ثقافة وفنون

«التخمة المعلوماتية» .. لم يعد السؤال: بماذا نحتفظ بل ماذا سنمحو؟

أطلق الكاتب الأمريكي ألفين توفلر مفهوم "الإغراق المعلوماتي" في حقبة السبعينيات؛ بعد أن بلغ انتشار القنوات التلفزيونية والمكتبات والصحف والمجلات والإعلانات مداه حينها، وذلك للدلالة على صعوبة اتخاذ القرارات أو استيعاب معلومات معينة؛ بسبب كثرة المعطيات الواردة للدماغ البشري.
تبدو دلالة المفهوم؛ وبعد انصرام أزيد من أربعة عقود ونصف على إطلاقه لأول مرة على لسان هذا السوسيولوجي، كبيرة جدا في تلك الحقبة، إذا ما قُورنت بما نعيش على وقعه راهنا، فالظاهر أن التكنولوجيا الرقمية زادت من صعوبة تخزين واستيعاب المعلومة لدى العقل البشري.
وقد وصف بعض المختصين ما يجري في السنوات الأخيرة من تدفق معلوماتي؛ بفعل التطور التكنولوجي، بالمتلازمة، حيث فاق الإنتاج البشري للمعلومات في 30 سنة الأخيرة، ما أنتجته البشرية في تاريخ طويل امتد خمسة آلاف سنة.
يكفينا شاهدا على ذلك، أنه وإلى زمن قريب كانت لدى الواحد منا القدرة على حفظ عدد كبير من أرقام الهواتف، وعناوين الكتب مع أسماء مؤلفيها، وطبعا كانت لدينا القدرة والوقت معا لمشاهدة الأفلام، والاستمتاع بقراءة صحيفة يومية أو مجلة دورية، بل وأحيانا الحرص على متابعة إصدارات سلسلة معينة.. إلى غيره، مما يفتقده كثيرون منا، بفعل تأثير وضغط طوفان المعلومات المتدفق.
نعم لقد تجاوزت البشرية عصر "التخمة المعلوماتية"؛ أو "الإغراق المعلوماتي" بتعبير توفلر، إلى حقبة ما اصطلح عليه لفظ "البيانات الضخمة" التي تعتمد أساسا على الذاكرة الرقمية. وهذا جوهر المشكلة أو بالأحرى التهديد الذي سيعترض؛ في المنظور القريب، هذه الطفرة في المعلومات والبيانات.
إن الذاكرة الرقمية التي طالما حاجج بها المشتغلون بالتطور المعلوماتي حتى بدت أقرب ما تكون إلى أسطورة منها إلى شيء آخر، تواجه أكثر من تحد يجعل الرهان المعقود عليها لحفظ الحاضر والمستقبل محفوفا بعديد من المخاطر.
تتسم تكنولوجيات المعلومات والاتصالات كمبدأ عام بذاكرة كثيرة النسيان، يعتريها التقادم السريع، وتتطاير بشكل متواصل، كما أن باب التسجيل وإعادة التسجيل عليها يبقى مفتوحا على الدوام، دون أن ننسى الملاءمة التي ينبغي الحرص عليها بشكل متواصل حتى لا تصبح وثائق وبيانات هذه الذاكرة غير صالحة للاستخدام بسبب غياب التكنولوجيا الملائمة لتشغيلها "قِدم برامج المعالجة أو الأدوات مثلا".
تشير بعض الدراسات إلى وجود ملايين من الصفحات المهجورة على شبكة الإنترنت، وهي صفحات تم إنشاؤها دون أن يتم تحديثها أو تعديلها، وبلغة الأرقام نجد أن متوسط العمر للوثيقة التي لم تصبح مهجورة كان 75 يوما بداية عام 1998، انخفض في أقل من عقد من الزمن ليقدر اليوم بنحو 45 يوما فقط، هذا ويبقى الرقم مرشحا للانخفاض في المقبل من السنوات.
التحدي الثاني لا يقل شأنا عن سابقه، ويتعلق الأمر بالنمو المطرد في حجم البيانات في عديد من الموضوعات، بشكل لا يتناسب قطعا مع القدرة على التخزين "المكان". بمعنى أن القواعد القديمة نُسخت، فالسؤال الكلاسيكي بماذا نحتفظ: أيُ القوانين ستحمص في الصلصال، وأي الأسماء ينحت في الحجر؟ أي النصوص سيكتب على الجلد؟ وأي الأنباء جديرة بالطباعة على الورق؟ فالقاعدة الآن هي أن الاستبقاء هو الخيار الاعتيادي، وبذلك تصبح المشكلة هي ماذا نمحو؟ وماذا سنحذف؟
ببساطة لأن السلعة التخزينية غير كافية، فبحسب التقديرات ينتج العالم منذ عام 2008 من البيانات ما يتجاوز السعة التخزينية المتاحة، هذا على الرغم من أن كثافة التخزين آخذة في تزايد بوتيرة سريعة، لكن تظل دون المطلوب، إذ من المتوقع أن تكون غير كافية في حدود عام 2020؛ قياس مع السرعة التي نوَّلد بها البيانات الجديدة.
هذا ما يفسح المجال لإعمال قاعدة جديدة من قواعد الذاكرة الرقمية، إنها التسلسل الزمني؛ حيث يعمد النظام بشكل تلقائي إلى الاشتغال وفق منطق "الحديث يطرد القديم"، أو بصيغة أخرى "ما يدخل أولا يخرج أولا". فمثلا صفحات الويب التي يتم تحديثها تمحو الصفحات القديمة، والصور الجديدة تجعل الاستغناء عن الصور القديمة ممكنا، والرسائل الجديدة تسجل على الرسائل القديمة، ورسائل البريد الإلكتروني الأخيرة يحتفظ بها على حساب الرسائل السابقة.
يبقى خطر الهجمات الإلكترونية تحديا لا يمكن لأنصار الذاكرة الرقمية إنكاره، أو التقليل منه، نظرا لما بات يمثله من تهديد يتزايد حجمه، بفعل بساطة المعدات اللازمة لتنفيذ اعتداءات وأعمال تخريبية من هذا الصنف، التي باتت في متناول الأفراد كما الجماعات والتنظيمات والدول على قدم المساواة.
على هذا الأساس يبقى خطر أن تصبح الإنسانية ذات يوم بلا ذاكرة، متى تعرضت لهجوم من هذا القبيل يأتي على كل ما تم تخزينه من بيانات ومعلومات على مر السنين. في صورة ستعيد إلى أذهان من بقيت لديه ذاكرة ما عشناه مع بعض التنظيمات المتطرفة في أفغانستان والعراق وسورية ومالي، وهي تدمر تراثا إنسانيا عريقا، وحضارة حرص الأسلاف عليها جيلا بعد جيل، حتى وقع بين أيدي هؤلاء.
تبدو الذاكرة الرقمية متطايرة تماما مثلما كان عليه حال ثقافتنا الشفهية، لكن ربما تكون حتى أكثر منها تقلبا. فبحسب المختص لوتشيانو فلوريدي ستبقى هذه المعضلة ملازمة للذاكرة الرقمية، حيث تكنولوجيات المعلومات والاتصالات لا تحفظ الماضي لاستخدامه في المستقبل، لأنها تجعلنا نعيش في حاضر دائم.
إن الذاكرة ليست مسألة سعة تخزينية وإدارة بكفاءة فحسب؛ إنها أيضا مسألة تمحيص دقيق للفروقات المؤثرة، ومن ثم تمحيص دقيق لترسب الماضي بشكل مستقر كسلسلة مرتبة من التغيرات، وهما اثنتان من العلميات معرضتان لخطر حقيقي في الوقت الحالي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون