة إزالة الأنقاض، وإصلاح الطرق والجسور، واستئجار معدات الإنقاذ. وتلاشت الثغرات في الإيرادات الضريبية المحلية عندما تم ملء قيم العقارات التي جرى تقييمها وتعرضت للانهيار بالأموال الفيدرالية. منحت الوكالة 1.4 مليار دولار إلى 179 ألف شخص وأسرة في المنطقة لتغطية تكاليف البحث عن مأوى لهم وإعادة إعمار بيوتهم.
وتدير "فيما" أيضا برنامجا فيدراليا للتأمين يغطي حاملي بوالص التأمين في المناطق المعرضة للفيضانات. البرنامج المثقل فعليا بديون لوزارة الخزانة جراء تعرض المنطقة لإعصار ساندي، اقترض 6.25 مليار دولار أخرى لأن البوالص عجزت عن تسديد خسائر التأمين التي تعرض لها الأشخاص بواقع 8.6 مليار دولار. وحصلت مئات العقارات الموجودة على شاطئ نيو جيرزي على دفعات متسلسلة بسبب الفيضانات، وفقا لتحليل لبيانات وكالة "فيما" أجراه مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، وهي جماعة مختصة بالبيئة. في لافاليت، تم تقديم المطالبات 159 مرة من قبل 37 عقارا ما بين عامي 1978 و2015، حيث قدم برنامج الفيضانات منحا بلغت 5.2 مليون دولار.
ووافق المشرعون أيضا على دفع خمسة مليارات دولار لمشاريع مهندسي الجيش الأمريكي، مثل "تغذية الشواطئ"، أو ضخ الرمال من قاع المحيط من أجل بناء كثبان رملية صناعية وتوسيع نطاق الشواطئ. هذا الشهر بدأت سفينة جرافة وقوارب قاطرة في وضع الرمال في مانتولوكينج، في ولاية نيو جيرزي، وهي بلدة تضررت مؤقتا بسبب إعصار ساندي عندما اندفعت مياه المحيط الأطلسي واختلطت بمياه خليج بارنيجات.
ويرى النقاد أن السياسة الفيدرالية تكافئ المسؤولين المحليين على تنمية المناطق الساحلية المعرضة للمخاطر. يقول روب مور، كبير محللي السياسات في "مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية": "إن أخبرك شخص ما أنك ستحصل على شاطئ جديد في كل مرة يأتي فيها المحيط ويدمر الشاطئ، ربما ستشعر بأمان أكبر عند السماح بإعادة بناء المنازل ذات السعر المرتفع في ذلك المكان".
هناك شروط ترافق عملية تقديم المساعدات: يجب على جميع المنازل الجديدة والتي يعاد بناؤها أن تكون مبنية في أماكن ترتفع ما لا يقل عن قدم واحدة عن المنطقة المقدر تعرضها للفيضان مرة واحدة كل 100 عام. والمنزل الذي تبلغ تكلفة بنائه 2.2 مليون دولار وتسوق لهة مونتون يتوافق مع تلك الشروط.
مع ذلك، تواجه جزر الحاجز في الولاية - أشرطة طويلة تكون بمثابة حواجز - مستقبلا غامضا. فغالبا ما تكون شوارعها أعلى بمقدار قدمين، أو ثلاثة أقدام فقط عن مستوى سطح البحر الآخذ في الارتفاع بسبب المحيطات الدافئة وذوبان الجليد القطبي.

فيضان مياه الصرف
على شاطئ جيرزي كان المعدل أسرع من المتوسط العالمي لأن اليابسة آخذة في الانحسار. وأصبحت "الفيضانات المزعجة"، الناتجة عن تدفق مياه المد البحري إلى الشوارع عبر شبكة الصرف الصحي، تتكرر بوتيرة متزايدة. ووفقا لتقرير صادر عن الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، زادت هذه الظاهرة ثمانية أضعاف في أتلانتيك سيتي، بحيث وصلت إلى 25 يوما في العام الواحد خلال الفترة بين عامي 1963 و2013.
بوب كوب، مدير معهد علوم الأرض والمحيطات والغلاف الجوي في جامعة رتجرز، يقول إن هناك المزيد من الفيضانات في الطريق: "هناك ارتفاع في مستوى سطح البحر على نطاق يراوح بين قدم واحدة إلى قدمين سيحصل خلال النصف الأول من القرن، وستكون هناك بعض المجتمعات الشاطئية التي ستشهد تغييرات كبيرة إثر ذلك". وتتباين التوقعات المتعلقة بالارتفاع في منسوب مياه البحر عام 2100، اعتمادا على القدرة على كبح جماح انبعاثات غازات الدفيئة، لكنها تراوح بين قدمين إلى عشرة أقدام، كما يقول. عند حدوث ارتفاع بمقدار قدمين، من الممكن أن تنغمر بعض التجمعات الموجودة في خليج بارنيجات بسبب المد العالي. وفي حال حدوث ارتفاع مقداره أربعة أقدام، سينغمر النصف الغربي من جزر الحاجز تحت الماء.
قد تحصل التغييرات قبل وقت طويل من عام 2100. وتشير بعض النماذج إلى أن الأمر يحتاج إلى التعرض لعواصف أقل حدة من الإعصار ساندي للتسبب في كل تلك الأضرار. البحوث التي نشرت الأسبوع الماضي من قبل البروفيسور كوب وغيره من الباحثين في مجلة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" توقعت أن تشهد مدينة نيويورك - شمال شاطئ جيرزي مباشرة - فيضانات أعلى من مستوى البحر بمقدار سبعة أقدام كل خمس سنوات في وقت مبكر ربما يبدأ عام 2030.
ووفقا لورقة بحثية نشرت في عام 2013 في "نشرة جمعية الرصد الجوي الأمريكية": "تواجه المجتمعات الساحلية أزمة تلوح في الأفق (نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر)، وهي أزمة ستتجلى في الزيادة المتواترة لكوارث مثل إعصار ساندي في العقود المقبلة على طول منتصف المحيط الأطلسي وفي أماكن أخرى".
ويستند احتمال حدوث فيضانات أعلى مستوى وأكثر تواترا إلى التغيرات المناخية التي يشهدها الكوكب، في الوقت الذي تعمل فيه إدارة ترمب على التخلي عن الالتزامات الأمريكية لكبح جماح انبعاثات الكربون، بما في ذلك الانسحاب من اتفاق باريس والتخلي عن مبادرة لاحتساب مخاطر المناخ ضمن الإنفاق على البنية الأساسية. بعد أن تعرضت فلوريدا للدمار بسبب إعصار إيرما الذي ضربها في أيلول (سبتمبر) الماضي، قال سكوت برويت، مدير وكالة حماية البيئة: "لم يحن الوقت المناسب" لمناقشة أسباب وآثار العاصفة.
كان المبدأ الأساسي في جهود إعادة البناء والإعمار هو "الصمود" وليس التراجع. لكن ربما لا تكون الجهود كافية. رفع مستوى المنازل لتكون أعلى من خطوط الفيضانات هو "أمر جيد"، بحسب البروفسور كوب، لكن المنازل ليست جزرا: "فمنزلك يعتمد على البنية التحتية. وقد ينتهي بك الحال في وضع لا يكون فيه منزلك قد غمرته المياه، لكنك ستفقد الكهرباء ووسائل النقل".
ويغلب على إعانات الكوارث الفيدرالية أن يتم صرفها جزافا. أصدر مكتب المساءلة الحكومية، مراجع الحسابات التابع للكونجرس، تقريرا يفيد بأن المسؤولين في ولاية واحدة حصلوا على مساعدات فيدرالية عقب إعصار ساندي للسيطرة على الفيضانات في مجمع أعمال تجارية تابع لبلدة صغيرة، استخدموا تلك المساعدات لرفع مستوى العقارات الموجودة على شاطئ البحر، لأن "الاعتبارات السياسية تفوقت على خبراتهم وحكمهم المهني".
ووفقا لتقرير صادر عن مجلس البحوث الوطني، وهو هيئة من الخبراء، عادة ما كانت مخططات المشاريع الرخيصة نسبيا، مثل شراء الأراضي وتخطيط المناطق الأكثر عرضة للمخاطر، تحصل على نحو 5 في المائة من أموال الإغاثة الخاصة بالكوارث. وتدفع واشنطن أيضا فاتورة أكبر بسبب الكوارث التي تضرب المناطق الساحلية: غطت 75 في المائة من الدمار الذي تسبب فيه الإعصار ساندي، مقارنة بـ 6 في المائة للإعصار ديان في عام 1955.
وبحسب دراسة المجلس: "يجني المطورون وشركات البناء ومسؤولو الولاية والحكومات المحلية مكافآت التطوير في المناطق الساحلية، لكنهم لا يتحملون مخاطر مماثلة، لأن الحكومة الفيدرالية تتحمل حصة متزايدة من تكاليف الكوارث الساحلية".
وتسبب إنعاش الشواطئ في اجتذاب انتقادات تقول إنها معركة مستحيلة. المشروع الذي بدأ العمل فيه في مانتولوكينج يغطي مساحة تمتد 14 ميلا تشتمل على 11 مليون ياردة مكعبة من الرمال بتكلفة لا تقل عن 92 مليون دولار. وجاء في تقييم بيئي للمشروع أن التعرية المستمرة ـ اكتمال المشروع ـ سوف تؤدي إلى إغراق مساحة أكبر تبلغ 1.4 مليون ياردة مكعبة من الرمال كل أربع سنوات.

تجاهل التغير المناخي
روبرت يانج، وهو مدير برنامج يستهدف دراسة الشواطئ المتقدمة في جامعة كارولينا الغربية، يعتبر محاولة تجميد الشواطئ في مكانها أمر خيالي. يقول: "العواصف الساحلية لا تدمر الشواطئ، بل تنقلها".
ويرى مسؤولون محليون أن الأمر يستحق الإنفاق. حتى أن بعضهم ينظر إلى الحديث عن التغير المناخي بنوع من الاستهانة. يقول توماس كيلاهير، عمدة تومز ريفر، في ولاية نيو جيرزي، التي تضم شاطئ أورتلي، إن بلدته حصلت على 33 مليون دولار من المنح الفيدرالية لسد فجوات أحدثها الإعصار ساندي في قاعدتها الضريبية.
يقول كيلاهير، المدعي العام ذي الصوت الجهوري وضابط مشاة البحرية سابقا، إن الطلب من الناس التخلي عن منازلهم الموجودة على الشاطئ أمر ليس معقولا من الناحية العملية. ويضيف: "إن ذهبت إلى شاطئ أورتلي ومعي مكبر صوت راكبا سيارة وقلت للناس: يجب على الجميع مغادرة المكان، فلن أبقى على قيد الحياة بحلول الوقت الذي أصل فيه إلى نهاية الشارع. بعد مرور 50 عاما، إن كان صحيحا ما يقال عن ارتفاع منسوب المياه في البحار وحول كل شيء، سيتعين عليهم التعامل معها في ذلك الحين".
يقول لا سيسيرو، الذي مكث في منزله خلال إعصار ساندي في الوقت الذي وصلت فيه المياه إلى باب بيته، إن الارتفاع في منسوب مياه البحر ليس موضوعا يرغب معظم القاطنين هناك في مناقشته، مضيفا أن كثيرين "لا يؤمنون بدور الإنسان في مسألة الاحتباس الحراري".
"الناس يحبون الساحل. فلا يمكننا جميعا العيش في مناطق جبلية. وهم يشهدون انهيارات أرضية وحرائق. في وسط البلد، هناك أعاصير. وتتعرض جميع الأنهار للفيضانات. الجميع يتعرض للخطر بغض النظر عن مكان السكن. هذا مكان رائع. لم لا نبقى هنا ونتحمل المخاطر؟".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES