ثقافة وفنون

الموقع الجغرافي .. حظ «اللهجات» وبؤسها

اللهجة: هي طريقة الكلام التي يعتاد عليها الفرد وينشأ عليها. ومن الخطأ بمكان اعتبار اللهجات لغة فصيحة تشوهت بفعل الزمن في مجتمع ما أو في منطقة جغرافية محددة. فاللغة الفصحى أو النموذجية أساسا هي المجموع المنتقى من هذه اللهجات في لغة موحدة جمعت شتات اللهجات المتفرقة واشتركت في مجموعة من السمات الصوتية والمعجمية والتركيبية. واللهجات هي الحقيقة الحية في الاستعمال اللغوي. وهي الجانب المحسوس من اللغة الذي نتعامل به بشكل يومي في أحاديثنا الشفهية. بينما تنحصر اللغة الفصحى في نطاق الاستعمال الكتابي.

تمايز اللهجات
إن اللهجة عادات كلامية تظهر في كلام بعض أفراد المجتمع في نطاق جغرافي ما، ولا تظهر في كلام بعضهم الآخر. حيث يؤثر في ذلك التعليم والظروف الاقتصادية أو الانتماء إلى جماعات مؤسسية أو غير مؤسسية يرتبط أفرادها ثقافيا وفكريا. وقد يكون استخدام بعض اللهجات عند بعض الأفراد مقاصد خاصة متعمدة في سياقات معينة؛ رغبة في كسب جمهور أكبر في الشبكات الاجتماعية مثلا في سياق توضيح تميز المتكلم عن جمهور المتابعين، أو في سياق التقرب من صحبة معينة أو طبقة اجتماعية تحمل اللهجة ذاتها.
حين درس اللغويون اللهجات العربية قديما نسبوها إلى القبائل ولم ينسبوها إلى المناطق الجغرافية. وهذه النسبة تعود إلى أن اللهجة وإن كانت تشيع في منطقة جغرافية إلا أن المتحدث بها أفراد يتنقلون في مناطق جغرافية مختلفة ويحملون معهم لهجتهم الخاصة. وقد كانت كل قبيلة تتوزع في نطاق جغرافي معين له سمات جغرافية خاصة تؤدي دورا فعالا في التغيرات الصوتية التي تظهر في استخدامات اللغة.

مدعاة للسخرية
تتنوع اللغة العربية في استخداماتها حسب المنطقة الجغرافية. وقد تكون بعض اللهجات مصدرا للسخرية أو التنكيت، ويكون بعضها الآخر مصدرا للاعتزاز والفخر، لكن ليس هناك لهجة هي أفضل من لهجة أخرى. حتى إن أصبحت بعض تنوعات اللهجات أرفع مكانة من الناحية الاجتماعية. وقد تتعين إحدى هذه اللهجات وتكون هي اللهجة المفضلة التي يجب تقليدها وتبنيها. وفي هذا التعيين يتضح جليا أنه لا تتدخل فيه عوامل موجودة داخل اللهجة في الجانب الصوتي أو التركيبي أو الدلالي، وإنما عوامل اجتماعية وثقافية تتعلق بالسلطة التي يفرضها أحد على الأوساط الاجتماعية، أو بتقليد الأشخاص البارزين في المجتمع، أو متابعة اللغة الإعلامية. وبذلك يكون سبب ارتفاع لهجة عن لهجة أخرى يعود إلى عوامل موجودة خارج اللغة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.
إن اللهجات التي تكون مصدرا للسخرية أو يخجل منها متحدثوها ليست لهجات أدنى مستوى من غيرها، أو أنها تعاني خللا صوتيا أو خللا تواصليا، وإنما سوء حظها في أنها نشأت في نطاق جغرافي فقير أو منعزل. فالسبب في تدني اللهجة اجتماعيا ليس موجودا في اللهجة ذاتها وإنما من خارج اللهجة. لأنها ستكون حينها رمزا لصورة نمطية لفقير مكسور النفس بملابس متسخة يمد يده يستجدي المال من الآخرين. في حين تكون لهجة أخرى تذكر المستمع إليها بشخص غني واسع السلطة أو في منزلة رفيعة من الثقافة أو تكون مرتبطة بتراث أصيل.
لهجات محظوظة
حيث إن اللهجات التي يفخر بها متحدثوها هي لهجات ابتسم الحظ لها في نطاق جغرافي نشطت فيه التجارة والتواصل من المناطق الجغرافية الأخرى وبالتالي اللهجات واللغات المختلفة وذلك جعلها لهجة ثرية يبرزها أصحابها في تواصلهم مع الآخرين. وقد يحاولون إثبات جذورها في اللغة الفصحى أو النموذجية دون غيرها من اللهجات. في حين أن كل اللهجات التي تتفرع من اللغة العربية تعود أصولها إلى اللغة العربية الأم. وكل اللهجات العربية بشكل عام تستمد ثروتها اللغوية من رصيد اللغة العربية التي هي بدورها قد تستعير بعض المفردات من اللغات الأخرى.
ومن طريف ما يذكر حول بعض اللهجات السعودية ما يعرضه محرك بحث الشبكة من سؤال حول حكم الاستهزاء باللهجة القصيمية. وفي موضع آخر إثبات جذور اللهجة القصيمية في القرآن الكريم في سورة الفجر، قوله تعالى: " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16)" وهي محاولة من السائل للرفع من مكانة اللهجة دون غيرها من اللهجات.

«بياض» اللهجة
إن الفرد السعودي حينما يتعلم ويختلط باللهجات الأخرى يبدأ تلقائيا بالتحدث باللهجة البيضاء التي تلم شتات كل تلك اللهجات. ومن هنا تبدأ لهجته الخاصة بالارتباط بالأوساط غير المتعلمة، أو تلك التي لم تنتقل للسكن في المدن الكبرى الحافلة بالمراكز التجارية. من هنا تمارس اللهجة سلطتها على الأفراد وتفرض عليهم أنماطا محددة من طرق الكلام والأداء. ويظهر التقارب الاجتماعي في اللهجة البيضاء التي تتلاشى فيها الفوارق بين اللهجات، والتقارب أسلوب كلام يحاول تقريب المسافة الاجتماعية بين اللهجات المختلفة. واللهجة بذلك النظام تعد سلطة تشريعية في كل مجتمع، والكلام قانونها. وقد لا نلاحظ السلطة التي تنضوي تحت رداء اللهجات التي تظهر في استخدام اللغة، لأننا ننسى أحيانا أن كل لهجة تصنيف، وأن كل تصنيف ينطوي على نوع من الإكراه وهي تعني في الوقت ذاته التوزيع والإرغام. وهذا ما يؤكده ياكوبسون Jakobson. أن كل لهجة تتعين لا بما تخول بقوله بل بما ترغم على قوله. وأي صراع لغوي بين اللهجات هو في ذاته صراع اجتماعي، لأن اللغة ممارسة اجتماعية والعالم الواقعي للعلاقات الاجتماعية يتم تمثيله لغويا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون