المشراق

الشريف بركات المشعشعي بين الحجاز وعربستان

الشريف بركات بن مبارك بن مطلب الحسيني، أحد الفرسان المشهورين والشعراء المجيدين، له شعر رصين ضمنه كثيرا من الحكم والأمثال، وما يحمله في صدره من زعامة وطموح وأنفة وشمم. الشائع لدى كثير من رواة ودارسي الشعر النبطي أنه من أشراف مكة وحكامها، الذي زاد من هذا الاعتقاد أن أحد أمراء مكة في القرن العاشر الهجري كان بالاسم نفسه. لكن هناك ما يزعزع ذلك، فحكام مكة آنذاك حسنيون، والمترجم حسيني، كما صرح بذلك في قصيدته التي قالها بجواده، إذ يقول:

يقول بركات الحسيني والذي له جواد ما تدنى للمبيعه

وذكر ذلك بعض مادحيه، إذا من يكون؟ لقد كتب الباحث أحمد العريفي دراسة قيمة عنه بعنوان "الشريف بركات؟!" بيّن فيها أنه من أمراء المشعشعين، الذين حكموا الحويزة وعربستان سنة 840هـ، وهذا يعني أن الشريف بركات عاش في أواخر القرن العاشر، والربع الأول من الـ11، وتوفي سنة 1024 هـ، في حياة والده مبارك، الذي كان أمير المشعشعين، الذي جعل أمور دولته إلى ابنه بركات هذا، المعروف برجاحة االعقل، وحسن التصرف والتدبير. وكانت فترة حكم مبارك من سنة 998هـ ــ 1025هـ حيث توفي في هذه السنة بعد مرض شديد. الذي يجعلني أميل إلى صحة ما ذكره أحمد العريفي، تلك الأدلة القوية التي طرحها وأبرزها:
1) أن المشعشعين حسينيون، بينما حكام مكة حسينيون.
2) لما مدح الشاعر الشعيبي الشريف بركات قال:

انهضن من وادي القصيم قواصد
لم مطلع النجم الشمالي عن هلي
عشر من أوطان القصيم نحثها
مرّ تخب بنا ومر تهذلي

فذكر أن ديار الشريف بركات شمال القصيم، على بعد عشرة أيام منه. وهذا ما لا ينطبق أبدا على مكة والحجاز، لكنه ينطبق على العراق.
3) ويقول الشعيبي في قصيدته أيضا، متحدثا عن ممدوحه:

من جده المحسن وأبوه مبارك
تاج الملوك وعمه السيد علي

وهذا ما ينطبق تماما على بركات المشعشعي.
4) ويقول الشعيبي في االقصيدة ذاتها متحدثا عن بركات:

يغزي مقام الروم في أوطانها
لاجا محارمهم يدوس ويقتلِ
ياما قطع بين السويب وواسط
من راس روميّ لسبع مرملِ

والسويب: نهر وقلعة في العراق. وواسط: المدينة المشهورة. وقد كان بين والد بركات مبارك وبين الأتراك، الذين يعبر عنهم عامة أهل نجد بالروم حروب طاحنة، خصوصا في البصرة، ومن المؤكد أن يكون ابنه بركات قد شارك في هذه الحروب. بل إن الأمين العاملي صاحب "أعيان الشيعة"، لما ترجم في كتابه السابق لبركة بن عبد المطلب المشعشعي، أورد له أبياتا من قصيدة يخاطب فيها والده، وهي:

عفا الله عن عين غضاها محاربه
وقلب دنيف زايد الهم حاربه
ويا مورد الأسياف بيض حدودها
وصادرها حمرا من الدم شاربه
بنيت لنا مجدا من المجد شامخا
عسى الله لا يهدم من الضد جانبه

ولا شك أن بركة هذا هو نفسه الشريف بركات، وقصيدته هذه معروفة، ومطلعها:

عفا الله عن عين للاغضا محاربه
وجسم دنيف زايد الهم شاعبه

وتحاك حول الشريف بركات، أو بركات الشريف كثيرا من القصص والروايات التي يجزم الباحث أنها إما مختلقة أو منحولة، أو أنها قد حورت. كما ينسب إليه أشعار من المؤكد أنها ليست له. ودراسة أحمد العريفي الرائعة فتحت الباب على مصراعيه للباحثين كي يعيدوا النظر في قراءة سيرة هذا الشاعر، وقد جاء بعده الدكتور سعد الصويان بقدرته التحليلة الكبيرة ليزيد الصورة جلاء، ومن ضمن حديثه عن بركات يقول الصويان:
"بركات الشريف شخصية فذة بز أقرانه ومعاصريه من الشعراء والفرسان. وعلى الرغم من شح الأخبار الموثقة عن بركات التاريخي فإن الذاكرة الشعبية أوجدت منه رمزا لكل معاني الإباء والشمم والفحولة الشعرية. وحفظت لنا المخطوطات الشعرية ثلاث قصائد لبركات؛ اثنتان من هذه القصائد، تلك التي قالها في جواده وتلك التي قالها متغزلا، لا بأس بهما. لكن قصيدته البائية بوصل الهاء قصيدة جزلة ومؤثرة لا يسأم الرواة من تردادها ولا يتوقف متذوقو الشعر النبطي عن الاستمتاع بسماع أبياتها وتدبر معانيها والإعجاب بما تحتويه من نبل وسمو... وقد سجلت بعض المصادر المنشورة نتفا من الأساطير التي ترددها المصادر الشفهية عن بركات الشريف وحياته وعلاقته مع والده وزوجة والده. وينفرد الربيعي من بين نساخ المخطوطات بإيراد نتف من الحكايات الأسطورية التي تحاك حول بركات التي لا تختلف كثيرا عما جاء في المصادر المنشورة... ولا أحد ينكر أن بركات الشريف شخصية حقيقية لها وجود تاريخي. ولكن بحكم تميزه في مجال الفروسية وقول الشعر استقطب اهتمام القصاص ومع مرور الوقت صارت تنسج حوله حكايات أسطورية غلفت شخصيته التاريخية حتى طمستها. وتعنقدت هذه الحكايات الأسطورية وتداخلت في بعضها البعض لتشكل سردا شفهيا مختصرا عن نشأة بركات ومآسيه ومغامراته البطولية... ومن يتتبع شعر بركات يستشف أن علاقته مع أبيه مرت بمرحلة من التوتر لكن التفسير الذي تقدمه الأسطورة لهذا الجفاء غير مقنع تاريخيا. كانت لهجة بركات تجاه أبيه في قصائده لهجة مفعمة بالوقار والتقدير والاحترام والافتخار المطلق بالانتساب إليه. هذا يوحي بأن الأمور بينهما لم تتعد مستوى العتاب والشره إلى مستوى الهجر والقطيعة. والمتتبع لمصادر التاريخ الموثوقة يستنتج أن أزمة بركات مع أبيه كانت أزمة عابرة أولا لأن المصادر لم تورد أي ذكر لهذه الحادثة وثانيا لأن المصادر تؤكد اعتماد مبارك المطلق على ابنه في تدبير شؤون مملكته، خصوصا في آخر أيامه. يقول جاسم شبر، مؤرخ الدولة المشعشعية، عن بركات إنه كان "ذا رأي وتدبير ثاقب، قدمه والده على الأباعد والأقارب مفوضا إليه جميع أمور الدولة، ولم يخالفه قط... وقد كان عفيفا تقيا وشجاعا مقداما ظهرت شجاعته في المعارك التي خاضها مع أبيه ضد آل غزي وهو صغير السن ومع قابليته هذه لم ينازع إخوته على الولاية والحكم، بل كان عونا لهم في الملمات والشدائد، وحل المنازعات". وعلى الرغم من النسيج الأسطوري الذي يغلف شخصية بركات فإنه لا يراودنا أدنى شك في نسبة شعره، حتى وإن اختلفت رواية قصائده من مصدر لآخر. وفي تلك الفترة الحرجة، فترة خلافه مع أبيه، قال بركات أجمل قصائده التي يعدها النقاد درة من درر الشعر النبطي وهي قصيدته البائية بوصل الهاء".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق