FINANCIAL TIMES

براءات الاختراع .. الجميع يجأر بالشكوى عدا الكبار في وادي السليكون

شيري نولز لديها مصلحة شخصية جدا في الدفاع عن الملكية الفكرية – فهي تعتقد أنها أنقذت حياتها. نولز، التي هي نفسها محامية مختصة في براءات الاختراع، تخشى أن العلاج الذي ساعدها على مكافحة سرطان الثدي، دواء معروف باسم أدريامايسين، لم يكن سينتج لو أن قوانين براءات الاختراع الأكثر صرامة التي أُدخلت خلال العقد الماضي كان يعمل بها عندما أصابها المرض.
باعتبارها كبيرة المحامين السابقة لبراءات الاختراع في جلاكسوسميث كلاين، نولز، التي تُدير شركة الاستشارات القانونية لعلوم الحياة الخاصة بها، لديها مصلحة مكتسبة في الدفاع عن قوانين الملكية الفكرية. فهي تعرف أن مجموعات الأدوية الكبيرة مثل جلاكسوسميث كلاين تستطيع فقط تحقيق الدخل من الأدوية الجديدة بناء على قدرتها على الحصول على براءات الاختراع التي تحمي ابتكاراتها.
لكن من خلال الإشارة إلى أحكام المحكمة العليا التي جعلت من الصعب الحصول على براءات اختراع بشأن الابتكارات في مجال الأدوية، وإلى التغييرات في نظام الفصل في المنازعات حول براءات الاختراع، تقول أصبح من الصعب أكثر على بعض المجموعات حماية مصالحها: "إذا لم تستطع الشركات حماية ملكيتها الفكرية، فإنها لن تستثمر. الأمر بهذه البساطة".
قلة من الناس هي التي ستتعاطف كثيرا مع شركات الأدوية الكبيرة. كانت الصناعة منذ فترة طويلة تتعرض لهجوم بشأن تسعير الأدوية وقوتها الاحتكارية. لكن شركات الأدوية الكبيرة هي مجرد صوت واحد من بين كثير من الشركات التي بدأت تشتكي من الطريقة التي أدت فيها التحوّلات في نظام براءات الاختراع الأمريكي خلال العقد الماضي إلى إضعاف قدرتها على حماية ابتكاراتها.
شركات التكنولوجيا الحيوية الناشئة تشتكي، شأنها في ذلك شأن عدد من شركات أشباه الموصلات والإلكترونيات، وشركات التكنولوجيا النظيفة، ومجموعات تحليل البيانات، والجامعات، والمبتكرين الذين يعملون على "إنترنت الأشياء" - ناهيك عن شركات رؤوس الأموال الاستثمارية التي تستثمر فيها.
في الواقع، الشركات الوحيدة التي يبدو أنها لا تشتكي من النظام الحالي هي مجموعة صغيرة من أكبر شركات وادي السليكون - مثل جوجل، وأبل، وإنتل، وسيسكو. في حين أنها جميعا تملك براءات الاختراع الخاصة بها لحمايتها، إلا أن نماذج أعمالها، التي تنطوي على منتجات تتضمن مئات، أو حتى آلاف الأجزاء الصغيرة من الملكية الفكرية، يغلب عليها أن تعمل بشكل أفضل عندما يكون هناك عدد أقل من براءات الاختراع للتعامل معها.
لكن شركات تزويد البرمجيات والأجهزة الصغيرة ومتوسطة الحجم فضلا عن شركات علوم الحياة لديها نماذج أعمال مختلفة جدا - نماذج تعيش أو تموت على القدرة على حماية مجموعة صغيرة من براءات الاختراع، وبالتالي الاستفادة ماليا من أعوامها من الاستثمار.

العجز الوقائي

بالنسبة لكثير من هذه الشركات التحوّلات في النظام التي بدأت قبل عقد من الزمن، تمادت للغاية.
بفضل سلسلة من أحكام المحاكم منذ منتصف العقد الأول من الألفية، مثل "إيباي" ضد "ميرك إكسجينج" في عام 2007، و"مايو كولابوريتف سيرفيسز" ضد "مختبرات بروميثيوس" في عام 2012، و"أليس كورب" ضد "سي إل إس بانك" في عام 2014، والإقرار اللاحق لقانون الاختراعات الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما في عام 2011، أصبح من الصعب أكثر تأمين براءات الاختراع في الولايات المتحدة - ومن الصعب أكثر الدفاع عنها.
هناك عدد لا يحصى من المقاييس التي هي علامة على هذا، لكنّ هناك مقياسا واحدا بسيطا وهو أن الولايات المتحدة انتقلت من المرتبة الأولى إلى العاشرة عالميا من حيث حماية براءات الاختراع، وذلك وفقا لدراسة سنوية أجرتها غرفة التجارة الأمريكية، استنادا على أبحاث من قِبل مجموعة تحليل البيانات الإسرائيلية "بوجاتش كونسيليوم". وفي حين أن الدراسة تُظهر أن الولايات المتحدة لا تزال قوية في جوانب أخرى من إنشاء الملكية الفكرية، إلا أن نظام براءات الاختراع نفسه الآن معادل لمستوى هنغاريا من حيث قوة حقوق براءات الاختراع.
ربما نتيجة لذلك، تشتكي كثير من الشركات من "التعدّي ذي الكفاءة" من جانب الشركات المنافسة الأكبر، التي تقوم ببساطة بنسخ أو أخذ الملكية الفكرية التي تريدها، ثم تجري تسوية مع الأطراف المتضررة خارج المحكمة مقابل أقل من القيمة الكاملة للملكية الفكرية.
عدد قليل من الشركات، باستثناء تلك التي كانت في تقاضٍ مفتوح، ستُعلن عن مخاوفها، خشية من رفضها داخل مجتمع التكنولوجيا. من بين تلك التي تفعل، هناك عدد لا يحصى من القصص عن معارك براءات الاختراع التي تصل إلى حد السخف: لننظر إلى "زوند"، شركة تصنيع مولدات البلازما ـ يوجد مقرها في ماساتشوستس ـ التي تم الطعن في ملكيتها الفكرية 400 مرة تقريبا، بدون جدوى، من قِبل شركات تشمل إنتل، وجيليت، و"إيه إم دي" وفوجيتسو.
لماذا خضع نظام براءات الاختراع الأمريكي ـ الذي تم إدراجه في الدستور باعتباره حقا أساسيا، وعزز بنجاح تطوير الملكية الفكرية الأمريكية منذ تعديله الأخير في عام 1952 ـ لمثل هذا التحوّل الجذري؟ بكلمة واحدة: المتصيّدون - التي هي لقب الصناعة للشركات التي تُصدر موجة من إيداعات براءات الاختراع الزائفة. أو ربما بشكل أكثر دقة، سرد متصيّدي براءات الاختراع.

لعبة المراجحة

عندما انفجرت فقاعة الدوت كوم في أوائل العقد الأول من الألفية، لم يبق لدى كثير من الشركات أي شيء ذي قيمة باستثناء براءات اختراعها، التي اشترتها بعد ذلك الشركات المالية أو كيانات التكنولوجيا الأكبر التي حاولت استخلاص بعض النقود منها.
في الوقت نفسه، شركات تزويد البرمجيات التي خدمت أسواق الإنترنت التجارية والهواتف الذكية المزدهرة بدأت تتوسع. أغلبية تلك الشركات لديها تكنولوجيات وأفكار شرعية لا بد من حمايتها. لكن بعض "متصيّدي براءات الاختراع" كانوا يلعبون لعبة المراجحة القانونية، من خلال تقديم أكبر قدر ممكن من براءات الاختراع لجعل الشركات الأكبر تُجري تسوية معها لاستخدام التكنولوجيا الخاصة بها.
الابتكار في الولايات المتحدة دائماً ما كان يُعاني من متصيدي براءات الاختراع. لكن بحلول الوقت الذي تولى فيه أوباما المنصب في عام 2009، كان سرد متصيدي براءات الاختراع قد وصل إلى حالة جديدة من الإثارة المتطرفة. فقد كانت قصة تدعمها كثير من شركات التكنولوجيا الكبيرة التي كانت تضغط، فردياً وعبر جماعات الضغط، من أجل قانون الاختراعات الأمريكية.
القانون أنشأ هيئة قضائية خارج المحكمة للفصل في المنازعات، وهي "مجلس محاكمة واستئناف براءات الاختراع". الفكرة كانت توفير الوقت والمال مع عملية "بين الأطراف" خارج المحكمة، وبالفعل، مزاعم براءات الاختراع التي كانت تستغرق ثلاثة أعوام ومتوسط تكلفة يبلغ مليوني دولار للتسوية، أصبحت تتم مقابل 200 ألف دولار خلال 18 شهراً. لكن مجموعات التكنولوجيا الأكبر، خاصة جوجل (التي رفضت التعليق على هذا المقال) ضغطت بشدة في عام 2013 من أجل مزيد من التشريعات المناهضة لبراءات الاختراع. الشركات التي تدعم تشريعات إضافية تقول إنها ستُخفض التشوهات القانونية حول قضايا مثل المكان الذي تُنظَر فيه قضايا براءات الاختراع، بالتالي تقليص تكاليف التقاضي.
"كان من الصاعق رؤية دعوات من بعضهم في صناعة التكنولوجيا لجولة ثانية من تشريعات براءات الاختراع الجذرية على الفور بعد كل ما فعلناه في قانون الاختراعات الأمريكية، وحتى قبل أن يدخل قانون الاختراعات الأمريكية حيز التنفيذ"، كما يقول ديفيد كابوس، الرئيس السابق لمكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي، الذي يعمل الآن مع شركة المحاماة "كرافاث، سوين آند مور"، الذي يقول إن الحجة بشأن متصيدي براءات الاختراع "خاطئة على نحو متزايد".
كابوس يُمثّل "كوالكوم"، واحدة من منتقدي النظام الحالي، لكن هو والشركة القانونية أيضاً يُمثّلان عملاء على الجانب الآخر من الحجة.
يقول: "في نهاية المطاف الأجندة الحقيقة أخذت تستقر في الأذهان. هذه الجولة الثانية من التخفيضات الجذرية في نظام براءات الاختراع كانت حيلة تجارية لا تهدف إلى إيقاف الإساءة، لكن إلى تخفيض تكاليف سلسلة التوريد من خلال تخفيض قيمة ابتكارات الآخرين".
الضغط من أجل تشريعات جديدة عُقد في نهاية المطاف في الكونجرس. في الوقت نفسه، ميشيل لي، الرئيسة السابقة للملكية الفكرية في جوجل، حلّت محل كابوس رئيسة لمكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي. في عام 2013، وضع البيت الأبيض تقريرا مُثيرا للقلق عن انتشار متصيدي براءات الاختراع وآثارهم المدمرة، ملقيا باللوم عليهم في ثُلثي قضايا براءات الاختراع.
لكن بحث لاحقا أجراه مكتب المحاسبة القانوني غير الحزبي قلص ذلك الرقم إلى الخُمس، وهناك بيانات أخرى أظهرت أن عدد المُدّعى عليهم لبراءات الاختراع كان ثابتاً تقريباً قبل وبعد قانون الاختراعات الأمريكية. (لم نتمكن من الوصول إلى لي، التي استقالت من مكتب براءات الاختراع في حزيران (يونيو)، للحصول على تعليق).
كتبت زورينا خان، الأستاذة في كلية بودوين، في بحث في عام 2013 بعنوان "المتصيدون وابتكارات براءات الاختراع الأخرى": "من الواضح أن الاتجاه التاريخي في معدلات التقاضي بالنسبة إلى براءات الاختراع الممنوحة لا يدعم الادعاءات التي تقول إن التقاضي في العقود الماضية قد ’انفجر‘ أعلى من القاعدة على المدى الطويل".
أكثر من ذلك، تجادل بأن عددا من التغييرات التشريعية يبدو أنها تعالج "المطالب المؤقتة لمجموعات المصالح الأكثر شدة في وقت واحد" وهي "لا تتسق مع أساسيات نظام الملكية الفكرية الأمريكي".
في الواقع، يُجادل بعضهم بأن نظام الفصل في منازعات براءات الاختراع الذي أُدخل في عهد إدارة أوباما أصبح "درعاً قوياً" للمتهمين بانتهاك براءات الاختراع. معظم الأحكام تكون موجهة ضد حامل براءة الاختراع، ما دفع كبير القضاة السابق، راندال ريدَر، الذي قاد المحكمة المسؤولة عن استئنافات براءات الاختراع، إلى تسميتها "فرقة الموت" للملكية الفكرية.
بول ميشيل، قاض متقاعد آخر في المحكمة الفيدرالية، أصبح معارضاً صريحاً للنظام، قائلاً إن حالات الإبطال المفرطة والطريقة التي يستبق بها مجلس الفصل في المنازعات أحكام المحكمة يحد من قوة نظام براءات الاختراع، والابتكار الأمريكي نفسه أيضاً.
يقول: "الأثر التراكمي (المناهض لبراءات الاختراع) لأحكام المحكمة العُليا ونظام الاختراعات الأمريكية كان أقوى مما كان ينبغي أن يكون". جزئياً بسبب ما يقول هو وآخرون، الضغط من جانب شركات التكنولوجيا الكبيرة. "قيم براءات الاختراع تتراجع، والترخيص واستثمارات رأس المال في كثير من التكنولوجيات تغرق. قانون الاختراعات الأمريكية ألحق الضرر أكثر ما كان مفيداً".

العبء الثقيل
لكن هناك الذين يقولون إنه لا يوجد كثير مما يُمكن إصلاحه في النظام. مارك تشاندلر، المحامي العام لشركة سيسكو، استطاع أخيرا على إسقاط اثنتين من براءات الاختراع في نظام مجلس محاكمة واستئناف البراءات، لكنه لا يزال يعتقد أنه أفضل طريقة لتحديد جدارة براءات الاختراع. "حقوق براءات الاختراع مُصممة لتعزيز التقدم من خلال مكافأة الاحتكار القانوني. هذا النظام فعّال طالما كانت براءات الاختراع تمثل تكنولوجيا حقيقية قابلة للتنفيذ، وبراءات الاختراع التي لم يكُن ينبغي منحها يُمكن إزالتها بكفاءة من النظام. إذا لم يتمكن النظام من تحقيق هذا، فإنه يضع عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد من خلال منع الابتكار من قِبل الآخرين ورفع الأسعار على المستهلكين بلا داعٍ". الشركات مثل إنتل ستقول الشيء نفسه إلى حد كبير. الأمر الرئيس هو تقرير أي من براءات الاختراع ينبغي منحها - والآراء بين شركات التكنولوجيا الكبيرة وكثير من المبتكرين الآخرين تختلف بشكل كبير.
جاري لودر، صاحب رأس المال المغامر، الذي وضع أكثر من نصف مليار دولار في تمويل ما يُقارب 100 شركة و60 صندوق رأس مال استثماريا في الأعوام الـ 28 الماضية، وأصبح مدافعاً عن نظام أقوى لبراءات الاختراع، يقول: "نحن بحاجة إلى نظام براءات اختراع يُحفّز السلوك الصحيح، ما يعني نظاما يتعين بمقتضاه أن تدفع الشركات الحالية مقابل الابتكارات، وليس نسخها أو سرقتها".
ويضيف: "نحن بحاجة إلى حماية النظام البيئي الأرحب للشركات الناشئة، حيث يتم إنشاء غالبية الوظائف. إنها قضية حاسمة فعلاً لاقتصادنا. اليوم الشركات الحالية تنسخ المبتكرين. بعد ذلك سيتم نسخ الاثنين معا وتستبدل بهما المنتجات المُقلّدة الأجنبية الرخيصة".
لا يوجد شك في أن حماية الملكية الفكرية القوية ترتبط بالنمو الاقتصادي الأقوى. وجدت ورقة بحث أعدّها اخيرا المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية أن الاحتفاظ ببراءة اختراع (والقدرة على الدفاع عنها) يزيد من احتمال تأمين تمويل رأس المال المغامر بنسبة 35 في المائة، ونمو وظائف الشركات الناشئة بنسبة 36 في المائة، ومبيعات الشركات الناشئة بنسبة 51 في المائة. ورقة بحث أخرى، بعنوان "براءات الاختراع وثروة الدول" أعدّها الأكاديمي ستيفن هابر، من جامعة ستانفورد، وجدت أن البلدان التي تحمي براءات الاختراع تتمتع بنمو اقتصادي أقوى. ويُشير بحثه أيضاً إلى أن سرد متصيدي براءات الاختراع، وفكرة أن حاملي براءات الاختراع المتقاضين بإمكانهم "الاحتفاظ" بابتكارات لمجموعات أكبر، لا تتسق مع البيانات.
في الوقت الذي يناقش فيه كلا الجانبين البيانات، المعركة التالية في حروب براءات الاختراع هي الآن على قدم وساق. المشرّعون مثل كريس كونز، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي، يضغطون الآن من أجل قواعد جديدة من شأنها تعزيز قوانين براءات الاختراع، وسط مخاوف من أن الولايات المتحدة بدأت تخسر الابتكارات المهمة لصالح أوروبا والصين ـ الأخيرة على الرغم من سمعتها بسرقة الملكية الفكرية الأجنبية إلا أنها تُعزز حماية براءات الاختراع. وثمة نقاشات منفصلة حول ما إذا كانت البرمجيات ونماذج الأعمال المختلفة في مجال التكنولوجيا الحيوية يمكن أن تتطلب نظامين لبراءات الاختراع. في العام المقبل قد تنظر المحكمة العُليا في قضية "أويل ستيتس" ضد "جرينيز إينرجي"، التي ستطعن في الدستورية الكاملة لنظام براءات الاختراع الحالي. في كلتا الحالتين، سيذهب المبتكرون والمستثمرون إلى حيث يُمكنهم الحصول على حماية أفضل للملكية الفكرية. حروب البراءات ستلعب دورا كبيرا في المكان الذي يدور رحاها فيه – حيث يتم تطوير الدواء التالي المنقذ للحياة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES