ما لم يقل حول «نيوم»

|

"نيوم" إحدى المدن التي ستكون مصدر فخر لنا كسعوديين. ولا أعلم صحة تسميتها "مدينة" لكونها ستختلف في كل شيء عن أي مدينة تقليدية. كما أنها ستختلف عن أي مدينة سبق أن شيدتها الحكومة كمدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين. فـ"نيوم" سيتم تشييدها بتميز وإبداع وتقنية وإدارة لم يسبق لها مثيل. من أهم ما يجعلنا نتفاءل بمدينة نيوم التزام الحكومة السعودية بنجاحها حيث وضعت اسمها في السطر الأول كداعم وممول. الروح الملهمة التي شعرنا بها أثناء استماعنا لتصريحات ولي العهد تعطينا ثقة ليست فقط بنجاح المشروع ولكن بتميزه عن بقية المشاريع الأخرى.
فروح مشروع "نيوم" يقول للعالم إن السعودية لن تكون مجرد دولة نفطية بل ستشارك في إحداث فرق في مستقبل الحياة للبشرية. وستصبح السعودية إحدى الدول التي تحدد اتجاه بوصلة التغير التقني والعلمي إضافة لكونها إحدى أهم الدول المؤثرة في صناعة النفط.
الجميل في كلمة ولي العهد في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" إشارته الذكية إلى أن الانفتاح على مصادر أخرى للطاقة لا يعني إطلاقا أن مستقبل النفط سيضمحل مستقبلا، بل يعني أن المملكة ستسعى نحو تنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على إدمان النفط الذي عاشته دهرا من الزمان.
لم يغفل ولي العهد في كلمته الإشارة بذكاء إلى أن السعودية مقدمة على انفتاح حقيقي وستزيل العوائق التي تعوق تنمية المجتمع عن اللحاق بركب الحضارة. رسالة واضحة من الأمير ومهمة جدا، وكان من المفترض أن يشير برنامج التحول الوطني 2020 الخاص بوزارة التعليم للهوية الوطنية التي تطرق لها الأمير في كلمته في المؤتمر. للأسف الشديد فإن برنامج التحول الوطني 2020 الخاص بوزارة التعليم لم يضع معايير لقياس مدى إسهام وزارة التعليم في تعزيز المواطنة الصالحة، على الرغم من أن محور "وطن طموح ومواطنه مسؤول" من أهم محاور" رؤية المملكة 2030". وسبق أن أشرت في مقال سابق إلى أن من المؤسف أيضا أن مشروع مسودة نظام الجامعات لم يشر في أي من لوائحه إلى جوانب تتعلق بتعزيز المواطنة والحماية الفكرية لطلبة الجامعات على الرغم من أن حماية الشباب والناشئة من الأفكار المنحرفة من أهم واجبات وزارة التعليم. لذا فإنني أعتقد أننا في حاجة إلى إيجاد برامج مساندة تعزز من المواطنة الصالحة خصوصا أن الفكر الإخواني قد يكون الخطر الأكبر حاليا في ظل انحسار الفكر الداعشي والدولة التي كانت ترعاه.
أعتقد أن كلمة الأمير محمد بن سلمان كانت ملهمة للشباب خصوصا أن ولي العهد راهن عليهم كثيرا وتحدث عنهم بإيجابية عالية. ولعل رهان الأمير ينبع من قناعته بأن الشباب الأكثر تأثيرا وتأثرا بـ"رؤية المملكة 2030". فالشباب يفصله عن تحقيق "رؤية المملكة" نحو 13 عاما. فالـ13 عاما المقبلة وما سيتم عمله خلالها من برامج تنفيذية كبرنامج التحول الوطني 2020 وغيرها ستسهم -بمشيئة الله- في أن نحصد نتائج تحقيق المملكة لـ"رؤيتها 2030". فما نزرعه اليوم من برامج تنموية وتأسيسية سنحصده قريبا -بإذن الله- بعد أن تصبح "الرؤية" واقعا مشاهدا.
قد لا نختلف كثيرا على أن محمد بن سلمان من الشخصيات التي لها "كاريزما" لدى الناس عموما والشباب خصوصا. فولي العهد عراب "رؤية 2030" وتمكن خلالها من تغيير النظرة السلبية نحو التنمية وتفعيل دور التكامل والشراكة بين الوزارات والقطاعات الحكومية والخاصة. ففي السابق كانت النظرة نحو الخطط الخمسية للدولة أنها مجرد خطط جميلة في صياغتها لكنها جوفاء في محتواها وأثرها. كما أن الخطط الخمسية السابقة افتقدت المعايير التي تقيس مدى قربنا أو بعدنا من تحقيق أهداف كل خطة، لذا كانت خططا وصفية وتفتقد لغة الأرقام التي تدعم مدى تنفيذ هذه الخطط. وكانت من الممارسات السلبية في تلك الفترة أن كل وزير يضع خطته وبرنامجه، كما يضع خطة الوزير الذي سبقه في الأدراج.
أما الآن فقد أصبحت لدينا "رؤية" نسعى لتحقيقها ولم يعد الأمر متروكا للوزير فقط وإن كان من حقه المشاركة في تطويرها. بل إن برامج "التحول الوطني" وغيرها من البرامج الأخرى اهتمت بتكامل الخطط والبرامج بين الوزارات المعنية. هذه "الرؤية" تم ضبطها ببرامج حوكمة تعزز العمل المؤسساتي والتوازن في صناعة القرار في الجوانب التنفيذية والرقابية والتشريعية.
ولعل تأسيس المركز الوطني للتخصيص واللجان الإشرافية التي تشرف على برامج التخصيص للقطاعات المستهدفة بالتخصيص مثال حي على تكامل الرؤى والأهداف بين الجهات الحكومية المختلفة وتكاملها مع عمل القطاع الخاص كشريك في تحقيق التنمية المستدامة. فمركز التخصيص سيكون بمثابة ضابط الإيقاع لمشاريع التخصيص.
ختاما، أعتقد أن الروح الملهمة لمحمد بن سلمان تعزز لدى الناس والشباب خصوصا صورة إيجابية ومشرقة لمستقبل بلدهم. فمدينة نيوم مجرد مشروع من ضمن عشرات المشاريع التي تسعى الحكومة نحو تفعيلها. الإنجازات تبدأ بأحلام، فعبارة "عندي حلم" التي عبر عنها مارتن لوثر كينج أثناء مسيرة واشنطن للحرية التي عكست عن صدق رغبته في مستقبل يتعايش فيه السود والبيض بحرية ومساواة وتجانس. فعبارة "عندي حلم" في خطاب مارتن لوثر كينج جعلت خطابه أهم خطاب في أمريكا خلال القرن الـ20 حسب إحدى الدراسات. لذا فسنبقى حالمين مع الأمير محمد بمستقبل مشرق وسيصبح الحلم حقيقة -بإذن الله- وسيصبح حلمنا أكبر حلم تحول إلى حقيقة في تاريخ البشرية بإذن الله. هذه الروح المتفائلة لا تعني إطلاقا أن تحقيق "رؤية المملكة 2030" سيكون في طريق مملوء بالزهور بل نعلم يقينا أن هذا الطريق يتطلب جهدا وتضحيات، لكننا على يقين أن شباب المملكة مستعدون لذلك، فلديهم حلم يسعون لتحقيقه.

إنشرها