مدن الموتى

|

جاء الإسلام وبين لنا مراحل حياة الإنسان من يوم ولادته وحتى وفاته، وعلمنا أن هناك حياة بعد الموت كما كانت هناك حياة قبله عندما كنا في عالم الذر وقت أخذ الله منا الميثاق!
فنحن نؤمن بحياة البرزخ ويوم البعث وأهواله لكننا نخاف من مصيرنا ومن أي الفئتين نحن، لكن الحضارات والأقوام الأخرى لم يكن لديهم العلم الكافي فوضعوا لتلك الحياة تصورات وتعاملوا مع الموت بطريقة عجيبة!
ولعل أول من اهتم بمسألة البعث ويوم الحساب والخلود بعد الموت هم المصريين القدماء، فقد ووجدت واحدة من أقدم الوثائق التي يعود تاريخها إلى 1550 عام قبل الميلاد وتدعى بـ "كتاب الموت" وهو عبارة عن صلوات وتعاويذ مجموعة في 20 ألف لفافة، كتبها مجموعة من الكهنة على مدار ألف عام لتكون كالدليل الإرشادي للإنسان في رحلته إلى العالم الآخر وبلوغه المحاكمة الكبرى، ولا تزال نسخة منه محفوظة في المتحف البريطاني!
أكبرها لفافة "آني"، التي تحتوي على 65 صلاة وتعويذة سحرية و150 رسما ملونا، ويبلغ طولها نحو 78 قدما. يساعد الكتاب الميت بعد تحنيطه على عبور العالم السفلي الموحش ببواباته الـ12، والتي تحرسها الثعابين والوحوش، في تصورهم!
كانوا يعتقدون أن الميت لا بد من تحنيطه ومده بالمؤونة اللازمة لرحلته المرعبة، فالتحنيط يساعد على الحفاظ على الجثة التي ستلتحم بالروح "التي كانوا يسمونها كا أو با" هناك، آمن الناس بتلك الفكرة حينها، لدرجة أنهم اهتموا بالموت أكثر من اهتمامهم بالحياة نفسها. لذا بنوا الأهرامات وشيدوا المعابد وزينوها بالتعاويذ والتمائم.
أما السومريون فكانوا يدفنون مع الميت سبع جرار من البيرة، و400 رغيف من الخبز، وعباءة، ووسادة من أجل الرحلة. وكانوا يعتقدون أن الدفن في الأرض منفذ للعالم السفلي، حيث يقع نهر "هابور" والملاح "هامو طابال"، ينتظر الميت بقاربه ثم ينقله إلى مدينة الموتى ذات السبع بوابات، وعلى الميت أن يتجرد من أشيائه عند كل بوابة، حتى يصل إلى البوابة الأخيرة عاريا حيث ينتظره "أريشيكجال"، كبير آلهة مدينة الموتى الذي يقوده إلى الآلهة السبعة لتحديد مصيره.
وفي داخل مدينة الموتى هناك حياة اجتماعية ودينية، حسب ما جاء في أسطورة "أنكيدو"، الذي نزل إلى العالم السفلي ليأتي بآلتي جلجامش الموسيقيتين "الباكو والماكو". وعندما عاد، حكى لسيده جلجامش عما يدور في العالم السلفي، فأبلغه أن كثرة النسل تجلب السرور ورضا الآلهة، وأن الميت الذي لا يقدم له أهله قرابين بشكل دائم لن يجد أحدا يعتني به، وسيعيش على بقايا الأموات! لكن، الغريب فعلا، أن آلهتهم تموت أيضا فتعالى الله الحي القيوم.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها