FINANCIAL TIMES

في ذكراها الـ 100 .. كيف يرى الروس ثورة 1917 البلشفية؟

عندما اقتحم أعضاء الثورة البلشفية الروسية قصر الشتاء في تشرين الأول (أكتوبر) 1917، تردد صدى أعمالهم خارج حدود بتروجراد، العاصمة آنذاك، ووصل أبعد حتى من حدود روسيا. لكن بعد مضي مائة عام، لا يزال الروس يكافحون للاتفاق حول ما كانت تعنيه ثورة تشرين الأول (أكتوبر) بالنسبة لبلادهم.
في سلسلة من المقابلات مع روس يأتون من مختلف مناحي الحياة، وجدت "فاينانشيال تايمز" نطاقا مذهلا من الآراء، والعواطف، والمعرفة حول أحداث عام 1917: الأرستقراطي الذي يتحسر على أمة تدمرت إلى الأبد بسبب الانتفاضة، والشيوعي الشاب المشحون باللغة الثورية الذي لا يزال ينتمي إلى حزب تم ترويضه من قبل الرئيس فلاديمير بوتين، والمخرجة المسرحية التي تشعر بارتباط روحي مع المثقفين "الإرهابيين" اليائسين في ذلك الوقت. الانقطاع ما بين وجهات نظرهم هو علامة على المدى الضئيل من الفهم والقبول الذي تشعر به روسيا اليوم بشأن ما حصل قبل قرن من الزمان؛ الثورة التي تصادف ذكراها هذه الأيام.
بعد مرور أكثر من عقدين على انهيار الاتحاد السوفياتي، الحنين إلى الماضي يتصاعد. بعض الأشخاص الذين كانوا أصغر سنا من تجربة العيش في ظل ذلك النظام ينظرون إليه على أنه قوة عظمى وقوة لمصلحة الخير. بالنسبة لأشخاص آخرين، الذكريات العائلية من القمع والاضطهاد الديني تشكل نظرتهم إلى النظام السوفياتي.
بالنظر إلى صعوبة تشكيل أحداث 1917 ضمن حكاية سردية بسيطة يتضح فيها من هم الأبطال ومن هم الأشرار، إضافة إلى خوف الكرملين المرضي من الثورات، أصدر بوتين مرسوما في السنة الماضية بأن الذكرى المئوية للمناسبة ينبغي أن تترك "للخبراء".
نتيجة لذلك، المؤرخون يعقدون الآن مؤتمرات، والمتاحف تنظم المعارض، وقنوات التلفزيون تبث البرامج الوثائقية. لكن لن يكون هناك احتفال رسمي بالثورة – التي يصادف تاريخها السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) بحسب التقويم الميلادي الحديث. في هذا الفراغ، قلة من الناس هم الذين يعبرون عن أي اهتمام بثورة تشرين الأول (أكتوبر). وآراء الناس الذين يعبرون عن وجهات نظرهم هي علامة على الصدوع العميقة في المجتمع الروسي اليوم.

جمعية النبلاء

في كل مرة يستخدم فيها أوليج شيتشيرباتشيوف (51 عاما) خط زاموسكفوراسكايا عبر مترو موسكو، يضطر مسؤول "جمعية النبلاء الروس" هذا إلى عملية التفاف. تعهد شيتشيرباتشيوف بعدم استخدام فويكوفسكايا، محطة سميت باسم ثوري ساعد في التخلص من جثة القيصر نيقولا الثاني، بعد إعدام آخر قيصر لروسيا في عام 1918.
وجه شيتشيرباتشيوف الناعم وشعره الداكن المموج يذكرنا بلوحة تعود للقرن التاسع عشر. فهو رجل دمث لكن بمجرد ذكر ثورة تشرين الأول أكتوبر ينتابه الغضب. يتساءل قائلا: "كيف يمكننا أن نصلي للقيصر كقديس ولا نعتبر أن من العار أن يكون على خريطة موسكو اسم رجل اشترى حمض الهيدروكلوريك لكي يذيب جسد الشهيد (ويزيله) من الوجود؟ نحن نعيش في دولة تعاني حالة انفصام شخصية".
وهو يرغب في أن تشجب روسيا الشيوعية التي دامت 74 عاما عقب ثورة عام 1917. يقول: "الاتحاد السوفياتي ليس استمرارا للإمبراطورية الروسية، بل هو ورم سرطاني في جسد روسيا التاريخية. من المستحيل بناء دولة على ورم خبيث. يجب استئصاله. هذه هي السبيل الوحيدة للمعافاة".
كرس شيتشيرباتشيوف حياته لتحقيق هذا الهدف. منذ انضمامه لجمعية النبلاء الروس التي أعيد إحياؤها في عام 1990، عمل على إعادة بناء المحفوظات المتعلقة بالطبقة الأرستقراطية وإدارة مشاريع تعليمية وثقافية. لدى الجمعية الآن خمسة آلاف عضو، لكن في ذلك الحين، قبل عام فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي، كان كثير من الارستقراطيين يشعرون بالذعر من فكرة الانضمام إليها. يستذكر شيتشيرباتشيوف قائلا: "قد يقول بعض من بلغ 70 أو 80 عاما: ما هذا الذي تفعلون! ستنتهي البيريسترويكا (سياسة الإصلاح) في غضون عام أو عامين، وسيعدموننا جميعا! إلى هذه الدرجة كان الشعور بالخوف الذي كانوا يعيشون في ظله".
كانت مشاعر القلق كبيرة إلى درجة أن كثيرا من أفراد الطبقة الأرستقراطية ظلوا عقودا وهم يخفون أصلهم ونشأتهم. شيتشيرباتشيوف نفسه لم يكن يعلم شيئا عن نسبه إلا حين قالت له عمة أبيه إنه ينحدر من عائلة من النبلاء في كالوجا، جنوب موسكو.
في أوائل التسعينيات اعتمدت الجمعية على ذكريات عمة أبيه وآخرين لإحياء حفلة رأس السنة التي تقام كل عام، والتي هي واحدة من أفخم الاحتفالات في روسيا القيصرية. لكن هذا العالم ألغيت الحفلة. يقول شيتشيرباتشيوف: "هذه سنة من الحزن".

خريجة مدرسة ثانوية

في صباح يوم حار في آب (أغسطس)، ذهب أكثر من 20 من المراهقين الروس من كل أنحاء العالم إلى متحف في موسكو للتنافس في مسابقة حول ثورة 1917. بعد طرح عدة جولات من الأسئلة، بات من الواضح أن إيرينا بوجيك كانت الفائزة. دائما ما كانت هذه الفتاة ذات الوجه الجميل، البالغة من العمر 18 عاما، هي أول من يرفع بطاقة الإجابة. تقول بوجيك: "أنا مفتونة جدا بالثورة، إنها عالم كامل بحد ذاتها، كم من الأحداث حصلت هناك خلال عام واحد فقط". فلاديمير لينين، الرجل الذي استولى على السلطة خلال الثورة، هو أكثر شخص يثير اهتمامها. "أنا مفتونة بشخصية لينين. طاقته غير المحدودة، تنشئته، وإرادته الصلبة".
هذه الشابة التي ولدت في مولدوفا لوالدين أصلهما من أوكرانيا ويتكلمان اللغة الروسية، وجاء مولدها بعد فترة طويلة من انهيار الاتحاد السوفياتي، هي جزء من الشتات الروسي الذي ترغب موسكو في تقوية روابطها معه. بالنسبة لها النظام الشيوعي الذي انهار في عام 1991 يساعد في تحديد هويتها. تقول: "أنا أوكرانية الجنسية ولدي هوية مواطنة مولدوفية. ولد والداي في أوكرانيا، وأنا مولودة أصلا في مولودفا. لكننا جميعا أبناء وطن واحد. ووطننا هو الاتحاد السوفياتي".
تخرجت بوجيك من المدرسة الثانوية هذا الصيف وتدرس الآن التصميم في كلية الاقتصاد العليا في موسكو. لكن التاريخ، وثورة تشرين الأول (أكتوبر) بالتحديد، لا تزال موضع شغفها.
في مولدوفا يوجد قدر من النقاش حول الثورة أقل حتى مما هو في روسيا، ومع ذلك لديها آراء قوية حول الأحداث التي وقعت قبل قرن. تقول هذه الشابة بثقة: "في المخطط العظيم للأمور، استفادت روسيا من الثورة". وهي ترى أن نار الثورة – وهي في ذلك تستند دون أن تعلم إلى الصور التي أطلقتها الشيوعية في ذلك الحين – ساعدت على تشكيل شيء جديد. بوجيك مدركة تماما للجانب المظلم للثورة والدولة التي أنشأتها – إعدام آخر قيصر هو وعائلته، وعقود من الاضطهاد السياسي – وقد أجرت محاورات طويلة حول هذا الموضوع مع والديها.
لكن بشكل عام هي ترى أن جانب الخير يغلب على جانب الشر. تقول: "أنا أنسب الفضل للثورة في أنها جعلت روسيا تقف على قدميها. الاتحاد السوفياتي كان قوة عظمى. بطبيعة الحال قسم كبير من هذا ضاع في التسعينيات، لكن في السنوات القليلة الأخيرة، روسيا في طريقها لأن تصبح قوة عظمى من جديد. الكل يستطيع أن يرى ذلك".

أول شركة أمنية

كانت ييلينا أندرييفا، عضوة الحزب الشيوعي، في سبيلها إلى الحصول على عمل في مجال الكتب المصورة في الاتحاد السوفياتي عندما بدأ ميخائيل جورباتشوف، آخر زعيم للاتحاد السوفياتي، سياسة البيريسترويكا.
في عام 1985 كانت أندرييفا تعمل على إيجاد أسلوب نسج دون غرز، أو وصلات واضحة ضمن أطروحتها للحصول على درجة في هندسة النسيج. لاستكمال الأطروحة كان يتعين عليها إنتاج عينات. تقليديا، كان يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام الآلات وخيط الغزل الذي يقدمه المعهد. لكن في الوقت الذي أخذ فيه نظام التعليم يتفكك، قيل لها إن أرادت الحصول على آلات فيتعين عليها استئجارها، وإن أرادت خيط الغزل فيجب عليها شراؤه. تستذكر أندرييفا (54 عاما): "قالوا لي إنني إن كنت على ثقة، علي المضي قدما".
فعلت ذلك، وبحلول الوقت الذي أنهت فيه دراستها الجامعية، كانت قيادة الحزب الشيوعي قد سمحت بتأسيس هيئات تعاونية لتنظيم المشاريع الريادية الخاصة. تقول: "تبين أنه كانت لدي تكنولوجيا مربحة، وأنه يمكنني بيع منتجاتي في جميع أنحاء البلاد". نتيجة لذلك، أصبحت أندرييفا واحدة من أول أصحاب المشاريع في روسيا منذ ثورة عام 1917.
بحلول الوقت الذي انهار فيه الاتحاد السوفياتي عام 1991 كانت قد نوعت أعمالها ودخلت في تجارة معاطف الفراء. ومن ثم واصلت تأسيس "باستشن"، أول شركة أمن مملوكة للقطاع الخاص في البلاد. تقول: "كان ذلك عندما بدأت أحلم للمرة الأولى في حياتي: شراء سيارة، وشراء معطف من الفراء، وشراء ألماس".
لكن أندرييفا تعتبر نفسها ناجية أكثر منها صاحبة مشاريع. بالنسبة إليها لم تكن ثورة 1917 ولا انهيار الاتحاد السوفياتي علامتين تاريخيتين فارقتين. تقول: "الناس الأقوياء يحققون النجاح في كل مكان. كل ما في الأمر أن الظروف تغيرت وأنا تكيفت مع الوضع".
شركتها المختصة بالأمن ازدهرت في التسعينيات، وهي فترة اتسمت بالرأسمالية في روسيا، على غرار الغرب الجامح في أمريكا. تراجعت أعمال الابتزاز وفرض الأتاوات والعنف في الشوارع في ظل رئاسة بوتين التي ركزت على القانون والنظام، وتقلصت أعمال الأمن في السنوات الأخيرة. بدلا من ذلك، أعادت أندرييفا تشغيل آلات الغزل والنسيج، وهي تركز الآن على الصادرات إلى الصين. كما استثمرت في أحد أندية الرقص.
تقول: "لا نخشى أن نفقد ما لدينا. نحن الجيل الذي يستطيع أن يسقط ثم ينهض من جديد. هذا هو ما يجعلنا نختلف عن الأمريكيين. بعضهم يلقي بنفسه من أعلى المبنى حين يفقد وظيفته".

تمجيد عهد ستالين

يقول فلاديمير أوبوكشوفسكي، وهو سياسي مبتدئ في "الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية" KPRF: "تعالي إلى الميدان الأحمر في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر). سنكون في انتظارك".
بعد أن أعلن نفسه خليفة للحزب الذي تولى زمام السلطة بعد ثورة 1917، الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية هو الفريق السياسي الوحيد الذي يحتفل بالذكرى المئوية للثورة.
بعد مضي مائة عام، يقول أوبوكشوفسكي (23 عاما)، وهو أول سكرتير للكومسومول في موسكو (رابطة الشباب الشيوعيين)، إن روسيا تقترب من الانهيار مرة أخرى. "الناس يصبحون أكثر فقرا، لكن قنوات التلفاز لدينا لا تتكلم سوى عن أمريكا وكوريا الشمالية، ويمنع مرشحو المعارضة من الترشح في الانتخابات. ربما ليس الآن، لكن الثورة آتية. فنحن جالسون على برميل من البارود. وعندما يخرج خمسة ملايين شخص إلى الشوارع، لن يعود هناك أحد يرغب في القتال من أجل أعضاء الكرملين".
رغم ذلك، يتلوى من الألم قليلا عندما يسأل عن كيفية تحقق هذه الثورة. يدعي أنها ستكون سلمية، ومن ثم يقلد بسرعة الجملة التي يكررها بوتين وهي أن الثورات في أوكرانيا، أو مصر، أو جورجيا ليست ثورات حقيقية. وتعكس الأقوال المتناقضة التي يدلي بها هذا السياسي الشاب موقف الحزب الذي ينتمي إليه: رغم إرثه الثوري، إلا أن الحزب كان يدعم الكرملين بكل إخلاص خلال معظم التي قضاها بوتين على رأس السلطة. يرفض أوبوكشوفسكي أية انتقادات موجهة للحزب. ويعلن: "ربما كانت هناك بعض المشاكل، لكن الاتحاد السوفياتي كان محقا بنسبة 99.9 في المائة والخطأ كان 0.1 في المائة فقط". ويصف فترة حكم جوزيف ستالين، الرجل المسؤول عن الحكم على الملايين من مواطني الاتحاد السوفياتي بالنفي من الناحية العملية (أمر بتهجير أعداد ضخمة من الناس من منطقة إلى أخرى)، والعمل الشاق والموت في معسكرات الجولاج (النفي والعمل القسري) سيئة السمعة، بأنها نقطة بارزة في تاريخ العالم. ويرفض مناقشة موضوع الجولاج، قائلا إنه ليس في وضع يؤهله لمناقشة ذلك لأن ما حصل كان قبل زمانه. ويقول: "لكن على أية حال، لم يكن الوضع بالسوء الذي يدعي وجوده بعضهم اليوم".
بالنسبة له كانت الحقبة الأسوأ لروسيا هي العقد الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي. ويتهم بوريس يلتسين، الرئيس آنذاك، بتجميع الامتيازات نفسها كما فعل قادة الاتحاد السوفياتي الذين سبقوه.
يقول أوبوكشوفسكي: "الشيء نفسه يحدث الآن مرة أخرى. إنها مشكلة سببها بوتين لأنه لا يريد معالجة تلك المشكلة". ويضيف: "الثورة هي المسار الوحيد. الأمر الذي يمكن أن يساعد في حل مشاكل روسيا هو إجراء تغيير في النظام فقط. ومن يمتلك الخبرة هم الشيوعيون فقط - لقد تمكنا من تخليص البلاد من عدة أزمات تعرضت لها في السابق".

قيصر جديد

كل يوم سبت بعد الظهيرة، يلتقي يوري شرامكو عشرة متابعين في ميدان بوشكين في وسط موسكو. يقفون تحت تمثال الشاعر الذي يعود إلى القرن التاسع عشر ويصلون لمدة نصف ساعة. يترأس شرامكو طائفة دير ستراستنوي، واحد من الكثير من الأديرة التي هدمت أثناء فترة حكم ستالين، الذي حاول لعدة سنوات تحطيم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. يقول الرجل الذي يبلغ من العمر 70 عاما: "لن نهدأ ونرتاح حتى يتم إعادة بناء الكنيسة في مكانها الأصلي. لقد كانت تمثل جوهرة الهندسة المعمارية في مدينة موسكو، كانت تحمي المدينة على مدى القرون إلى أن هدمها المجرمون". أمر ميخائيل فيودوروفيتش رومانوف، أول قيصر من سلالة رومانوف، ببناء الدير. وخلال هجوم نابليون على موسكو، أقدمت القوات الفرنسية على شنق الكثير من المدافعين عن المدينة أمام الكنيسة، وبالتالي أطلق على المكان ساحة الشنق. وتم إحباط محاولة للجنود الفرنسيين لتفجير الدير من قبل رئيسة الدير.لكن في عام 1937، بعد مضي 20 عاما على ثورة تشرين الأول (أكتوبر)، تم تدمير الدير نهائيا، واحتجاز الراهبات وسجنهن. وتم إعدام الكثير منهن رميا بالرصاص ودفنهن في مقابر جماعية في بوتوفو، في غابات الضواحي الجنوبية للعاصمة. يقول شرامكو، باكيا وهو يروي القصة: "جرى دفن الكثير من الناس هناك، حتى أنهم أحضروا حفارة كبيرة إلى المنطقة لأن الحفارات الصغيرة لم تتمكن من عمل حفر كبيرة بشكل كاف لاستيعاب تلك الأعداد". في السنوات الأخيرة، جمع الفريق آلاف التواقيع للموافقة على إعادة إعمار الدير. بعد قرن من خسارة الكنيسة الأرثوذكسية للدعم الرسمي من الدولة وشهدت سلطتها ونفوذها وهما يتقلصان بشكل هائل، يأمل شرامكو في إحراز تقدم.
يقول: "حان الوقت. مضت 100 عام ونحلم بأن يأتينا قيصر جديد. يرغب الشعب الروسي في الخضوع لحاكم جديد والحب للقوة العظمى. ستولد قوة روسيا من جديد مع قدوم هذا القيصر. لكن يجب علينا كبلد أن نعلن التوبة على ما فعلته السلطات السوفياتية الهمجية. من دون هذه التوبة في دير سترايتنوي، لن تولد روسيا من جديد".

عالم المسرح

أثناء فترة احتجازها في بوليفارد تفيرسكوي في 12 حزيران (يونيو)، كانت زاريما زودينوفا ترتدي بدلة صفراء وبنية اللون. لكن سجلات الشرطة ذكرت أنها كانت ترتدي بنطالا وجاكيتا وحذاء.
تقول المخرجة المسرحية التي تبلغ من العمر 27 عاما: "لقد اخترعوا للتو قصة جديدة". كانت زودينوفا واحدة من مئات الأشخاص الذين تم احتجازهم خلال اجتماع حاشد نظمه زعيم المعارضة، أليكسي نافالني. تقول الشابة إنها كانت هناك فقط لتراقب وتوثق الاحتجاجات بسبب عملها في Teatr.Doc، شركة لأحد مسارح الطليعة.
ليس لدى زودينوفا أمل يذكر في أن تتمكن حركة احتجاجية جديدة من الوقوف في وجه نظام قمعي بشكل متزايد. تقول: "أعتقد أننا لا نزال في مرحلة نتجرع فيها المرارة ونبقى صامتين". وتضيف: "الاحتجاجات في روسيا دائما ما تنتهي (...) الأجهزة الأمنية لديها هذا التقليد الهائل، بدءا من الشرطة القيصرية وصولا إلى جهاز الاستخبارات (كيه جي بي) أيام الاتحاد السوفياتي وحتى جهاز الأمن الفيدرالي اليوم".
يذكرها الوضع اليوم بتلك الحال التي واجهها أعضاء الحزب الثوري الاشتراكي من الشباب المتطرفين، مثل إيفان كالياييف، الذي اغتال في عام 1905 الدوق سيرجي أليكساندروفيتش، عم القيصر الأخير لروسيا والشخصية المؤثرة أثناء فترة حكم عائلة رومانوف.
تقول: "أنا حقا أحب هؤلاء الشباب، وأقرأ كل شيء يتعلق بهم. آمنوا بالثورة كثيرا، لكنها فشلت. كالياييف بطل مثالي لكاتب مسرحي - شخص يكتب قصائد شعرية رديئة، لكنه جيد في تفجير الناس".
تقول المخرجة إن الحالة الذهنية للثوريين الأوائل في روسيا هي صدى لكثير من الشباب الروس اليوم. "أنت شخص عاجز كمواطن، ولا حول لك ولا قوة من الناحية السياسية. وأنت شاب متعلم وترغب في تحسين شيء ما، لكن لا يمكنك فعل أي شيء. أستطيع ممارسة مهنتي في المسرح وأرغب في ذلك. لكن الآن يحبسون الناس بسبب المسرح".
في آب (أغسطس)، اعتقل كيريل سيريبرينيكوف، واحد من أبرز المخرجين المسرحيين في روسيا، بسبب تهم بالاختلاس، وهي تهم ينفيها. في الوقت نفسه، المخرج ألكيسي أوتشيتل تعرض للضغط بسبب فيلمه الجديد "ماتيلدا"، الذي يتحدث عن علاقة غرامية (غير شرعية) بين القيصر نيقولا الثاني وراقصة باليه. في وجه العدوان الذي من هذا القبيل، تخشى زودينوفا حدوث موجة من العنف تشابه ما حدث أثناء ثورة 1917.
تقول: "الخطر هو أننا نحصل على ثورة ليس من (المحتجين الليبراليين) الذين هم أبرياء وضحايا الإرهاب والعنف، وإنما من الذين يقذفون قنابل المولوتوف داخل استوديو أوتشيتل. هذا هو السبب في أن من المهم تماما أن نبين للناس ما الذي يجري".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES