وقفات مع نظام الجامعات الجديد «4»

|

لعلي في المقالات الثلاثة السابقة وقفت وقفة واحدة لكل حلقة. لذا لعلي في هذا الجزء أكتفي بذكر إشارات سريعة، وأختم الحديث حول مسودة مشروع نظام الجامعات.
الوقفة الرابعة: الفصل الثالث من تنظيم الجامعات مخصص لتنظيم مجلس الأمناء "من المادة الـ13 إلى الـ18"، يعتبر مجلس الأمناء من أهم ما يميز نظام الجامعات الجديد. هذا المجلس سيكون بمثابة الجهة التشريعية لكل جامعة. الغاية من هذا المجلس نبيلة وهي إيجاد توازن في صناعة القرار بين مجلس الجامعة كجهة تنفيذية وبين دور مجلس الأمناء كجهة تشريعية وتحقيق ما يعرف بـcheck and balance في صناعة القرار.
لذا سيكون التحدي الأكبر في مدى فعالية مجالس الأمناء، ومدى إسهامها في دعم الجامعات بصورة إيجابية، الخوف أن يكون دورها شكليا ولا يحقق التوازن المطلوب بين الجهات التشريعية والتنظيمية والتنفيذية.
في اعتقادي أن مجالس الأمناء ستكون بمثابة حجر الزاوية لمستقبل الجامعات، ومدى قيامها بدورها لتحقيق توازن في صناعة القرار.
واقع البيئة الأكاديمية الحالية يجبرنا على أن نكون أقل تفاؤلا بمستقبل وحيادية مجالس الأمناء مستقبلا. ويجعلنا نتوجس من أن تتحول مجالس الأمناء إلى مجالس شكلية غير فعالة، أو تصبح حجر عثرة ومعيقا من تحقيق الجامعات أهدافها التنموية. تجاربنا الحكومية التي لديها مجالس أمناء لم تكن إيجابية. فمثلا على مستوى المؤسسات الحكومية لم تكن تجربة مستشفى الملك فيصل التخصصي إيجابية بعد أن تم تحويله إلى مؤسسة عامة، والكلام ينطبق أيضا على شركات القطاع الخاص كـ"الدوائية" و"موبايلي" وغيرهما. لذا فالتعويل على مجالس الأمناء بأنها ستحقق توازنا في صناعة القرار قد لا يكون حكيما لأن بعض مجالس الأمناء أسهمت في زيادة التضخم الإداري وزيادة المحسوبيات والفساد بشكل عام.
كما أن أداء مجالس الأمناء سيعتمد مستقبلا بشكل كبير على من تولى قيادتها داخل الجامعات؛ لذا قد يختلف أداء مجالس الأمناء بناء على اختلاف القيادات التي تتولاها ومدى كفاءتها. هذه الأمر سيتسبب في إيجاد تباين كبير بين الجامعات بناء على قوة وفعالية مجلس الأمناء لكل جامعة.
الوقفة الخامسة: يفتقد مشروع تنظيم الجامعات التكامل في تحقيق الحوكمة بصورة شمولية وكاملة. فمثلا من سيتولى تقييم أداء مجلس الأمناء؟ وكيف سيتم التكامل والتوازن بين دور مجالس الجامعات ومجالس الأمناء ومجلس شؤون الجامعات؟
فمثلا على الرغم من تميز الخطة المستقبلية للتعليم الجامعي "آفاق"، لكن ظل محور الحوكمة فيها ضعيفا.
أعتقد أن مسودة نظام الجامعات في حاجة إلى إعادة صياغة لدعم محور الحوكمة والتأكد من شمولية التشريعات الخاصة بها.
الوقفة السادسة: تمت الإشارة إلى الاعتماد الأكاديمي بصورة سريعة وعامة، وتمت الإشارة إلى ذلك في سياق سرد مهام الأمانة العامة لمجلس الجامعات التي من ضمنها متابعة التزام الجامعات بمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي، لكن لم يذكر ما الدوافع والمحفزات التي ستجنيها الجامعات حال التزامها بمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي؟ وما التبعات السلبية التي قد تخسرها الجامعات حال عدم التزامها بهذه المعايير؟
على المستوى الدولي نجد أن بعض تجارب الدول نجحت في ربط الدعم المالي الذي تتلقاه الجامعات من الحكومة بمدى التزامها بمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي. الخوف أن يكون الاهتمام بالجودة أقل بسبب محدودية ميزانيات الجامعات مستقبلا واعتمادها بشكل جزئي على إيراداتها. فمثلا من التحديات ألا تلتزم بعض الجامعات بمعايير الجودة بسبب محدودية ميزانياتها مستقبلا كالمعايير المرتبطة بالعدد الأقصى للطلبة في الفصل، ونسبة الطلبة لعدد أعضاء هيئة التدريس وغيرها.
الوقفة السابعة: لم يركز التنظيم على الطالب على الرغم من كونه محور العملية التعليمية إلا في مادة تتعلق بتأسيس مجلس استشاري للطلبة ويرأسه وكيل الجامعة للشؤون التعليمية، كان الأولى أن يكون للطالبات أيضا مجلس يرتبط بمجلس الأمناء من أجل دعم إيجاد تشريعات مستقبلية تسهم في دعم حقوق الطلبة في الجامعات.
كما لم يتم التطرق إلى تنظيم الجامعات الجديد لمكافأة الطلبة، فمن سيتولى تنظيمها؟ هل سيكون مجلس شؤون الجامعات، أم مجلس الأمناء، أم مجلس الجامعة؟ في اعتقادي أن المكافأة يجب أن تربط بأداء الطالب، فالطالب يمكن أن يحصل على مكافأة تتجاوز ألفي ريال إذا كان أداؤه مميزا ومتفوقا، ويمكن ألا يحصل على مكافأة إذا كان أداؤه ضعيفا.
الوقفة الثامنة: تفتقد لائحة مشروع نظام الجامعات التركيز على تعزيز الهوية الوطنية على الرغم من أن من أهم محاور "رؤية المملكة 2030" محور "وطن طموح ومواطنه مسؤول".
فمشروع نظام الجامعات لم يشر إلى أي هدف من أهدافه بجوانب تتعلق بتعزيز المواطنة والحماية الفكرية لطلبة الجامعات على الرغم من أن من أهم واجبات وزارة التعليم تعميق الهوية الوطنية وحماية الشباب والناشئة من الأفكار المنحرفة. والغريب أيضا أن برنامج التحول الوطني 2020 الخاص بوزارة التعليم لم يسلط الضوء على جوانب مرتبطة بجوانب تعزيز المواطنة أو يضع معايير لقياس مدى دور التعليم في تعزيز المواطنة الصالحة.
أعتقد أن نظام مشروع الجامعات يفتقد الإشارة لما من شأنه تعزيز الهوية الوطنية وحماية الشباب من الأفكار المتطرفة خصوصا الفكر الداعشي والإخواني. ولعل المطلع على واقع الجامعات يعرف أهمية تعزيز هذا المحور لدى طلبة الجامعات ومنسوبيها. هذه الوقفة في حاجة إلى تفصيل قد لا يكون كتابة المقال المنبر الصحيح لذكر تفاصيلها.
لا أزعم أني في هذه المقالات الأربعة وقفت حول كل القضايا المهمة ولكنها إشارات تدل على أهمية إعادة دراسة المشروع قبل إقراره. ولعل بعض الزملاء تناول محاور أخرى ما كفاني عناء الإشارة إليها، فضلا عن إسهاب الحديث عنها.
ختاما، أجدد شكري لوزير التعليم على إتاحته الفرصة للمختصين لإبداء مرئياتهم حول هذا النظام. ولعل طرح مسودة مشروع تنظيم الجامعات للنقاش قبل إقراره يدل على رغبة صادقة من قبل وزير التعليم في ضمان انعكاس هذا التنظيم إيجابيا على مستقبل التعليم الجامعي..

إنشرها