FINANCIAL TIMES

«قوة ناعمة» صينية لكسب القلوب والعقول داخليا وخارجيا

على خريطة بكين عبر تطبيق "خرائط جوجل"، يظهر حي خال، يشتمل على مجموعة من البنايات مقابل مبنى قيادة الحزب الشيوعي، ولا توجد أسماء سوى على عدد قليل من هذه المباني. على مستوى الشارع، يجري التأكيد على مبدأ الغموض. يقف الحراس الذين يرتدون الزي العسكري إلى جانب المداخل الكبرى يفتشون سيارات المسؤولين الرسمية، الداخلة والخارجة، لكن ليست هناك إشارات محددة، المعلومة الوحيدة التي يراها الناس هي المكتوبة على لوحات نحاسية تحمل اسم الشارع وأرقام المباني.
أكبر تلك المجمعات التي لا اسم لها هو المبنى رقم 135 على شارع فيويو، مكاتب دائرة عمل الجبهة المتحدة للحزب الشيوعي الصيني، المعروفة بالاسم المختصر "الجبهة المتحدة". هذا هو المقر الرئيسي لجهود الصين وسعيها من أجل أن تصبح "قوة ناعمة" عالمية، وهي متعددة الأوجه، لكنها سرية إلى حد كبير. وقد عمل تشي جينبينج، رئيس الصين الذي تم تجديد ولايته يوم الأربعاء الماضي حتى عام 2022 على الأقل، على رفع مستواها لتصبح واحدة من أبرز الأهداف لإدارته.
المبنى الممتد على مساحة 200 متر تقريبا على مستوى الشارع، يعد دلالة على حجم الطموح لدى الصين، ذلك أن كسب "العقول والقلوب" داخل الوطن وخارجه من خلال عمل الجبهة المتحدة هو أمر مهم وحاسم لتحقيق "النهوض العظيم للشعب الصيني"، كما قال تشي. مع ذلك، غالبا نوع السلطة التي تجري ممارستها من قبل الكوادر التي تعمل خلف الواجهة التقليدية للمبنى رقم 135 في شارع فيويو، هي أي شيء بخلاف أن تكون سلطة ناعمة.
تحقيق أجرته "فاينانشيال تايمز" حول الأعمال داخل "الجبهة المتحدة" في عدد من البلدان يُظهر وجود حركة موجهة من قبل المستويات العليا في السلطة الصينية بهدف سحر، أو استمالة، أو مهاجمة أفراد ومجموعات محددة تحديدا جيدا. أهدافها العامة تتضمن كسب التأييد بشأن جدول الأعمال السياسي في الصين، وتجميع النفوذ في الخارج، وكذلك تجميع المعلومات المهمة.
رفضت الجبهة المتحدة طلبات بإجراء مقابلات في إطار إعداد هذا المقال، والموقع الإلكتروني الخاص بها لا يعطي سوى بعض المعلومات القليلة. لكن الدليل التعليمي الخاص بكوادرها، الذي حصلت عليه "فاينانشيال تايمز"، يقدم بشكل مطول وبالتفصيل الرسالة العالمية للمنظمة بلغة تستخدم الترغيب والترهيب في آن معا.
فهي تحض الكوادر على أن تكون كريمة وشمولية في الوقت الذي تحاول فيه "توحيد كل القوى التي يمكن توحيدها" في مختلف أنحاء العالم. لكنها أيضا توعز لهم بأن يكونوا غير رحماء من خلال بناء "سور حديدي عظيم" ضد "قوات الأعداء في الخارج" المصممين على تقسيم أراضي الصين، أو إعاقة التنمية فيها.
"قوات العدو في الخارج لا ترغب في أن تحقق الصين نهوضا، وكثير منها يعتبر بلدنا يشكل تهديدا محتملا وخصما منافسا، لذلك يستخدمون ألف حيلة ومائة استراتيجية لإحباطنا وقمعنا"، وفقا لكتاب يحمل عنوان "كتاب مقرر الجبهة المتحدة في الصين".
تضيف فقرة أخرى من الكتاب "الجبهة المتحدة هي سلاح سحري كبير يستطيع تخليصنا من عشرة آلاف مشكلة من أجل تحقيق النصر". وتصف مؤلفي الكتاب وهيئة التحرير بأنهم من المسؤولين رفيعي المستوى في "الجبهة المتحدة".
في مؤتمر صحافي نادر عقد هذا الشهر، قال تشانج ييونج، نائب الوزير التنفيذي في الجبهة المتحدة "إذا كان الشعب الصيني يريد أن يصبح قويا ويحقق النهوض العظيم للأمة الصينية، فعندها سنحتاج في ظل قيادة الحزب الشيوعي إلى أن نتفهم تماما وبشكل أفضل استخدام هذا السلاح السحري". سون تشونلان، رئيسة الجبهة المتحدة، احتفظت الأسبوع الماضي بمنصبها في المكتب السياسي الذي تم اختياره حديثا.
يستعرض هيكل المنظمة الاتساع الاستثنائي لاختصاصها. مكاتبها التسعة تغطي تقريبا جميع المجالات التي يتصور الحزب الشيوعي أنها تشكل تهديدا لسلطته. مثلا، المكتب الثالث مسؤول عن العمل في هونج كونج وماكاو وتايوان وبين نحو 60 مليون صيني في الخارج منتشرين في أكثر من 180 بلدا. أما المكتب الثاني فهو مسؤول عن الدين، والمكتبان السابع والتاسع مسؤولان عن التبت وشيشجيانج، على التوالي – وهما منطقتان حدوديتان تعانيان اضطرابات إلى جانب أنهما موطن للأقليات القومية من سكان التبت والإيجور.
ميريدين فارال، مديرة معهد لووي، وهو مركز فكري أسترالي، تقول "في ظل رئاسة تشي، هناك تشديد متميز في مجال تركيز القوة الناعمة في الصين. التركيز السابق على طمأنة الآخرين بأن نهوض الصين سيكون مسألة سلمية تفسح المجال لنظرة أكثر قوة". وتضيف فارال "كان هناك تحول واضح في التركيز منذ تولى تشي جينبينج زمام السلطة. لا يزال هناك شعور سائد بأن طمأنة الآخرين أمر مهم، لكن يوجد أيضا إحساس بأن على الصين أن تُملي الطريقة التي يراها العالم بها، وأن العالم متحيز ضد الصين".

دور المكاتب

أولا، مكتب عمل الأحزاب: يتعامل المكتب الأول مع الأحزاب السياسية الثمانية غير الشيوعية في الصين، ويقدم التوصيات الخاصة بتعيين أعضائها في مناصب في مؤتمر الشعب الوطني "البرلمان" وغيره من الهيئات. ورغم أن هذه الأحزاب لا تتمتع بسلطة تذكر، أو حتى بدون سلطة، إلا أنها تعتبر جزءا مهما من الهيكل السياسي في الصين.
ثانيا، مكتب الأديان والأقليات: يوجد في الصين 55 من الأقليات الوطنية الرسمية. وتضطلع الجبهة المتحدة بمهمة بناء تحالفات تقوم على المصالح المشتركة للتأكد من أن الهويات المختلفة لا تتنامى لتصبح حركات انفصالية، وهي مسؤولة أيضا عن التأكد من أن كل الديانات في الصين تعتبر الحزب الشيوعي السلطة الأعلى.
ثالثا، مكتب التنسيق بين هونج كونج وماكاو وتايوان والخارج: الحفاظ على الولاء للحزب الشيوعي في هونج كونج وماكاو أمر مهم لدى الجبهة المتحدة. يتركز العمل في تايوان على بناء تحالفات مع الذين يعتبرون أنفسهم جزءا من البر الرئيسي (الصين) وفي الوقت نفسه السعي إلى تقويض الداعمين لاستقلال الجزيرة، ويعتبر غرس الولاء بين أكثر من 60 مليون صيني في الخارج أمرا حاسما ومهما لصقل سمعة الصين في الخارج.
