ثقافة وفنون

بناء العالم.. التاريخ لا يقول وداعا بل سأراكم لاحقا

كتب الروائي إدواردو غليانو في "مرايا: ما يشبه تاريخا للعالم" مقطعا معبرا، يختم به سردية طويلة عن تطور الحياة، واصفا ما آلت إليه الأوضاع في مسار تقدم التاريخ الإنساني الممتد، بقوله: "... بعيدا جدا صارت الأزمنة التي كنا نمضي فيها على غير هدي، بلا بيت ولا وجهة. نتائج الحضارة كانت مذهلة، حياتنا صارت أكثر أمانا، ولكنها أقل حرية، وصرنا نعمل لساعات أطول".
بمزيد من التوضيح، مشوب بكثير من التشاؤم والخوف من المستقبل الغامض، يتحدث الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري، في كتاب له بعنوان "نظرات على عالم اليوم"، عن التقدم قائلا: "لا نعرف سوى التفكير في التحولات المذهلة التي تحدث من حولنا، وحتى فينا، سلطة جديدة، جينات جديدة، لقد أصبح العالم يجهل، أكثر من أي وقت مضى، إلى أين يسير بالضبط؟".
بعيدا عن أي اعتبارات أخلاقية، سياسية أو جمالية، اتضح أن التقدم الإنساني يُختزل في النمو المتسارع والملحوظ للقوة الميكانيكية القابلة للاستعمال من طرف البشر، وفي الدقة التي يمكنهم بلوغها في تنبؤاتهم. دون أي مبالاة بما تستهلكه هذه الميكانيكا (المحركات) على اختلاف أنواعها وأشكالها، وما يُستنزف من الموارد والاحتياطات في مختلف بقاع العالم.
لدرجة أضحى معها أصغر شارع في أي مدينة كبيرة، يعمل ويهتز كما لو أنه مصنع طيلة اليوم. قبل أن يتحول في الليلة إلى مهرجان للأضواء، كنوز من نور تعكس أمام الأنظار شبه المنبهرة قدرة على التبديد المفرط أو السخاء المدان. ألا يكون هذا التبذير المسرف قد تحول إلى ضرورة عمومية ودائمة؟
ما أن هدأت فورة التقدم الإنساني، منتصف القرن الماضي؛ جراء تواتر الأطاريح، أو بالأحرى الأساطير، المؤسسة لفلسفة النهايات، حتى انطلق الجموح البشري من جديد مع الثورة التكنولوجية، في الربع الأخير من ذات القرن بقوة أكبر. وبذلك يوقِن المشككون يقينا مطلقا من صوابيّة مقولة أن "التاريخ لا يقول وداعا أبدا، التاريخ يقول سأراكم لاحقا".
وكان له ذلك، حين عاد من جديد حاملا معه بشائر التقدم التكنولوجي بصيحاته المتلاحقة، حتى بلغنا اليوم تكنولوجيا الذات التي تعد الأشد سطوة وبأسا؛ إذ لم تتعرض الإنسانية لمثلها من ذي قبل. ومن الواضح أنه ينبغي عليها التعامل معها بحذر، لأنها تقوم بتعديل مهم وملموس في المجالات والممارسات والأسس التي فيها وبها يتم تشكيل الأفراد.
يكفي دليلا في هذا الشأن، أن نشير إلى إحصائيات صادمة وحديثة جدا، أوردها الأكاديمي بجامعة أوكسفورد لوتشيانو فلوريدي؛ المتخصص في أخلاقيات المعلوميات، في كتابه "الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني" عن التطور المتلاحق لعدد الأجهزة المتصلة بشبكة الإنترنيت لكل فرد، حيث حُدد الرقم بداية في 0,08 عام 2003، ثم انتقل إلى 1,84 عام 2010، قبل أن يتضاعف في ظرف خمس سنوات فقط، ليُسجل 3,47 سنة 2015. ومن المتوقع أن يبلغ 6,58 في عام 2020. وقد علَّق لوتشيانو على ذلك بقوله: "ستبدو الاتصالات العالمية على كوكب الأرض لمؤرخي المستقبل ظاهرة غير إنسانية، إلى حد بعيد".
حقا إنها كذلك، ألم يقل إريك شميت أحد العقول الثلاثة المؤسسة لإمبراطورية جوجل، في أحد هوامش مؤلفه "تشبيك العالم": "إننا نعلم أن الإنترنيت إحدى الأدوات القليلة التي لم نفهمها. على رغم أننا مخترعوها. هذه الحقيقة تسري على الأسلحة النووية والطاقة المكتسبة من البخار والتيار الكهربائي أيضا".
ويضيف في مقدمة ذات الكتاب، بأسلوب ساخر ينتشي بما حققه التطور التكنولوجي من تقَدُم "الإنترنيت ليست آلة ملموسة، ليست اختراعا يمكننا تحسسه باليد. لكنه، وعلى رغم هذا، يخضع لعملية تغييرات مستمرة عبر الزمن، ففي كل ثانية تمر تزداد الإنترنيت اتساعا وتغدو أكثر تشعبا. وتتوفر الإنترنيت على طاقات تمكنها من أن تسفر عن تقدم عظيم من ناحية، وعن ضرر فادح من ناحية أخرى، علما أن هذا الموضوع –الذي يحظى باهتمامنا في اليوم الراهن – لا يزال في بداياته الأولى. إن الإنترنيت أكبر تجربة فوضوية عرفها التاريخ. فعالم الاتصال المباشر بالويب، هذا العالم، الذي يستخدمه ملايين من بني البشر من أجل إنتاج أو استهلاك معلومات رقمية، يكاد يكون بلا قوانين تنظمه».
إذا كان التقدم في بداية القرن– الميكانيكا- قد شكل خطرا على محيط عيش الإنسان؛ أي على كوكب الأرض، بما حمله معه من استنزاف للموارد وتلويث للبيئة وتغيير للمناخ... إلى آخره من المشاكل التي أصبحنا أسرى تهديداتها، فإن تقدم نهاية القرن– التكنولوجيا- بات يشكل خطرا على الإنسان في ذاته، أي الإنسان ككيان واع، لما تلحقه هذه التكنولوجيا من تأثيرات على بناء الإنسان.
يحكي الروائي البرازيلي باولو كويلو في إحدى روائعه قصة من بين ما جاء فيها: "كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته.. وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة، كانت تحوي خريطة العالم، ومزقها إلى قطع صغيرة، وقدمها لابنه، وطلب منه إعادة تجميع الخريطة، ثم عاد إلى قراءة صحيفته.. ظانا أن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم معها.. إلا أنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الابن إليه، وقد أعاد ترتيب الخريطة! فتساءل الأب مذهولا: "هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا"؟! رد الطفل قائلا: "لا.. لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان.. أعدت بناء العالم".
ربما تكون عبارة الطفل "عندما أعدت بناء الإنسان أعدت بناء العالم" عفوية إلى أقصى الحدود، لكن ذات معنى عميق في واقع الإنسانية الغامض والفوضوي معا. وعليه نتساءل على لسان طفل كويلو: هل التقدم الإنساني اليوم يعمل على بناء الإنسان... ما يعني بناء العالم؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون