تطوير القضاء من أين يبدأ؟ «2»

|

استكمالا لما بدأته في المقال الماضي عن تطوير القضاء، وأين يجب أن يركز التطوير، حيث تحدثت عن الركيزة الأولى، وهي تأهيل واختيار القضاة ومعاونيهم، وأود استكمال الحديث عن الركيزة الثانية في هذا المقال وهي الوضع التشريعي للقضاء وأنظمته.
عندما أتحدث عن الإصلاح التشريعي، فالمقصود هو إصلاح وتحديث الأنظمة العدلية تحديدا هنا، إضافة إلى ما هو أهم من ذلك؛ وهو السعي لإصلاح البنية القضائية من خلال تعديل نظام القضاء بتضمينه ما يقوي صلبه بالإلزام بآلية واضحة تحد من الضبابية والتفاوت في الأحكام لدينا كاعتماد السوابق القضائية مثلا. الأمر الذي تستوجبه العدالة والمساواة في الحقوق، كما أنها أساس لجذب الاستثمارات الدولية كون أهم نقاط التقييم القضائي للمستثمر هي وضوح ومعرفة القانون أمامه.
هذه القضية وهي "عدم وجود آلية لتحديد ما النظام الذي ستحكم به المحكمة سواء من خلال التقنين أو بالسوابق أو بهما" هي أساس إشكالية القضاء، وتليها الإشكالات النظامية في بعض الأنظمة العدلية القديمة أو المحدّثة مع ضعف المهنيّة في صياغة بعضها، وكل ما سوى ذلك فهو يأتي في درجة تليها. ومثل هذه النقطة فيما لو تمت معالجتها؛ فإن صورة القضاء ستتغير حتى على المستوى الدولي، كونها إحدى أهم نقاط النقد الأساسية، وهي عدم وضوح القانون الواجب التطبيق.
وهناك أمر مهم جدا يغيب عن كثير في هذا الخصوص؛ وهو أن القضاء لا يمكن أن يراكم خبرته ما لم يكن هناك آلية واضحة لاعتماد السوابق والمبادئ القضائية، حيث من خلالها تؤسس المبادئ ومن ثم يتم التعديل والبناء عليها، أما في حالة الحرية الكاملة للقاضي فإن كل قاضٍ يبني خبرته بشكل فردي، فضلا عن أنه يمارس دورا تشريعيا مضافا إلى الدور القضائي، وهناك عدة نقاط سبقت مناقشتها في المقالات السابقة عن تقنين الأحكام وخلافه، ولكن لمحورية هذه النقاط فلابد من التكرار ولو باختصار.
أما بالنسبة للأنظمة القضائية ولوائحها؛ فأعتقد أنه يجب أن تتم إعادة مراجعتها مع رؤية متكاملة ومتناغمة، مع الاستفادة من النماذج الدولية الحديثة، كما يجب أن تضمن بعديد من المبادئ القانونية الحديثة مثل تعزيز الحوكمة القضائية ومراقبة العمل القضائي بشكل أكثر حداثة وفعالية، ما يسهم في تعزيز الشفافية والنزاهة وفرض عنصر الكفاءة في جميع مراحل عمل القضاء.
وسأذكر مثالا للإيضاح لغير المتخصصين؛ فمثلا إطلاع الخصوم في القضاء على أوراق قضيتهم أحد أهم أسس العدالة والشفافية بالقضاء ويكفله نظام المحاماة، بينما لا ينص بوضوح على تزويد الخصوم بنسخة في حال طلبه، وهذا الأمر أحد دواعي الفساد الذي يعززه عدم الشفافية والإفصاح، حيث يستغل ذلك بعض الفاسدين ويحاول تزويد أحد الخصوم بمقابل مادي مثلا وهكذا، في حين أن بعض القضاة يرفض حتى إطلاع الخصوم على بعض المستندات التي تخصهم، وهذا بلا شك أحد أهم حقوق المترافعين أن يطلعوا على أوراق الدعوى، ما يكفل الشفافية والعدالة لهم، إلا أنه يحدث كثيرا منعهم ذلك، وهذا يستوجب تعديل النظام ليتوافق مع مبادئ الحوكمة، وهذا أحد الأمثلة فقط.

إنشرها