رابعا، مكتب الكوادر: لا يعرف الكثير عن عمل المكتب الذي يتركز على تدريب وتقوية الكوادر والعاملين في جميع أنحاء النظام الشاسع للجبهة المتحدة، عدد العاملين في الجبهة المتحدة من مسؤولين وعاملين غير واضح، كذلك ميزانية المنظمة وأنماط الإنفاق فيها.
خامسا، مكتب الاقتصاد: يعمل هذا المكتب على تشجيع الولاء بين الأشخاص والمناطق التي أهملها التقدم الاقتصادي الذي حققته الصين، كما يلعب دورا فاعلا في التخفيف من حدة الفقر، خاصة في المناطق المشمولة ضمن "القاعدة الثورية القديمة" مثل شمال شرقي الصين.
سادسا، مكتب الأعضاء غير الحزبيين والمفكرين غير الحزبيين: يضطلع المكتب بمهمة غرس الدعم بين المفكرين وغيرهم من الأشخاص المؤثرين الذين ليس لديهم ارتباط حزبي في الصين.
سابعا، مكتب التبت: خاص بالجهود التي تبذلها الصين من أجل قمع النزعة الانفصالية فيها وتقويض الدالاي لاما الذي يعيش في المنفى في شمال الهند، وهي جانب رئيسي في عمل الجبهة المتحدة، ويسعى أيضا إلى كسب قلوب وعقول الأفراد في مختلف أنحاء العالم من خلال التأكيد على الإسهامات التي تقدمها بكين في مجال التنمية الاقتصادية للتبت وحفاظها على الإرث الثقافي للمنطقة.
ثامنا، مكتب عمل الطبقات الاجتماعية الجديدة: ظهور الطبقة المتوسطة الشاسعة في الصين منذ تسعينيات القرن الماضي أوجد جماعة مؤثرة من الناس الذين يعود الفضل في ثروتهم إلى الإصلاحات الرأسمالية، وربما لذلك يشعرون بقليل من الولاء للحزب الشيوعي، ويكرس هذا المكتب عمله من أجل تعزيز الانتماء بين أفراد هذه المجموعة.
تاسعا، مكتب تشيشيانج: هذا الإقليم الحدودي الشاسع في المنطقة الشمالية الغربية من الصين هو موطن لملايين المسلمين الذين ينتمون إلى أقليات قومية، مثل الإيجور والكازاخيين والقيرغيزيين والطاجيكيين. ويضطلع المكتب بمهمة غرس الولاء وقمع الانفصال بين أفراد هذه الأقليات.

الزعامة البوذية

تتجلى المعالم الحادة للجبهة الوطنية في نضالها الحالي إزاء التقمص المستقبلي للدالاي لاما الـ 14، الزعيم الروحي الذي يبلغ من العمر 82 عاما ويعيش في المنفى، الذي تصفه بكين بأنه شخص انفصالي عازم على انتزاع التبت من سيطرة الصين.
تنص التقاليد على أنه بعد أن يموت الدالاي لاما، يقوم كبار كهنة المذهب اللامي في التبت بالبحث عن شخص أخر مستخدمين سلسلة من النذر التي تقودهم إلى روحه التي تولد من جديد على هيئة طفل. يعيش زعماء البوذية من التبتيين في المنفى مع الدالاي لاما في داراماسالا، شمالي الهند، ما يزيد من احتمال أن الشخصية التي تأتي نتيجة التناسخ سيُعثَر عليها في مكان ما خارج حدود الصين.
تشعر بكين بالخوف. آخر شيء تريده هو أن الرجل الذي أطلقت عليه لقب "الانفصالي" و"ذئب في ملابس راهب" أن يتجسد بالتناسخ في منطقة لا تقع ضمن نطاق سيطرتها. تضطلع الجبهة الوطنية بمهمة إيجاد حل. قال مسؤولون "إن الخطة حتى الآن تقتضي أن يشرف الحزب الشيوعي - الذي هو ملحد من الناحية الرسمية – على عمليات البحث عن تجسيد داخل نطاق الأراضي الصينية". بهدف تحقيق هذه النتيجة جزئيا، ساعد المكتب على إيجاد قاعدة بيانات تضم أكثر من 1300 "بوذا حي" موافق عليه رسميا داخل منطقة التبت سيتم استدعاؤهم عندما يحين موعد التناسخ، من أجل المصادقة على قرار بكين.
يقول رينيكينجلوبو، وهو مسؤول رسمي عرقي من التبت وزعيم رابطة التبادل الثقافي الدولية في التبت، وهي هيئة تابعة للجبهة المتحدة "إن تناسخ جميع البوذا الأحياء يحتاج إلى الموافقة عليه من قبل الحكومة المركزية الصينية".
وقال رينيكينجلوبو في آخر زيارة له إلى لندن "إذا قرر الدالاي لاما العثور على شخصية متجسدة في مكان محدد خارج التبت، حينها سيتساءل سكان التبت عن ماهية هذا التناسخ وستعتقد عامة الناس (...) أن الديانة كاذبة وفارغة وقائمة على الوهم".
وتنتقد حكومة التبت في المنفى هذه الخطة "الصفيقة التي تتسم بالافتقار إلى الأدب"، مضيفة في بيان صادر من مدينة داراماسالا "إذا صدق الشعب الصيني أن الدالاي لاما الـ 14 "الحالي" انفصالي عازم على تدمير وحدة الوطن الأم، ما المغزى من البحث عن بديل له"؟
ربما يبدو اقتحام عالم الميتافيزيقيا أمرا مناقضا للحدس بالنسبة إلى العاملين الملحدين في الجبهة المتحدة، لكن جميع المنظمات الدينية الوطنية في الصين هي من اختصاص عمل الجبهة المتحدة. وتشمل تلك المنظمات الرابطة البوذية في الصين، والرابطة الطاوية الصينية، والرابطة الإسلامية في الصين، والرابطة الكاثوليكية الوطنية الصينية، ورابطة الأنفس الثلاثة "البروتستانتية" الوطنية.
هذا الملف يعني أن الجبهة المتحدة تقود أيضا المحادثات الحساسة التي تجريها الصين لإصلاح العلاقات المتوترة مع الفاتيكان، بحسب ما يقول دبلوماسيون. نقطة الخلاف الرئيسية هي إصرار بكين على أن جميع الديانات في الصين يجب أن تعتبر الحزب الشيوعي السلطة الأعلى بالنسبة إليها - وهي مكانة يشغلها البابا بالنسبة إلى الطائفة الكاثوليكية.
كان الجانبان يناوران، في الخفاء غالبا، منذ أكثر من عقد من الزمن للتوصل إلى أرضية مشتركة. وكانت هناك دلائل على إحراز تقدم في السنوات الأخيرة، حين اتفق الطرفان على الاعتراف بتعيين خمسة مطارنة صينيين جدد في العامين 2015 و2016.
رغم ذلك، على الأقل رسميا، لا تزال الجبهة المتحدة تقاوم. يقول كتاب الجبهة "يجب علينا قطعا عدم السماح لأي جماعة دينية أجنبية، أو أي فرد غريب بالتدخل في ديانات البلد".
بالنسبة إلى بكين أكد التنوع الاجتماعي المتزايد، بعد ما يقارب أربعة عقود من الإصلاح الاقتصادي، قيمة الجبهة المتحدة في الحفاظ على ولاء ودعم الأفراد المؤمنين بالحزب الشيوعي، أشاد الزعماء المتعاقبون بالجبهة المتحدة لكن لا أحد أظهر ذلك أكثر من تشي الذي اتخذ خطوات عديدة في 2014 و2015 لرفع مستوى مكانة وقوة المنظمة.
عمل تشي على توسيع نطاق عمل الجبهة المتحدة، مضيفا المكتب التاسع للعمل في تشينشيانج، ما يعني أن المنظمة تشرف الآن على الصراع المرير الذي تعانيه الصين ضد النزعة الانفصالية في المنطقة، كما أصدر مرسوما رسميا يقضي بتأسيس جماعة صغيرة مخصصة لقيادة نشاط الجبهة المتحدة، ما يدل على وجود خط مباشر للسلطة من المكتب السياسي إلى الجبهة المتحدة.
لكن ربما كانت الخطوة الأهم التي اتخذها الرئيس تشي حتى الآن هي في تعيين الجبهة لتكون حركة تمثل "الحزب ككل". كان ذلك يعني زيادة حادة منذ عام 2015 في عدد أعضاء الجبهة في مناصب تقع ضمن نطاق المستويات العليا في الحزب والدولة. وكانت النتيجة الأخرى هي أن جميع السفارات الصينية تقريبا تضم الآن موظفين يضطلعون بمهمات رسمية مرتبطة بالجبهة المتحدة، وفقا لمسؤولين رسميين رفضوا التعريف بنفسهم.
ومنح ذلك دَفعة لجهود الجبهة المتحدة الرامية إلى استمالة المواطنين الصينيين في الخارج. على الرغم من أن هناك أكثر من 80 في المائة من نحو 60 مليون صيني يعيشون في الخارج ممن حصلوا على جنسيات أكثر من 180 دولة مضيفة، إلا أنهم لا يزالون يعتبرون بمنزلة أرض خصبة لبكين. يقول الدليل التعليمي "وحدة الشعب الصيني داخل البلاد تتطلب وحدة أبنائه وبناته في الخارج".
ويوصي الدليل بعدد من السبل التي من خلالها يجب أن يكسب نشطاء الجبهة الوطنية الدعم والولاء من أفراد الشعب الموجودين خارج البلاد. بعض هذه الطرق عاطفي، يؤكد روابط "الدم واللحم" بالبلد الأم. وبعضها أيديولوجي، يركز على المشاركة الجماعية في عملية "التجديد الكبيرة التي يقوم بها الشعب الصيني". لكنها أساسا سبل مادية، تقدم التمويل أو غيره من الموارد الأخرى لجماعات صينية مختارة موجودة في الخارج وأفراد من ذوي المكانة المهمة من وجهة نظر بكين.
أستاذة جامعية صينية تعمل في المملكة المتحدة حضرت عددا من الفعاليات التي نظمتها الجبهة المتحدة، تصف كيف تبدأ التجربة بتلقي دعوة لحضور مأدبة أو حفل استقبال، عادة من واحدة من مجموعة من جمعيات الصداقة التي تعمل تحت شعار الجبهة المتحدة، للاحتفال بمناسبات موجودة ضمن التقويم الصيني. الخطابات الوطنية تضفي الجو العام في الوقت الذي تجري فيه استمالة الطلبة المتفوقين - ولا سيما العلماء - للعودة إلى الصين مع تقديم "مُحَلِّيات" على شكل منح دراسية أو منح مالية. يجري تمويل تلك المنح من قبل عدد من المنظمات التابعة للجبهة المتحدة، مثل مؤسسة تنمية الباحثين الدارسين في الخارج.
لكن ربما تأتي هذه الهبات مع بعض الالتزامات. في أستراليا، تعمل رابطة الباحثين والطلبة الصينيين لخدمة المصالح السياسية الخاصة بسفارة الصين هناك، وفقا لأليكس جوسكي ووو ليباو، وهما طالبان يدرسان في الجامعة الوطنية الأسترالية. في أحد الأمثلة، عندما زار رئيس الوزراء، لي كيكيانج، كانبيرا في وقت سابق هذا العام، عملت الرابطة على تجنيد مئات الطلبة الصينيين لطمس الاحتجاجات المعارضة للصين في الشوارع، بحسب ما كتب وو وجوسكي في مدونة لهما.
للتوضيح، لا يعتبر جميع الطلبة الصينيين الموجودين في أستراليا، أو في أي مكان آخر في الغرب أنفسهم عملاء للقوة الناعمة أبدا. مع ذلك، لاحظ باحثون أكاديميون صينيون وأستراليون أن الجهود القوية المؤيدة لبكين آخذة في الازدياد.

النفوذ السياسي

يلاحظ فينج تشونجيي، وهو أستاذ في جامعة التكنولوجيا في سدني، أن النفوذ الذي تمارسه بكين على الجمعيات الصينية في أستراليا زاد بشكل كبير منذ أواخر التسعينيات. يقول "تقييمي للوضع هو أنها تسيطر تقريبا على جميع المؤسسات المجتمعية وأغلبية وسائل الإعلام الناطقة باللغة الصينية، وتدخل الآن في عالم الجامعات".
بعيدا عن هذه الأعمال الأساسية، هناك جائزة أكبر هي النفوذ السياسي في الغرب. التعليمات التي جاءت في الدليل تذكر بنوع من التحبيذ نجاح المرشحين الصينيين في الخارج في الانتخابات في تورونتو في كندا. وبحسب الدليل، في عام 2003 تم انتخاب ستة مرشحين من بين 25 مرشحا، لكن بحلول عام 2006 قفز العدد إلى عشرة مرشحين من بين 44 مرشحا.
ويضيف "يجدر بنا أن نسعى إلى العمل مع هؤلاء الأفراد والجماعات التي هي عند مستوى عال نسبيا، والعمل ضمن التيار العام للمجتمع، وأن تكون لدينا إمكانية التقدم".
لكن في بعض الأحيان السعي إلى اكتساب النفوذ السياسي يمكن أن يصاب بالاختلال. وكالة الاستخبارات القومية في نيوزيلندا أجرت تحقيقا بشأن أحد أعضاء البرلمان من المولودين في الصين، وهو جيان يانج، بخصوص علاقته بفترة العقد ونصف العقد التي قضاها في كليات عسكرية بارزة في الصين.
علمت "فاينانشيال تايمز" أن يانج الذي يعمل لدى الجبهة المتحدة منذ عام 1994، قضى أكثر من عشر سنوات وهو يدرب ويُدَرس في مرافق النخبة، التي تشتمل على أرقى أكاديمية لغوية في الصين لضباط الاستخبارات العسكرية. وبين عامي 2014 و2016 خدم في لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والتجارة، التابعة للحكومة النيوزيلندية.
وقالت آن ماري بريدي، وهي أستاذة في جامعة نيوزيلندا في كانتربري، "إن النفوذ الصيني المتزايد ينبغي أن يُحمل على محمل الجد". وفي معرض حديثها ذكرت أن كانبيرا تعتزم إدخال قانون ضد نشاطات النفوذ الأجنبي، وطالبت أيضا بأن تنشئ الحكومة لجنة للتحقيق في جهود الضغط السياسي الصيني.
في عام 2010 حذر مدير الاستخبارات الكندية من أن عددا من الوزراء في المقاطعات الكندية وموظفي الحكومة هم "عملاء نفوذ" يعملون لمصلحة بلدان أجنبية، بما فيها الصين. وفي الأشهر الأخيرة، قالت أستراليا "إنها تشعر بالقلق من عمليات الاستخبارات الصينية والحملات السرية الرامية إلى التأثير في السياسة الأسترالية".
لكن مع مرور الزمن يمكن أن يتبين أن هذه النكسات هي مجرد حلقة مؤقتة في جهود نشر الماركة الصينية من القوة الناعمة المتمرسة والصلبة في مختلف أنحاء العالم.
يقول لي تشيجوانج، رئيس المركز الدولي لدراسات الاتصال في جامعة تسيجهوا "في البداية كانت الحكومة الصينية تتحدث عن الثقافة – فرقة أوبرا بكين، والأكروبات الصينية – على أنها قوة ناعمة. حين جاء تشي جين بينج إلى السلطة، كان يختلف تماما عن الزعماء السابقين. فقد قال إن الصين يجدر بها أن تكون لديها الثقة التامة في ثقافتنا، وطريق التنمية لدينا، ونظامنا السياسي ونظريتنا السياسية".
يشير قرار تشي برفع أهمية وسلطة "الجبهة المتحدة" إلى أن بكين ربما لا تكون راغبة في تخفيف جهودها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES