FINANCIAL TIMES

ثيلر .. شخص كسول حصل على جائزة نوبل

أفضل شيء عن ثيلر، وهو ما يجعله شخصا مميزا حقا، أنه شخص كسول. هكذا قال عنه دانيال كانيمان، الحائز على جائزة نوبل التذكارية في العلوم الاقتصادية عام 2002. كان البروفيسور كانيمان يتحدث عن ريتشارد ثيلر، الذي حقق الإنجاز نفسه بعد 15 عاما من ذلك التاريخ. المشرف على أطروحة البروفيسور ثيلر، الخبير الاقتصادي شيروين روزين، قالها بشكل مختلف: "لم نكن نتوقع الكثير منه".
القصة التي تبين كيف فاز رجل كسول لم تكن تظهر عليه علامات النجاح بجائزة نوبل التذكارية ربما لا تقل أهمية عن إنجازاته التي جعلته يفوز بالجائزة. إعلان نوبل اعترف بعمل البروفيسور ثيلر بسبب "إسهاماته في علم الاقتصاد السلوكي". لكن هناك طريقة أخرى لوصف الطريقة التي أعاد فيها تشكيل الاقتصاد: أقنع مجموعة كبيرة من الأشخاص الناجحين الذين لديهم وجهة نظر قوية بشأن العالم بأن يغيروا أفكارهم.
ماذا كانت وجهة النظر؟ لتبسيط الأمور أكثر، وجهة النظر تنص على أننا جميعا، مثل سبوك (شخصية خيالية)، عقلانيون متفائلون، قادرون على أن نستبدل فورا الخطر بالمكافأة، وأن نعيد التوازن إلى خطة الإنفاق في مواجهة تغير الأسعار، وأن نقاوم الإغراءات، مثل كعكة الشوكولاته، أو القروض على الراتب.
بالطبع، لم يحدث أن صدق أي خبير اقتصادي مثل هذه الآراء. لكن على مدى عدة عقود، كان معظم خبراء الاقتصاد يرون أن حالات الخروج عن عالم سبوك (بنصائحه المثالية) كانت ضئيلة جدا، ونادرة جدا، وعشوائية جدا بحيث يمكن تجاهلها. البشر لا يتصرفون بحسب نصائح سبوك، مع ذلك عند بناء النماذج الاقتصادية وصياغة السياسات الاقتصادية، نستطيع أن نعامل البشر وكأنهم يتصرفون بصورة مثالية.
هذا النهج ليس سخيفا كما قد يبدو. بل هو نهج مرن وقوي ومتسق. وغالبا ما يكون قريبا جدا من الواقع على نحو يجعله مفيدا. البروفيسور ثيلر نفسه قال لي: "إن كنت تريد نظرية موحدة للسلوك الاقتصادي، فإن أفضل ما لديك هو الأنموذج الكلاسيكي الجديد".
قوة النهج الكلاسيكي الجديد جعلت من الصعب تحديه. لم يكن البروفيسور ثيلر أول حائز على جائزة نوبل يعمل خارج إطار ذلك الأنموذج – هناك آخرون من بينهم موريس أليس، وهيرب سايمون، وتوماس شيلينج. مع ذلك لم يتمكن أي من هؤلاء، رغم عملهم الذي يدعو إلى الإعجاب، من تحويل مسار الفكر الاقتصادي الرئيسي ليخرج عن إطار قناة التفكير العقلاني الأمثل، المطروقة باستمرار. البروفيسور ثيلر هو من حوّل القواعد التي يتم من خلالها ممارسة الاقتصاد، سواء في الأوساط الأكاديمية أو في عالم السياسة.
يحظى علم الاقتصاد السلوكي الآن باحترام في أماكن مثل المجلة الاقتصادية الأكاديمية "أمريكان إيكونوميك ريفيو" والبنك الدولي. سواء كنت تعتقد أن الاقتصاد السلوكي مهم أم لا، تعتبر هذه قضية تستحق الدراسة من حيث كونها إنجازا كبيرا لإقناع الناس بتغيير أفكارهم وآرائهم.
إذن، كيف أنجز ذلك؟ يمكننا جميعا أن نستفيد من معرفة الجواب عن هذا السؤال، لأن العالم مليء بالأشخاص من ذوي التفكير العنيد الذين هم بحاجة إلى أن تحملهم على الاقتناع بتغيير آرائهم ووجهات نظرهم حول الأمور المهمة.
جزء من القصة هو ببساطة القدرة على الاستمرار: نُشر البحث الأول للبروفيسور ثيلر حول الاقتصاد السلوكي في عام 1980، وكان يتحدث عن هذا الموضوع لفترة زمنية طويلة.
الأمر الأكثر أهمية هو أن البروفيسور ثيلر كان يفهم جيدا ما كان ينتقده. من السهل جدا مهاجمة من نختلف معهم في الرأي حين نكون مستندين إلى فكرة ضبابية للغاية بخصوص ما يعتقدون، والسبب في تبني ذلك الاعتقاد. لكنه أدرك تماما السبب في تبني زملائه من الخبراء الاقتصاديين مبدأ العقلانية، والحجج (السيئة والجيدة) التي استخدموها للدفاع عن ذلك. انخرط البروفيسور ثيلر بكل صدق وتدبُّر مع التيار الرئيسي في علم الاقتصاد.
أما أسلوبه الثالث فكان يتمثل في النظر إلى الحقائق - ليس فقط الإحصائيات الذكية، بل الحقائق اليومية المتعلقة بالوجود البشري. نجد من الصعب مقاومة وجبات الطعام السريع. ونقسم المال إلى حسابات ذهنية منفصلة - مال للحالات الطارئة، وميزانية للترفيه، ومال لشراء الطعام، ومال لشراء الملابس. بعد التوصل إلى اتفاق بشأن تلك الحقائق، انتقل إلى القول إنها ربما تكون حقائق مهمة.
أخيرا، استثار البرفيسور ثيلر حس الفضول لدى الناس. سلسلته الموجودة منذ زمن طويل "حالات الشذوذ"، التي نشرت في المجلة الأكاديمية المنتشرة على نطاق واسع "جورنال أوف إيكونوميك بروسبيكتيفس" غالبا ما تبدأ بلغز - نوع من أنواع السلوك أو نمط في البيانات ليس له معنى بكل بساطة من وجهة نظر التيار الرئيسي. ومن ثم يدرس اللغز، ويعمل على توسيعه، ويدرس عدة حلول ممكنة.
من الممكن أن يتحدث خبراء الاقتصاد حول تلك الحالات الشاذة في مقاهي الجامعات ـ ويرسلون اقتراحاتهم، بناء على دعوة من البروفيسور ثيلر. بدلا من أن يخبر خصومه بأنهم مخطئون، كان البروفيسور ثيلر يقدم لهم معضلة ويدعو الجميع لمناقشتها معا. أحد منتقديه، الخبير الاقتصادي الكبير، ميرتون ميلر، من جامعة شيكاغو، اقتصر دوره على الشكوى من أن الحالات الشاذة التي يتكلم عنها البروفيسور ثيلر هي تشتيت عن النمذجة الجادة لأنها كانت حالات مثيرة للاهتمام فوق الحد.
الأمر الذي يعيدنا مرة أخرى إلى كسله، اعتقد البروفيسور كانيمان أن كسل البروفيسور ثيلر جعل منه شخصا "مميزا" لأن ذلك يعني أنه لن يضطر إلى العمل في المسائل الأكثر إثارة.
ربما. لكن ربما تكون الحقيقة هي أن الكسل ليس أمرا مميزا على الإطلاق. أدرك البروفيسور ثيلر أن معظمنا أشخاص كسولون. معظمنا لا يريد التفكير مليا في معتقداتنا، أو التحديات التي تقف في وجهها. الحل في رأيه يكمن في التأكد من أن تلك التحديات هي ببساطة مثيرة فوق الحد على نحو لا يمكننا معه أن نتجاهلها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES