FINANCIAL TIMES

أخطبوط يقود «5 نجوم» الإيطالية من الخلف .. يثير التساؤلات

عندما اعتلى ديفيد كاساليجيو المسرح في مصنع أوليفيتي السابق للآلات الكاتبة في إيفريا، شمال غربي إيطاليا، في مطلع نيسان (أبريل) الماضي، كان جمهوره قد شاهد من قبل فيلما رؤيويا مدته عشر دقائق.
وقد حذر فيه من أن الإنترنت يشبه "الطاقة الذرية" التي يمكن استخدامها في مجال الخير أو الشر، بما في ذلك إيجاد "دول دكتاتورية على غرار روايات جورج أورويل".
قال كاساليجيو أمام المشاركين في الفعالية التي استمرت يوما كاملا، والتي حضرها فابيو فاسكارونو، الرئيس التنفيذي لشركة جوجل في إيطاليا: "المستقبل أصبح حاضرا منذ الآن، ما عليكم سوى أن تعرفوا أين تجدونه".
كاساليجيو، مستشار الإدارة ذو الشخصية العادية البالغ من العمر 41 عاما، وعاشق الرياضة بشكل كبير، كان قادرا على استضافة مثل هذا الحدث رفيع المستوى لأنه وضع نفسه مباشرة عند تقاطع الإنترنت والسياسة في إيطاليا.
وهو رئيس جمعية روسو، التي تدير منصة إلكترونية عبر الإنترنت، وهدفها تقديم ديمقراطية مباشرة إلى حركة "الخمس نجوم" المعادية للمؤسسة من خلال إجراء تصويت أولي واستبانات للأعضاء عبر الإنترنت فيما يتعلق بالسياسات.
جعل هذا من كاساليجيو حارس البوابة والقوة الأهم التي تقف خلف حركة الخمس نجوم، وهي حزب سياسي تأسس في عام 2009 ويترأسه الممثل الكوميدي، بيبي جريلو، الذي يهدف إلى السيطرة على البرلمان الإيطالي في الانتخابات العامة التي من المقرر إجراؤها مطلع عام المقبل.
بالنسبة لمؤيديه، كاساليجيو - الذي تدير شركته الصغيرة في مقرها في ميلانو أيضا مدونة لجريلو – هو رائد في تكييف أدوات الإنترنت لمنح المواطنين صوتا مباشرا في السياسة الحديثة، وتحطيم قالب الصفقات التي كانت تجري خلف الكواليس.
تقول كارلا روكو، وهي من مشرعي حركة الخمس نجوم: "أحضرنا الثورة الرقمية إلى حقل السياسة. نحن الأقرب إلى الساحات العامة وإلى الناس".
على أن الانصهار المعقد لأدوار كاساليجيو العامة والخاصة أثار تساؤلات حول ثغرات في المساءلة واحتمال تضارب المصالح داخل الحركة.
يتساءل النقاد عما إذا كان ينبغي لفرد واحد أن يلعب مثل هذا الدور المهم في الوقت الذي لا يحظى فيه بأي منصب رسمي في الحزب، وفي الوقت الذي لا تكون فيه شركته مهمة وحاسمة إلى هذه الدرجة بالنسبة لأنشطة الحزب.
يقول بييرو إجنازي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بولونيا: "كاساليجيو هو رئيس تشكيلة الحركة، الأمر الذي يجعله يتخذ مركزا مهما داخل الحركة، فجميع الأمور تتم من خلاله".
يضيف فابيو بوردينيون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوربينو، المختص في حركة الخمس نجوم: "الشفافية هي إحدى الأدوات التي من خلالها يخوضون معاركهم، لكنها بأكملها شفافية جزئية".
حتى إن بعض الأعضاء يطالبون باتخاذ المزيد من الديمقراطية الداخلية. يقول أحد المطلعين على الحركة: "هناك عجز ديمقراطي. الحركة تبدو وكأنها طائفة دينية".

هل هو برلسكوني المغاير؟

أثناء توجهها إلى الحملة الانتخابية تحاول حركة الخمس نجوم إقناع الناخبين غير الراضين بأنه يمكنها القضاء على الفساد في السياسة الإيطالية، وانتزاع السيادة الاقتصادية مرة أخرى من الاتحاد الأوروبي.
ونظرا لأنها تحتل حاليا مستوى في استطلاعات الرأي يعادل مستوى الحزب الديمقراطي الحاكم، من يسار الوسط، تحظى بنصيب حقيقي يمكنها من الوصول إلى السلطة.
في مؤتمر للحزب سيعقد في نهاية الأسبوع في ريميني وبرعاية كاساليجيو، من المتوقع أن يختار أعضاء الحزب لويجي دي مايو، نائب رئيس مجلس النواب من نابولي الذي يبلغ من العمر 31 عاما، ليكون مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء في تصويت عبر الإنترنت، تديره جمعية روسو.
مع احتمالية اقتراب حركة الخمس نجوم من الوصول إلى السلطة، عمل وجود كاساليجيو كرجل أعمال في قلب الحزب على جلب أصداء من الحوار الدائر حول سيلفيو بيرلوسكوني، قطب الإعلام ورئيس الوزراء الأسبق لثلاث مرات. يقول إجنازي: "النطاق مختلف لكن المبدأ واحد".
الناخبون مثل "مستعمرات النمل"
الأهم من ذلك كله، الظهور المنخفض لكاساليجيو يعني أننا لا نعرف شيئا يذكر عن آرائه السياسية الأكثر عمقا، وجدول الأعمال الذي ربما يحاول تطبيقه فيما لو فازت حركة الخمس نجوم في الانتخابات. في الماضي، راودته على الأقل أفكار تتعلق بكيفية استخدام التكنولوجيا للتلاعب بالرأي عام - في صدى للمسار شبه التسلطي الذي تعهد بالقضاء عليه في الفيلم الافتتاحي في إيفريا.
في كتاب يسمى تو سي ريتي، أو أنت شبكة كتب كاساليجيو قائلا إن الناس، مثل "مستعمرات النمل"، يمكن وبكل سهولة تكييفهم من خلال نشر رسائل بسيطة.
كما كتب: "من الضروري أن يكون هنالك عدد كبير من العناصر، وأن يجتمعوا لشكل عرضي، وألا يكونوا مدركين للسمات التي يتميز بها النظام من حيث درجة تعقيده.
يجب على النملة ألا تعرف الطريقة التي يعمل فيها بيت النمل، وإلا فإن جميع النمل سيضطلع بأفضل الأدوار وأقلها مشقة، ما يؤدي إلى إيجاد مشكلة في التنسيق".
دور كاساليجيو المحوري في السياسة الإيطالية هو دور موروث أساسا، فوالده، جيانروبرتو كاساليجيو، شارك في تأسيس حركة الخمس نجوم في عام 2009 إلى جانب جريلو، وكان نفسه يعتبر بأنه الوكيل المعتمد للحزب.
عندما مات جيانروبرتو في نيسان (أبريل) عام الماضي، ترك زمام أمور شركته - التي تدعى كاساليجيو أسوسياتي – إلى ابنه ديفيد.
ولأنه طفل بارع في الشطرنج، تخرج كاساليجيو من قسم الاقتصاد في جامعة بوكوني في ميلانو.
وهو يعيش مع صديقته باولا جيانوتي، التي يعرفها منذ زمن طويل، وهي بطلة لسباق الدراجات، ويمارس الغوص في الجليد في بحيرات الألب المتجمدة، وفقا لصديق في نادي الغوص.
ويرسم زملاؤه في حركة الخمس نجوم صورة لرجل متحفظ يركز على الأهداف بدلا من صورة شخص صاحب رؤية سياسية، خلافا لوالده.
يقول ماكس بوجاني، أحد أقرب الحلفاء إلى ديفيد: "إنه شخص مدمن على العمل، ومهووس قليلا، ومركز جدا". قال أحد أعضاء البرلمان السابقين من حركة الخمس نجوم لصحيفة "فاينانشيال تايمز" إن "كاساليجيو لديه هدف واحد فقط، أن يصبح الرائد في العالم في تطوير خوارزميات تحدد سلوك الإنترنت، ومن ثم بيع تلك المعلومات إلى العملاء".
رفض كاساليجيو التعليق من أجل هذه المقالة، لكن خلال مؤتمر صحافي عقد في آب (أغسطس) الماضي في روما، نفى أنه قائد في حركة الخمس نجوم، حيث قال: "دائما ما كان دوري يتمثل في مساندة ودعم الحركة. وليس لي منصب منتخب، ولا أطلب راتبا من الحركة. أنا واحد من كثير من الناشطين، وكثير من المتطوعين".

شركة العائلة

مع ذلك، كان يضطلع كاساليجيو بدور أكبر من ذلك بكثير منذ وفاة والده. فقد شارك في معظم القرارات السياسية الكبرى التي قامت بها حركة الخمس نجوم في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك محاولة فاشلة لتبديل التحالفات في البرلمان الأوروبي في كانون الثاني (يناير) الماضي.
وهو يسافر كثيرا إلى روما للتباحث مع جريلو وغيره من المسؤولين المهمين الآخرين، بمن فيهم فيرجينيا راجي، عمدة العاصمة الإيطالية التي تعاني المشاكل، وهي عضو في حركة الخمس نجوم.
وحيث إن حركة الخمس نجوم تفتقر إلى وجود أي مقر لها، تم عقد الاجتماعات المهمة في هوتيل فورم، وهو فندق أربع نجوم يبعد مسافة 500 متر عن الكولوسيوم.
هذا الشهر، ظهر مع جريلو في مقطع فيديو يجمعان فيه الأموال من أجل مؤتمر ريميني.
إذا كان لحركة الخمس نجوم تحقيق الفوز في رئاسة الوزارة، ربما في تحالف مع الأحزاب الشعبوية الأخرى، سوف يكون من غير الواضح من هو الشخص الذي سيمسك بمقاليد الأمور.
واستنادا إلى أية مصالح. ليست هنالك أية آليات رسمية ليواجه أعضاء الحزب تحدي زعامة كاساليجيو - ما يمنحه هو، إلى جانب جريلو - سلطة لا حدود لها.
شركة كاساليجيو أسوسياتي هي في الأساس شركة استشارات صغيرة خاصة بالتجارة الإلكترونية، تقدم المشورة للعملاء حول أفضل الاستراتيجيات التي ينبغي استخدامها من أجل زيادة المبيعات عبر الإنترنت. في عام 2016، خسرت مبلغ 48 ألف يورو على إيرادات، بلغت أقل من مليون يورو بقليل.
قدم فينيراندو مونيللو، محام قريب من الحزب الديمقراطي الحاكم، طعنا قانونيا ضد الهيكل الداخلي لحركة الخمس نجوم. "نحن لا نعلم ما هي العلاقات التي تربط ما بين شركة كاساليجيو أسوسياتي والبلدان الخارجية أو الشركات الأجنبية.
ونحن لا نعلم ما إذا كان يمكن أن يكون هنالك تدخل في الأنشطة السياسية للحركة من قبل أنشطة كاساليجيو التجارية".
رفض متحدث رسمي باسم كاساليجيو التعليق على الموضوع، لكن مسؤولي الحركة يستهينون بتلك المخاوف، ويقولون إن النموذج الرقمي لديهم - الذي يعني تكاليف عامة منخفضة وعدم وجود مقار - يعني أنهم أقل احتياجا للمال.
ويضيفون قائلين إن أي عيوب في المساءلة تتضاءل مقارنة بروابط جماعات الضغط التي تربط ما بين الأحزاب التقليدية.
تقول كارلا روكو، عضو البرلمان من حركة الخمس نجوم: "كيف يمكن التأثير علينا؟ فنحن نمارس السياسة من دون الحصول على أي مقابل مالي".
المركز العصبي لهيكل الخمس نجوم هو روسو – من بنات أفكار جيانروبرتو والمنصة الإلكترونية المسماة على اسم الفيلسوف الذي عاش في القرن الثامن عشر جان جاك روسو، الذي دافع عن الديمقراطية المباشرة بدلا من الديمقراطية التمثيلية.
من خلال منصة روسو، تختار حركة الخمس نجوم أعضاء الحزب، وتعقد تصويتا عبر الإنترنت بحثا عن مرشحين في كل الانتخابات، وتسمح للناس بالاقتراح والتعليق على التشريعات وتتلقى التبرعات. هذا العام، صوت الأعضاء أيضا عبر منصة الخمس نجوم للانتخابات المقبلة.
قال دانيلو تونينيلي، مشرع آخر في الحركة: "أقول هذا بتواضع كبير، لكن بحزم كبير أيضا: ليس هنالك أي شبيه لنا في العالم، لم يحاول أي أحد أبدا إيجاد مثل هذه الطريقة في تجميع الناس والأفكار مثلما فعلنا".
في الوقت الذي ربما يقلل فيه كاساليجيو من أهميته بالنسبة للحركة ككل، إلا أنه لا يمكنه فعل الشيء نفسه عندما يتعلق الأمر بمنصة روسو. هو رئيس منصة روسو وتتشارك شركته العنوان نفسه في ميلانو، رغم أنهما كيانان منفصلان قانونيا.
كما تشتمل قيادة روسو أيضا على اثنين من مساعدي دبفيد المهمين: بوجاني، عضو مجلس مدينة في بولونيا، وبيترو ديتوري، مدير وسائل التواصل الاجتماعي السابق في شركة كاساليجيو أسوسياتي.
حتى الآن، لدى منصة روسو نحو 140 ألف عضو مسجل فقط - من أصل ناخبي الخمس نجوم الذين يقدر عددهم بنحو تسعة ملايين ناخب في الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2013 - فالأشخاص الذين دخلوا الحركة قبل تموز (يوليو) من عام 2016، هم وحدهم من يمكنهم التصويت فيما يتعلق بقضايا الحزب.
يقول موظفو روسو إن هدفهم الوصول إلى مليون عضو، لكن التفحص عملية مكلفة وتحتاج إلى وقت طويل. يقول بوجاني: "لدينا الكثير من الطلبات، ويجب علينا التأكد من أنهم أشخاص حقيقيون".
يقول النقاد إن تحديد العضوية يساعد كاساليجيو على التقليل من المعارضة الداخلية قدر الإمكان. يقول ماسيميليانو باناراري، أستاذ الاتصالات في جامعة لويس في روما: "نحن لا نعرف أي شيء عن النقاش السياسي الداخلي، وأهم اللاعبين لديهم السيطرة الكاملة".
إذا كانت منصة روسو هي المحرك الرئيسي لحركة الخمس نجوم، فإن مدونة جريلو هي الأداة الرئيسية للاتصال. يقول الأستاذ باناراري: "إنها وسيلة لتجنيد المتعاطفين ولإجراء التوقعات، إنها أشبه بالميثاق الدستوري للحركة".
هنا أيضا، تظهر فجوات كبيرة في المساءلة. تدار مدونة جريلو من قبل موظفين في شركة كاساليجيو أسوسياتي، رغم أن طبيعة العلاقة التجارية غير واضحة.
من غير الواضح من هو الشخص الذي يقرر أي المنشورات ينبغي نشرها ومن يقوم بتنقيحها، وهو أمر اشتكى منه بعض المسؤولين في حركة الخمس نجوم.
في الوقت نفسه، تصمم مدونة جريلو الإعلانات من عدد من المصادر عبر إعلانات جوجل وغيرها من الوكالات الأخرى.
المواقع الأخرى - مثل تزي تزي، الذي ينشر أخبارا مؤيدة للحركة ومعادية للحكومة - تصمم الإعلانات أيضا ويتم إدارتها من قبل كاساليجيو.
على الرغم من أن سياستها الخارجية تميل بشكل واضح نحو الكرملين، فقد أجرى كبار مسؤولي الحركة اجتماعات مع كبار الشخصيات في حزب فلاديمير بوتين، إلا أنه ليست هنالك أية أدلة على تقديم التبرعات الروسية لحركة الخمس نجوم.
نشرت منصة روسو قائمة بأسماء المتبرعين، لكنها ذكرت فقط الأحرف الأولى من أسمائهم. يقول البعض إن المصدر الحقيقي للتمويل في حركة الخمس نجوم هو مال عام يبلغ عدة ملايين من اليوروهات، تحصل عليه مقابل أنشطتها البرلمانية في كل عام، لكن من غير الواضح ما إذا كان يمكن استخدام هذا المال في حملة الانتخابات العامة. صعود كاساليجيو في صفوف الخمس نجوم لم يلق ترحيبا منتظما من قبل الأعضاء العاديين في الحركة. هنالك فئة خالصة أكثر تطرفا في الحركة تشعر بالانزعاج من دعمه لدي مايو، الذي ينتمي للجناح الأكثر اعتدالا.
يعمل كل من الأداء المتعثر في استطلاعات الرأي والانقسامات الداخلية على دفع المزيد من جهود البحث عن الذات داخل صفوف الحزب، أكثر من أي وقت مضى منذ التأسيس، بما في ذلك الضغوط من أجل فرض المزيد من الديمقراطية الداخلية. يقول نيكولا بيوندو، مؤلف كتاب يسمى: سوبرنوفا: كيف تم قتل حركة الخمس نجوم؟: "هنالك عدد كبير فوق الحد من المجالات الغامضة، وعدد كبير فوق الحد من المشاكل التي لم تحل بعد، وعدد كبير فوق الحد من حالات تضارب المصالح. أتوقع أن نهاية قصة الحركة ستكون نهاية سيئة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES