ثقافة وفنون

«صاحب المعالي والسعادة».. المخاطبات الرسمية تزلف أم تأدب؟

يحفظ بالكتابة ما تعجز الأذهان عن حفظه واستظهاره، وتسهّل المكاتبات التواصل الدقيق بين الأفراد والمؤسسات. وتعدّ نصوص المكاتبات أجزاء من الأحداث الاجتماعية أو ممارسة اجتماعية تظهر لنا طبيعة التفاعل بين الناس عند الجماعة اللغوية الواحدة.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الألقاب التي تستخدم في المخاطبات الرسمية، التي تصدر عن مؤسسات الكثير من الدول أو ترد إليها من قبيل «صاحب المعالي أو صاحب السعادة» وغيرهما من الألقاب هي ألقاب الغرض منها تبجيل وتفخيم ذات الشخص المرسل إليه الخطاب، حيث تتقدم هذه الألقاب عناوينهم الوظيفية وأسماءهم.
فاللقب المكتوب في مثل هذه المخاطبات يمثل الصفة الوظيفية التي ينزلها هذا الشخص، وليست موجهة له هو بذاته؛ وإنما لمنزلته الوظيفية التي نعبّر عنها بهذا اللقب. والمقصود أن الخطاب موجه للمكان الوظيفي في الهيكل الإداري حيث ينزل في المكان الأعلى وبالتالي يُخاطب بالصفة الوظيفية التي هو عليها. ونلاحظ أن هذه الألقاب على الأغلب تنتمي لحقل دلالي واحد. والحقل الدلالي يعرف بأنه مجموعة من الكلمات ترتبط دلالاتها وتوضع عادة تحت لفظ يجمع معناها. والكلمات التي تستخدم عادة في المخاطبات الرسمية في بعض الدول تنتمي للحقل الدلالي الذي يحمل معنى المنزلة العالية. فالسمو من الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، والمعالي من العلوّ والارتفاع، والسعادة من الصعود والارتفاع، يقول ابن جني في باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني: "ومن ذلك قولهم صعِد وسعِد. فجعلوا الصاد- لأنها أقوى- لما فيه أثر مشاهَد يُرىَ وهو الصعود في الجبل والحائط ونحو ذلك. وجعلوا السين- لضعفها- لما لا يظهر ولا يشاهَد حِسّا إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجَدّ لا صعود الجِسم ألا تراهم يقولون: هو سعيد الجَدّ وهو عالي الجَدّ ارتفع أمره وعلا قَدْره. فجعلوا الصاد لقوّتها مع ما يشاهَد من الأفعال المعالَجة المتجشَّمِة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية".
يتحسس بعضهم من ألقاب التفخيم في مثل هذه المخاطبات ويرى أنها موروث ثقافي غير لائق. وهذا قد يصدق على استخدام الألقاب في غير محلها للتباهي والتفخيم لأشخاص لا يحملون صفة وظيفية تجعلهم ينزلون منزلة عالية يصدق عليها أوصاف العلو والارتفاع في الهيكل الإداري التنظيمي.
إن الخطاب اللغوي بشكل عام يمثل دائما واقعا ماديا أو واقعا اجتماعيا. وهذا الواقع الاجتماعي ينعكس في اللغة ويرسم لنا خريطة من العلامات أو الرموز التي تحيل إلى الواقع. ولو حاولنا نزع الألقاب الوظيفية التي ندبّج بها خطاباتنا الرسمية فإننا نجعل المخاطب في منزلة وظيفية مساوية لنا داخل الخطاب، وبذلك ننزع صفة التشكيل الإداري الذي يجعله في منزلة مرتفعة معها صلاحيات تكبر كلما ارتفعت المنزلة وكبرت الصلاحيات صرنا نستخدم في مخاطباتنا ألفاظا تدل على الارتفاع والاتساع أو الضخامة والتعظيم.
ومن أبرز النماذج على ذلك مخاطبات الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ للأمراء والملوك: "بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط"، "إلى كسرى عظيم فارس"، "إلى هرقل عظيم الروم". فالخطاب هنا ليس لذات الشخص وإنما لمكانته الوظيفية من شعبه وهي مكانة عظيمة بالفعل، حيث تمثّل هذه المكانة أمّة بكاملها. وهنا وصف العظمة والفخامة ليس من باب التزلف بالألقاب، وإنما من باب انعكاس حقيقة الواقع على الخطاب. لأن الخطاب هنا ليس بين (أنا) و(أنت) وإنما بين (نحن) و(نحن)، والعلو الذي ينزله المخاطب هنا من علو الأفراد الذين هم في نطاق مسؤوليته والمكلف بتنفيذ وتحقيق مطالبهم في نطاق صلاحياته، حيث يدخل كل فرد من هؤلاء الأفراد في تشكيل ذات المخاطب. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يرتفع المخاطب لهذه المنزلة بدونهم، إذ ليس المهم لمن يتوجه إليه الخطاب، بل بالعالم الذي يحيل إليه الخطاب.
إننا حين نستفتح الخطاب بالألقاب التي تدل على العلو والارتفاع فنحن إذ نذكّر المُخاطب بصفته الوظيفية التي جعلته يستقبل مثل هذا الخطاب. وبذلك نضعه في مكانه الإداري الذي يجعله مؤهلا ومكلّفا بمعالجة ما يطلب منه في محتوى الخطاب. فاللفظ في ظاهره أسلوب بالغ التهذيب قد ينفر بعضهم منه ويراه تقديسا وتبجيلا في غير محله وهو في الحقيقة مجرد أمر صادر من جهة دنيا في الهيكل الإداري أو التنظيمي إلى جهة عليا هي مسؤولة عن معالجة أو تنفيذ محتوى الخطاب.
استخدامنا للغة في الخطابات الرسمية وغير الرسمية ينبني حسب ما توحي به إلينا ممارساتنا المجتمعية الفعلية. وهذا الاستخدام لا يخص تسمية الأشياء أو ألقابها فقط، بل يسري ذلك على جميع المفاهيم وكيفية تصورنا باللغة عن العلاقات الزمانية والمكانية. إن اللغة التي نستخدمها تعكس تصورنا للعالم وتمثّل تجربتنا الحسية التي نعيشها في الواقع. لكن هل يمكننا أن نصنع باللغة تصورات جديدة نستطيع بها تغيير واقعنا أو خلق تصور جديد للعالم؟
هل يوجد خطاب من نوع آخر يصوّر المنظومة الإدارية على أنها تستند إلى العمل في فريق يستبعد التراتبية ولو بشكل نسبي؟. أي تعديل أو تغيير في منظومة العمل الإداري لا يمكن أن يتم في الخطاب اللغوي فقط بمعزل عن مواضع الأجساد وحركتها في العالم الفيزيائي. وإحدى مراحل ترسيخ مبادئ منظومة إدارية جديدة يكون باستخدام لغة خطاب جديدة يتموضع فيه كل عضو من أعضاء الفريق الإداري في الخطاب ويتصرف وفق هذا التشكيل الجديد.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون