FINANCIAL TIMES

عمالقة التكنولوجيا تحت منظار الكونجرس

إن كان هناك في أي وقت مضى جزء من التشريعات الجزافية التي يجب إقرارها من قبل الكونجرس، فإنه سيكون قانون "الإعلانات الصادقة" الذي اقترحه الأسبوع الماضي أعضاء مجلس الشيوخ، إيمي كلوبوتشار، ومارك وارنر، وجون ماكين. هذه المجموعة من الحزبين تطلب بأن تخضع الإعلانات السياسية التي تنشر عبر الإنترنت لقواعد الإفصاح نفسها التي تخضع لها الإعلانات المنشورة عبر التلفاز والإذاعة والصحف. الفكرة وراء ذلك هي التأكد من أن الدول الأجنبية، مثل روسيا، لا يمكنها استخدام منصات مثل فيسبوك أو جوجل أو تويتر للتأثير في الناخبين الأمريكيين، مثلما فعلت في 2016.
هذا التشريع مهم وضروري لثلاثة أسباب. أولا، من شأنه أن يعمل على تسوية ساحة اللعب بين شركات المنصات وبقية صناعة الإعلام. هذا الأمر طال انتظاره. "جوجل" و"فيسبوك" تحصلان، معا، على نحو 85 في المائة من جميع إيرادات الإعلانات الرقمية الجديدة. لسنوات، كانتا تتقدمان بأعذار سخيفة حول السبب في عدم إخضاعهما للقواعد نفسها التي تخضع لها الشركات الأخرى (الإعلانات عبر الإنترنت صغيرة جدا بحيث لا يمكن أن تشتمل على بيانات تحذير المشتري، ومن الصعب جدا تحديد ما إذا كانت الإعلانات تجارية أم سياسية، وهكذا).
هذا المنطق عار عن الصحة. كانت الشركات المذكورة من الناحية التقليدية لا تجد حرجا في استخدام شروط غامضة تماما فيما يتعلق بسياسات الخصوصية، لذلك ينبغي ألا يكون هناك إشكال لفعل الشيء نفسه مع التحذيرات بشأن البيانات السياسية. وإذا كان من الصعب جدا تحديد ما هو سياسي، عليك أن تتوخى أقصى الحذر وتعلن عن كل شيء.
بالطبع، هذه الشركات لا تريد فعل ذلك، لأن التعتيم جزء مهم يدفع العاملون في القطاع السياسي المال لأجله. وهذا هو السبب الثاني الذي يستدعي إقرار هذا التشريع – لأنه يحقق جزءا لا بأس به من حيث تنظيف غسل الأموال المعتمة والتأثير في السياسة.
يجري استهداف الإعلانات الإلكترونية بشكل فائق. هذا يجعلنا نرى الأشياء التي تستهدفنا نحن فقط. بدلا من الرسائل الواضحة والواسعة النطاق التي تعرض في مكان يستطيع الجميع رؤيتها، يمكن للإعلان عبر الإنترنت أن يدغدغ أعمق مخاوف الأفراد، ما يسمح لهم بالتعرض للاستغلال من خلال رسائل مخادعة ومضللة يمكن إعلانها بكل سهولة ومن ثم فضحها إن كانت، لنقل، يجري عرضها عبر شاشة تلفاز وطني أو في إعلان مطبوع في صحيفة رئيسية.
في الواقع، كما قال لي أحد المطلعين في الحقل السياسي، ليس فقط أن الروس فعلوا ذلك، لكن رجال السياسة أنفسهم في بلدنا هم الذين يرغبون في إبقاء إعلاناتهم في الظلام. لنأخذ، مثلا، منشورات حملة ترمب المعادية للأجانب التي نشرت قبل الانتخابات عبر فيسبوك. الرئيس الأمريكي ربما يكون هو الوحيد الذي لا يمانع في أن يستخدم علنا الرسائل التي تحمل معنيين. لكن هذا يمكن إلى حد كبير أن يردع الآخرين عن اتخاذ الطرق الملتوية إن كان بالإمكان فضح الأسماء والكشف علنا.
أما السبب الثالث الذي يستدعي الموافقة على قانون "الإعلانات الصادقة" هو أن ذلك من شأنه أن يكون خطوة نحو إعادة تأطير الحوار التنظيمي حول شركات التكنولوجيا الكبرى. غالبا ما ترغب الشركات والصناعات الكبيرة والقوية التي تتمتع بقدرات احتكارية على التربح من خلال تصور نفسها "متميزة أو مختلفة"، وبالتالي بحاجة إلى مجموعة منفصلة من القواعد.
بعد مضي وقت يجري تطبيع مثل هذه الفكرة التي تقول إنها تستدعي أن يكون لها ميدان منفصل خاص بها. كذلك يستخدم المحتكرون التعقيد لتمويه النقاش الواضح حول ما يفعلونه في الواقع، وأي المصالح التي يخدمها ذلك. لا يمكنني إخباركم عن عدد المناقشات التي أجريتها مع الممولين الذين يتحدثون بسرعة - وفي الآونة الأخيرة، خبراء التكنولوجيا - الذين يحاولون تقديم أكبر قدر ممكن من المصطلحات بأسرع وقت ممكن لمعرفة ما يعلق منها.
مع ذلك، غالبا ما تكون أفضل الأسئلة هي الأبسط. في حالة القطاع المالي، كان السؤال، ولا يزال: "ما الذي تفعله الصناعة ويعتبر جيدا لمصلحة الاقتصاد الحقيقي، مقابل ما هو جيد فقط للصناعة المالية؟". نحن في انتظار الحصول على إجابة واضحة لهذا السؤال. في حالة شركات التكنولوجيا الكبرى، ربما نبدأ في التساؤل التالي: "هل تعملون وفق المبادئ نفسها التي يعمل وفقها الآخرون، وإن لم يكن الأمر كذلك، فما السبب؟".
إجابة السؤال الأول هي لا بكل وضوح. أتمنى أن يتم إقرار قانون "الإعلانات الصادقة"، وأن يتحرك المشرعون نحو تفحص المادة 230 من قانون آداب الاتصال لعام 1996، الذي ينص على أن المنصات ليست مسؤولة عما ينشره مستخدموها.
إنها عبارة تتيح الإفلات من العقاب وعملت على حماية الصناعة من كل أنواع القضايا القانونية التي تتعامل معها معظم الشركات بشكل يومي، وهي غير عادلة وقديمة بقدر ما هي الثغرات المحيطة بالإعلانات السياسية التي تنشر عبر الإنترنت.
وينبغي للمنظمين أيضا النظر بدقة أكبر إلى ما إذا كانت ممارسات الاندماج والاستحواذ التي تقوم بها شركات التكنولوجيا العملاقة معادية للتنافسية أم لا. لنأخذ شراء فيسبوك أخيرا لـ "تي بي إتش"، تطبيق استطلاعات الرأي الذي يستهدف المراهقين، والذي من خلاله نشر خمسة ملايين مستخدم مليار سؤال منذ إطلاقه قبل ثلاثة أشهر.
أرجو أن يبدأ المشرعون بتثقيف أنفسهم بشكل أكثر تفصيلا حول الاقتصاد الرقمي للقرن الـ 21. هناك عدد من السياسيين الذين فعلوا ذلك، لكنه قليل.
في الفترة الأخيرة سألت شخصا رفيع المستوى يعمل في تطوير البرامج لدى إحدى شركات التكنولوجيا الكبرى، وهو يزور واشنطن باستمرار، أن يعطيني صورة عن مستوى الفهم للتكنولوجيا ليس فقط بين أعضاء الكونجرس، وإنما أيضا بين الموظفين والمساعدين العاملين في المبنى، الذين يقدمون الملاحظات والملخصات للنواب. على مقياس من صفر إلى عشرة، كان جوابه: "سالب عشرة".
هذا أمر رائع بالنسبة لشركته. لكنه أمر خطير بالنسبة للبقية منا، لأن فهم شركات التكنولوجيا الكبرى هو الآن أمر في غاية الأهمية ليس للسياسة فحسب، وإنما للاقتصاد الأرحب أيضا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES