FINANCIAL TIMES

ضبط صندوق النقد متلبسا بجرم تكرار التفكير داخل الصندوق

بعد مرور فترة زمنية على تقرير الاستقرار المالي العالمي الذي صدر عن صندوق النقد الدولي في نيسان (أبريل) 2007، وتضمن رأيا حميدا، ونشر عشية الأزمة المالية، لابد أن ننظر إليه على أنه سوء تقدير مذهل، حيث تعد الأزمة الأكثر تدميرا خلال نحو ثمانية عقود، إذ تم الاصطلاح على الإشارة إليها بـ”الركود العظيم” في مواجهة “الكساد العظيم” في ثلاثينيات الألفية الماضية.
على أن الصندوق مُصر على عدم الإمساك به متلبسا مرة أخرى. السؤال هو ما إذا كانت المخاوف التي يُثيرها في تقريره الأخير عن الاستقرار المالي العالمي حكيمة؟ أو ما إذا كان نداء استغاثة كاذبا؟ على أقل تقدير، بالقدر نفسه من الأهمية، ما الآثار المترتبة على مخاوفه، خاصة بالنسبة للسياسة الاقتصادية؟
الحجة الأساسية للتقرير هي أن "المخاطر على المدى القريب للاستقرار المالي تستمر بالتراجع"، لكن "نقاط الضعف على المدى المتوسط هي في حالة ارتفاع".
عودة النمو الاقتصادي العالمي، جنباً إلى جنب مع الظروف المالية والنقدية المريحة، إلى جانب التضخم البطيء، يُعزز وصول المستثمرين إلى العوائد والرغبة في المخاطرة. وحيث إن رسوم مخاطر السوق والائتمان هي الآن عند أدنى مستوياتها منذ عقد من الزمن، فإن تقييمات الأصول مُعرّضة "لحالة من الانضغاط" في رسوم المخاطر - بعبارة صريحة، هي معرضة للانهيار.
وكما يُشير التقرير، فإن الصدمات التي تتعرض لها أسواق الائتمان والأسواق المالية ضمن النطاق التاريخي، يُمكن أن تكون لها آثار سلبية في الاقتصاد العالمي: "التفكك المفاجئ لرسوم المخاطر المضغوطة، وانخفاض أسعار الأصول، وارتفاع التقلب يُمكن أن يؤدي إلى تراجع مالي عالمي".
يعتقد كثيرون أن المجال لمناورة السياسة النقدية محدود. قد تكون النتيجة بعد ذلك حدوث ركود عالمي أقل عمقاً، لكن بصورة أكثر صعوبة من الذي شوهد في عام 2009.
يجب أن يكون من الممكن للنظام المالي أن يتكيّف مع التغييرات في أسعار الأصول دون تفجير الاقتصاد العالمي. هذا هو من نافلة القول.
هناك عامل واحد في هذه المخاطر هو ضغط العوائد. العوائد على أدوات الدخل الثابت من الدرجة الاستثمارية في حالة انخفاض منذ عام 2007، حيث أنه لا توجد أي أدوات منها تحقق عوائد تزيد على 4 في المائة، الآن.
إن هذا أيضاً يشجع تدفقات أكبر من رأس المال نحو البلدان الناشئة- وبالتالي اقتراض أكثر من قبل.
تدفقات رأس المال الداخلة غير المقيمة لرأس المال الاستثماري وصلت إلى ما يُقدر بنحو 205 مليارات دولار في العام المنتهي في آب (أغسطس) 2017، وهي في سبيلها لتصل إلى 300 مليار دولار في عام 2017، أكثر من ضعف التدفقات الإجمالية خلال العامين 2015-2016.
إضافة إلى ذلك، يُجادل الصندوق بأن العوائد المنخفضة والفروق في أسعار الفائدة على المخاطر الحبيسة، والتمويل الوفير تُشجع تراكم الديون على الميزانيات العمومية للشركات.
الانعكاسات في الفروق المذكورة يُمكن أن تتسبب في صدمة: للوصول إلى متوسط المستويات للأعوام 2000-2004، يجب على رسوم مخاطر ومدة السوق أن ترتفع بنحو 200 نقطة أساس للسندات من الدرجة الاستثمارية. تقلب السوق مضغوط إلى حد كبير أيضاً.
لربما لا يزال الرفع المالي مستمر التزايد في مختلف أنحاء العالم، لا سيما في الصين. في البلدان ذات الدخل المرتفع، تحسّن وضع صافي الأصول في القطاع الخاص بعض الشيء منذ الأزمة، لكن وضع الحكومات أصبح أسوأ.
علاوة على ذلك، يتم تقييم الأصول حالياً بمستويات مرتفعة، وربما غير مستدامة. أعباء خدمة الديون منخفضة بشكل عام، بأسعار الفائدة الحالية.
هذا يمكن أن يتغير إذا ارتفعت أسعار الفائدة المذكورة بشكل حاد. علاوة على ذلك، في عدد من الاقتصادات أعباء خدمة الديون في القطاعات غير المالية الخاصة، هي أكبر من المتوسط - لا سيما في الصين، بل وأيضاً في أستراليا وكندا.
التحليلات التي من هذا القبيل تُبرِز المخاوف إلى العلن. هذا أمر مفيد: كلما زاد قلق الناس، كان النظام أكثر أماناً.
على أن من الضروري أيضاً استخلاص آثار الهشاشة التي وصفها الصندوق بشكل واضح جداً. وسأُحدد منها أربعة، على النحو التالي:
أولاً، يجب أن يكون المستثمرون حذرين جداً.
ثانياً، يجب أن يكون بإمكان النظام المالي التكيّف مع التغييرات في أسعار الأصول دون تفجير الاقتصاد العالمي.
هذا في الواقع هو من نافلة القول. العنصر الأساسي لتحقيق هذا هو تخفيض الرفع المالي وبطرق أخرى تعزيز الوسطاء، لا سيما دور المصارف. هذا حدث بالتأكيد، لكن، من وجهة نظري، ليس بالقدر الكافي.
ثالثاً، توليد الطلب الكافي لاستيعاب العرض المحتمل يصبح أكثر اعتماداً بكثير على النمو غير المُستدام في الائتمان والديون، وأيضاً على الاستهلاك (خاصة في البلدان ذات الدخل المرتفع) أو الاستثمار المفرط (كما هي الحال في الصين، التي تجمع بين الوضعين).
من الممكن أن نكسر هذا الرابط بعدة طرق. إحداها هي إعادة توزيع الدخل من خلال النظام الضريبي، من المُدّخرين إلى المُنفقين.
وهناك طريقة أخرى هي زيادة الحوافز للاستثمار، لا سيما من قِبل الشركات التي تحقق الأرباح. والثالثة هي إزالة الوضع الضريبي المفضل للديون والاعتماد أكثر على تمويل الأسهم في جميع أنحاء الاقتصاد.
الطريقة الأخيرة هي الاعتماد أكثر على الإنفاق والاقتراض الحكومي، لا سيما الإنفاق على الاستثمار العام.
أخيراً، لا ينبغي أن نستنتج أن البنوك المركزية يجب أن تتخلى عن أولوية تحقيق استقرار الاقتصاد، لمصلحة الهدف المتضارب المحتمل وهو تحقيق استقرار النظام المالي.
أحد الأسباب هو أن السياسة النقدية أداة فجة لتحقيق الهدف الأخير.
هناك اعتراض أكثر أهمية هو أننا لا نستطيع أن نطلب من الناس وجوب أن يبقوا عالقين في اقتصاد انكماشي، بحجة أنه الطريقة الوحيدة التي تحول دون انفجار النظام المالي. لن يستجيبوا بحق لأن هذه الأولويات خاطئة. بالمثل، فإن ضمان حصول الدائنين على العوائد التي يعتقدون أنهم يستحقونها ليس من اختصاص البنوك المركزية.
إذا اعتقدت الحكومات أن الدائنين يستحقون ذلك، ينبغي عليها تغيير الضرائب وفقاً لذلك. مرة أخرى، إذا كانت ترى أن القطاع المالي لا يزال غير مستقر بشكل مفرط، ينبغي عليها تنظيمه.
انتقاد نجاح البنوك المركزية في إحياء اقتصاداتنا المتضررة من الأزمة، يكمن في أن ذلك الأسلوب هو ما خلق المخاطر المالية اليوم، وهو ليس مجرد رد فعل صحيح على أفعالها، بل هو انتقاد صحيح تماما للتمويل. كما أنه انتقاد صحيح لفشل الحكومات في معالجة أوجه القصور الكثيرة التي لا تزال تؤدي إلى الإفراط المالي. لقد لعبت البنوك المركزية دورها، لكن مع الأسف، لم يلعب أحد غيرها من بقية الأطراف، ما كان لزاماً عليه، فعله، وقديماً قيل: اليد الواحدة لا تصفق.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES