أسواق الأسهم- العالمية

5.2 تريليون دولار أرباح الأسهم الأمريكية في 11 شهرا ..ارتفعت 25%

قبل 30 عاما تقريبا وتحديدا في 19 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1987 وقعت كارثة "الإثنين الأسود"، فقد انهارت في هذا اليوم أسواق الأسهم حول العالم، وتراجعت البورصات بشكل مخيف، وبدأ الانهيار في بورصة هونج كونج، وما إن فتحت البورصات الأوروبية بعدها بساعات، إلا وكان الانهيار يجتاح أسعار أسهم الشركات الدولية المسجلة فيها، بشكل لم يسبق له مثيل.
ومع انطلاق صافرة العمل في بورصة نيويورك، هبط مؤشر داو جونز بنحو 23 في المائة من قيمته، متكبدا بمفرده خسائر بـ 500 مليار دولار في يوم واحد.
ويبدو أن العالم يتذكر ذلك "الإثنين الأسود" ولكن بمزاج مختلف كليا، فأسواق الأسهم تشهد حالة من الانتعاش غير المسبوق، دفعت بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى التغريد عبر تويتر قائلا: "سوق الأسهم زاد بـ 5.2 تريليون دولار منذ انتخابات الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، زيادة بنسبة 25 في المائة".
لكن الانتعاش ليس حكرا على الاقتصاد الأمريكي فحسب، فأسواق الأسهم اليابانية بلغت أعلى مستوى منذ 21 عاما، إلا أنها لا تزال نصف ما كانت عليه عندما حل "الإثنين الأسود" قبل ثلاثة عقود، والصين أيضا تسير على المنوال نفسه، فمؤشر"إم إس سي آي" للأسواق الناشئة، زاد بنحو 50 في المائة هذا العام.
وحتى أوروبا، وعلى الرغم من الأداء الملتبس لمعظم بورصاتها بسبب ارتفاع قيمة اليورو والاسترليني، إلا أنه بدأت في جذب المستثمرين الدوليين، كما أن التحسن الملحوظ للبورصة الإسبانية جعل إجمالي الأداء الأوروبي جيدا ومقبولا.
وباختصار، فإن مؤشر "إم إس سي آي" لبورصات العالم الذي يتضمن متابعة أداء 2400 من أكبر الشركات العامية التي تقود الاقتصاد الدولي في تحسن مطرد، ومع هذا فإن الأداء الجيد للبورصات الدولية، يدفع إلى مجموعة من الأسئلة المنطقية، أبرزها البحث في الأسباب الدافعة لهذا التحسن؟ وهل نحن أمام ظاهرة تتصف بالاستقرار، أم أن الإفراط في ارتفاع أسعار الأسهم يدفع إلى القلق أكثر من أي وقت مضى؟ ويبقي التساؤل :هل الارقام القياسية للبورصات العالمية تعكس تفاؤلا في الأسواق أم فقاعة ؟!
"الاقتصادية" توجهت بتلك الأسئلة إلى مجموعة من الخبراء في مجال البورصات لمعرفة وجهات النظر المختلفة بشأن ما يحدق بأسواق الأسهم الدولية.
بادي أوهير المحلل المالي في بورصة لندن يعتقد أن التحسن الراهن في البورصات العالمية، خاصة في الولايات المتحدة واليابان يعكس شعورا بالتفاؤل تجاه مستقبل الاقتصاد الدولي.
ويوضح أوهير أن "مقترحات الرئيس الأمريكي بالإصلاح الضريبي، وتبني مواقف داعية إلى خفض الضرائب، وزيادة الإنفاق العام لتعزيز الاقتصاد الأمريكي، أوجدت حالة من الزخم في الأسواق، أما فشله في تطبيق بعض وعوده الانتخابية، مثل إلغاء نظام الرعاية الصحية المعروف باسم "أوباما كير"، فقد حد من حدوث زيادة مفرطة للغاية في أسعار الأسهم".
ويضيف أوهير أنه على الرغم من قلق الأسواق بشأن طبيعة الخطاب السياسي لترمب، إلا أن سلوك البورصات يكشف أن المستثمرين الدوليين لديهم قناعة بأن الرئيس الأمريكي يقترب أكثر لفهم الواقع السياسي الدولي المعقد، وأنه مستعد لتقديم تنازلات لعقد صفقات، كما يجب أن نأخذ في الحسبان أن أوروبا باتت أكثر استقرارا بعد فوز إيمانويل ماكرون بالرئاسة الفرنسية، وإعادة انتخاب ميركل لمنصب المستشارة الألمانية، أما الأزمة الإسبانية فمن الواضح وفقا لتقديرات الأسواق أنها لن تنفجر، وستظل في إطار التصريحات النارية، أما أزمة كوريا الشمالية والتراشق الإعلامي بين واشنطن وبيونج يانج فقد خفت حدته، وكل ذلك أوجد حالة من الارتياح ما شجع المستثمرين على التحول بعيدا عن الملاذات الآمنة إلى سوق الأسهم.
مايكل هتشينسون الخبير الاستثماري يعتقد أن العامل الأساسي وراء اندفاع المستثمرين إلى سوق الأسهم، يكمن في قناعتهم بعدم حدوث تغيرات جذرية في السياسات النقدية التي تتبناها البنوك المركزية.
ويضيف هتشينسون أنه "منذ الأزمة الاقتصادية والبنوك المركزية تدعم الاقتصادات المحلية بحزمة مالية وتحفيزية رخيصة، في شكل تسهيل كمي لشراء سندات المؤسسات المختلفة، على أمل أن تستثمر العائدات في الاقتصادات المحلية، إضافة إلى خفض سعر الفائدة، وأعتقد أن مخاوف المستثمرين من اتخاذ البنوك المركزية إجراءات جذرية لإلغاء التيسير الكمي ورفع سريع لأسعار الفائدة، مبالغ فيها، والواضح أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبنك إنجلترا، والبنك المركزي الأوروبي، سيقومون بتغيير السياسة النقدية تدريجيا، وهذا شجع المستثمرين على انتهاز الفرصة لزيادة استثماراتهم في مجال الأسهم".
ويشير الخبير الاستثماري إلى أن تلك القناعات ترافقت مع تحسن وإن كان طفيفا في الاقتصاد الأوروبي، خاصة في الاقتصادات كثيفة العمل مثل إسبانيا والبرتغال واليونان، فقد ارتفع معدل النمو في منطقة اليورو من 2.2 في المائة الى 2.3 في المائة، وهذا أيضا تواكب مع تلاشي المخاوف التي سادت في بداية العام بأن الاقتصاد الصيني مقبل على تراجع شديد في معدل النمو، الذي كان سيؤدي إلى انخفاض شديد في معدل نمو الاقتصاد الدولي، فالاقتصاد الصيني يتمتع بوضعية قوية الآن والعملة المحلية تحافظ على مكانة بارزة في أسواق العملات.
وتبدو الصورة في سوق الأسهم وفقا لتلك التحليلات مشرقة، ولكن هذا لا ينفي قناعة بعض الخبراء المصرفيين، بأن مواصلة هذا الوضع الإيجابي يتطلب إصلاحات جذرية، خاصة في الاقتصاد الأمريكي.
جون إيرفين الخبير الاستشاري في مجموعة "نت ويست" البنكية، يعتقد أن التقييم الحالي للأسهم الأمريكية سيكون مبالغا فيه، وإذا لم يتم اتخاذ مجموعة من التدابير لإصلاح النظام الضريبي.
ويضيف إيرفين: "من شأن اقتراح الإصلاح الضريبي الأمريكي الذي يدعو إليه البيت الأبيض، أن يخفض معدل الضريبة على الشركات الاتحادية إلى 20 في المائة، واستنادا إلى معدل الضريبة الفعلي في الوقت الراهن، فإن التغيير المقترح من شأنه أن يرفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 100 نقطة أساس".
ويواصل إيرفين قائلا: "ما تمر به أسواق الأسهم الأمريكية حاليا نوعا من النشوة، وكي نتفادى أن تكون نشوة مؤقتة، وأن يؤدي الاستيقاظ منها إلى كارثة اقتصادية، ولنحولها إلى واقع دائم لا بد من عملية إصلاح ملموسة للنظام الضريبي بحلول العام المقبل"، وتبدو الصورة العامة بين انتعاش أسواق الأسهم في الولايات المتحدة واليابان متشابهة، ولكن بالغوص في التفاصيل سنجد بعض جوانب الاختلاف الرئيسة.
الدكتورة مارجريت كريس أستاذة الاقتصاد الآسيوي تعتقد أن انتعاش مؤشر نيكي 225 في بورصة طوكيو، يعكس جوانب حقيقية في تحسن أداء الاقتصاد الياباني.
وتوضح كريس: "تماما كما في الولايات المتحدة هناك شعور بالتفاؤل الاقتصادي في اليابان، فصندوق النقد الدولي باتت نظرته أكثر إيجابية تجاه معدلات نمو الاقتصاد الياباني، نتيجة زيادة الطلب العالمي، كما أن محافظ البنك المركزي أكد بشكل قاطع مواصلة سياسة التيسير الكمي حتى يرتفع معدل التضخم، من المستوى الراهن 0.5 في المائة إلى 2 في المائة، حتى إن شددت واشنطن وأوروبا من سياستهما النقدية، كما أن انخفاض الين الياباني في مواجهة الدولار يمثل حافزا رئيسا للمستثمرين للإقبال على بورصة طوكيو".
وتضيف كريس: "لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية سوق الأسهم اليابانية، فهي تمثل 9 في المائة من أسواق الأسهم العالمية، ومنذ تولي رئيس الوزراء شينزو آبي وبدأ برنامج الانعاش الاقتصادي ارتفعت أسعار الأسهم، وعلى الرغم من تهديد كوريا الشمالية، والتوترات مع الصين، وقضايا حوكمة الشركات والمشاكل الديموغرافية التي تلوح في الأفق، فإن هناك حالة من التفاؤل المتزايد بشأن آفاق اليابان، وهذا يدفع كثيرا من المستثمرين للاعتقاد أن أسهم البورصة اليابانية مقيمة بقيمتها الحقيقية، ولا يوجد فيها مبالغة كما هو الحال في الولايات المتحدة، فبينما نسبة السعر إلى الربح في الولايات المتحدة 22 في المائة، فإنها تصل في اليابان إلى 16 في المائة، وهي أقل بذلك من المتوسط العالمي البالغ 19 في المائة، ما يوجد هامشا بإمكانية أن تشهد البورصة اليابانية مزيدا من الارتفاع مستقبلا، فهي لا تزال بعيدة عن أرخص الأسواق المتقدمة".
ومع هذا، فإن بعض الخبراء الاقتصاديين يشيرون إلى وجود معضلة أساسية في أسواق الأسهم الدولية، سواء كانت في الولايات المتحدة أو اليابان، وإن كانت بدرجات متفاوتة، وتلك المعضلة يمكن أن تطيح بكل ما حققته الأسواق من أرباح إذ لم يتم الإسراع بالتصدي لها عبر مجموعة من التشريعات القانونية المقيدة.
كيفين مارك الباحث الاقتصادي يرصد ذلك الخلل بالقول: "سوق الأسهم باتت تعتمد بشكل كبير على شراء الشركات الأسهم الخاصة بها مرة أخرى، وهذا يوجد حالة من الانتعاش الزائف إلى حد كبير، ومن المتوقع أن تنفق الشركات هذا العام نحو 700 مليار دولار لإعادة شراء أسهمها، وفي العام الماضي كان مجموع عمليات إعادة الشراء 584 مليار دولار تقريبا، وعملية إعادة شراء تخفض أعداد الأسهم المتاحة في السوق، ومن ثم تساعد على رفع الربحية للسهم الواحد".
ويضيف مارك: "لا نبالغ إذ اعتبرنا أن تلك العملية مدمرة، ولكن توجد مبالغة في مدى جودة السوق، فعلى سبيل المثال دون شراء الشركات لأسهمها، فإن رأس المال الذي سيغادر البورصة الأمريكية سيبلغ نحو نصف تريليون دولار، وفقا لتقديرات شركة جولدمان سميث". وتتواكب تلك المعضلة مع مشكلة أخرى يرصدها جرهام لتيل المحلل المالي في بورصة لندن، ويقول: "في ستينيات القرن الماضي كان متوسط احتفاظ المستثمر بالسهم نحو ثماني سنوات، وجزء من ذلك يعود إلى عدم انتشار المعلومات، وعدم سهولة توافرها، وتشير آخر التقديرات إلى أن المتوسط العالمي للاحتفاظ بالسهم الواحد 22 ثانية، وهذا يكشف عن غياب ثقافة الاستثمار طويل الأمد في الأسهم، ومن ثم يفقد كثيرا من المضاربين الفوائد التي يمكن أن تتحقق من استقرار سوق الأسهم". وأشار المحلل المالي في بورصة لندن، إلى أن المضاربات قصيرة الأمد توجد أيضا شعورا زائفا بالربحية، وتجذب مزيدا من رؤوس الأموال إلى السوق، ولكنها جميعا رؤوس أموال لا تسهم في بلورة سوق أسهم مستقرة وقادرة على مواجهة الصدمات".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أسواق الأسهم- العالمية