تعليمنا .. بين اكتشاف المواهب وإجهاضها

|

إذا درسنا تاريخ الأمم وقيام الحضارات فإننا نلاحظ أن الإنسان هو العنصر الأهم في قيام الحضارات وبناء الأمم.
إن التاريخ البشري في كل أطواره يتحدث عن دور الإنسان في بناء الحضارة والكون، ويؤكد تاريخنا الإنساني أن مواهب الإنسان هي العنصر المبدع في الطاقة البشرية الفريدة التي تبدع وتبتكر وتبني.
ولا يخالجنا شك في أن الله- سبحانه وتعالى- قد أودع في كل إنسان موهبة، ويقول- سبحانه وتعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)، وقوله سبحانه وتعالى أيضا: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، أي استعمركم في الأرض لتعميرها وبنائها، ولذلك لا يوجد إنسان يولد من دون أن يودع فيه رب العباد- سبحانه وتعالى- ملكة إنسانية يسهم بها في بناء الكون والملكوت.
وفي تاريخنا الإسلامي نماذج مثلى للمواهب الإنسانية التي أبدعت فأسهمت في بناء الحضارة وقيام الأمم المشعة بالخير والتقدم والسلام.
ولا شك أن نبي الإنسانية محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- يعد الأول والأمثل، ويأتي من بعده وعلى هديه كثير من القيادات الإسلامية المبدعة التي بنت حضارة من أعظم حضارات الدنيا.
وفي كل العصور تضطلع الحكومات ببناء المؤسسات التعليمية من أجل اكتشاف وصقل المواهب الوطنية كي تمكن الإنسان الموهوب من الانضمام إلى مجتمع المعرفة، الذي يفترض أن يقوم بعمليات البناء والتنوير وتحقيق التقدم والنمو.
ولذلك بقدر ما تنجح الدول في اكتشاف وصقل مواهب أبنائها بقدر ما تضع نفسها في قائمة الدول المتقدمة، بينما الدول التي تخفق في اكتشاف وصقل مواهب أبنائها تضع نفسها في قائمة الدول المتخلفة.
ويفترض أن المؤسسات العلمية تضع المناهج لاكتشاف المواهب في الإنسان حتى تفرز المواطن الموهوب وتضعه في قاطرة بناء المجتمع المعرفي المسؤول عن نشر التقدم والجودة والسعادة بين الناس أجمعين.
بمعنى أن اكتشاف الموهبة قبل التعليم هي الرسالة التي يجب أن تقوم بها المؤسسات التعليمية في المرحلة الابتدائية، إذ إن سن الطالب من السادسة حتى الـ12 هي المرحلة التي تكتشف فيها مواهب الإنسان، والمفترض في هذه المرحلة أن تُقرر مواد النشاط كمواد أساسية هدفها اكتشاف مواهب الطفل، سواء في الموسيقى أو الفن أو الرياضة أو الإدارة أو الأدب أو الاقتصاد أو الطب أو الهندسة أو الدين أو الجغرافيا أو التاريخ إلى آخر قائمة الاحتياجات التنموية التي تتمناها الدولة في أبنائها.
ولكن المؤسف أن مدارسنا تعد مادتي الرياضة والرسم ــ على سبيل المثال ــ من المواد التي لا تدخل ضمن البرنامج التعليمي، بل حيّدها النظام بشكل لا يؤثر في نجاح أو رسوب الطالب، مع أن الرياضة تكتشف مواهب الرياضيين المبدعين، والرسم يكتشف مواهب الفنانين التشكيليين. وللأسف كل الأنشطة في البرنامج التعليمي في مدارسنا وضعت ضمن الأنشطة المهملة تماما، بل المشطوبة من قائمة المواد العلمية بمبررات تبكي أكثر مما تضحك!
إن مدارسنا الابتدائية تستقبل نحو مليون طالب ابتدائي في العام الواحد، أي يمكننا أن نبني مليون موهبة جديدة في كل عام ونضمها إلى قاطرة مجتمع المعرفة لتصطف في صفوف الموهوبين البنائين.
ولكن هذه المليون موهبة لا يصعد منها إلى السطح إلا العدد اليسير من الموهوبين الذين اكتشفوا مواهبهم بأنفسهم، بينما يضيع الباقون بسبب خطأ فادح في النظام التعليمي التلقيني الخاطئ.
والمطلوب الآن العودة إلى هذا الكنز البشري وإعادة اكتشافه، ووضع نظام تدريبي للمراحل الابتدائية في مدارسنا يختلف تماما عن النظام التلقيني القائم الذي يضيع علينا فرصة اكتشاف مواهب الأشاوس الصغار في مراحل الاكتشاف الأولى (المرحلة الابتدائية).
نؤكد أن الوسيلة المثلى لاكتشاف المواهب في بلادنا هي تطوير المناهج التعليمية، بل تغيير المناهج من طرق تلقينية في المراحل الابتدائية إلى طرق تدريبية تبدأ باكتشاف المواهب، ثم بعد اكتشاف المواهب يتم وضعها في حلقات تدريبية لصقل المواهب التي تكتشف لدى الطلاب والطالبات، وبعد ذلك نبدأ في المراحل المتوسطة والثانوية، وإعداد هذه المواهب لتكون ضمن كوادر مجتمع المعرفة الذي تناط به مسؤولية وضع الدولة في صفوف الدول المتقدمة.
ولا تستغربوا فإن النظام التعليمي في معظم الدول المتقدمة يأخذ بهذا المنحى ويخصص المرحلة الابتدائية لاكتشاف المواهب وصقلها، إنهم يراهنون على اكتشاف المواهب من أجل بناء الدولة والأمة.
ونعود مرة أخرى إلى القول إن التاريخ البشري في كل أطواره يتحدث عن دور الإنسان في بناء الحضارة والكون، وإن مواهب الإنسان هي العنصر المبدع في الطاقة البشرية الفريدة التي تبدع وتبتكر وتبني.
وأكرر أن مدارسنا ونظامها التعليمي لا يعملان على اكتشاف المواهب، بل هو نظام يُجهض ويتجاهل المواهب، ويعمل على تحفيظ الطلاب علوما مآلها النسيان، ولذلك نلاحظ في طلاب المرحلة الابتدائية أن المعارف التي اكتسبوها في أعوامهم الدراسية قد ذهبت من حيث أتت، بل نلاحظ أن الطالب لم يعد يحتفظ في ذاكرته بكل ذلك الحشو من العلوم، التي حشرت «بالعافية» في عقول كانت غير مستعدة لتقبلها، وكان جديرا بنا أن نحشوها بالمعارف التي تصقل المواهب وتدخل في السلوك الإنساني كي نرفع الطلاب من مجتمع اللامعرفة إلى مجتمع المعرفة، وهو المجتمع الذي ننتظره ــ بإذن الله ــ من خلال برامج "رؤية السعودية 2030".

إنشرها