FINANCIAL TIMES

إسبانيا بين صدام مفهومي السيادة والحكم الذاتي

معظم دول اليوم نشأت من انحلال الإمبراطوريات. القومية الآن تهدد بانحلال الدول. تمثل حركة الاستقلال في كتالونيا صداما بين ما يبدو طلبا معقولا من أجل تقرير المصير على الصعيد الوطني، وحقيقة سيادة الدولة الإسبانية.
ومع أن من المريح أن نتظاهر بخلاف ذلك، إلا أن هناك حقا لدى كل جانب من الجانبين. هناك فكرة عادية خطيرة - ربما أكبر تهديد للمؤسسات الديمقراطية - وهي الاعتقاد المتزايد أن هذه النزاعات يمكن أن تسوى عن طريق تصويت شعبي بسيط.
إذا كانت أغلبية من أهل كتالونيا، أو حتى أية مجموعة وطنية أخرى، تؤيد إعلان استقلال إقليم ما عن طريق الاستفتاء، فإن الإرادة الشعبية يجب أن تسود. وبالتالي، فإن الاستفتاءات هي أعلى شكل من أشكال الديمقراطية.
التاريخ سجل في كثير من الأحيان بأنها طريق إلى الاستبداد – أو أداة للسياسيين الذين يلعبون بعواطف العامة والديكتاتوريين، على حد قول مارجريت تاتشر البريطانية.
الحرية تستند إلى سيادة القانون، والديمقراطية حول الضمانات للأقليات، ولا يمكن للدول أن تكون إلى الأبد تحت رحمة التجزؤ. هذه ليست أشياء يمكن إلغاؤها بسبب نزوة شعبية.
هذا هو السبب في أن لدينا دساتير، مكتوبة أو غير مكتوبة، لتكريس الحريات الأساسية في عقد بين المواطن والدولة. وهذا هو السبب في أن أي جزء وارد في هذه الدساتير هو قواعد للتعديل، قد تتطلب أكثر من 50 في المائة من الأصوات، إما ضمن البرلمان أو حتى عبر الاستفتاء، أيا كانت أداة الاقتراع. إضافة إلى واحد في مرحلة زمنية معينة. هناك أسباب وجيهة لتنصل الجمهورية الاتحادية الألمانية من الاستفتاءات الوطنية.
يعتقد عموما أن الرئيس الأمريكي السابق وودرو ويلسون كان يؤمن بأن حق تقرير المصير هو مبدأ حاكم في العلاقات الدولية. وأصبح خطابه "المكون من 14 نقطة" في ختام الحرب العالمية الأولى، نصا مقدسا للذين يسعون إلى الحكم الذاتي.
طالب ويلسون بالسيادة للدول التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، وضمانات لدول البلقان ودولة للبولنديين. وفي بلدان أخرى، ينبغي أن تكون الحدود أكثر اتساقا مع الأعراق.
هذه مجموعة معينة من المقترحات وضعت لتتناسب مع مجموعة معينة من الظروف - كانت الولايات المتحدة انتقائية ومهتمة بإعادة رسم الخريطة بما يناسب مصلحتها – وأصبحت كالنقش في الحجر.
على أن الذي حدث هو أن هذه العبارة الشهيرة لم تظهر في خطاب ال 14 نقطة فحسب، بل كان العالم كان يدخل عصر إنهاء الاستعمار، ويبدو أنه مبدأ جيد مثل غيره من المبادئ بالنسبة لعصر الأمم.
وكما هو الحال مع كل قانون من المفترض أنه غير قابل للتغيير، فإن الانفصال لكل مجموعة تطالب بأن تحصل على مكانة "الأمة" لا يناسب كل ظرف من الظروف.
ويلسون وضع ذلك، من باب توخي التوازن، بمنزلة وعد بأن عصبة الأمم الجديدة ستضمن سيادة الدول.
لا يزال التوتر مستمرا، حيث إن الأمم المتحدة مثقلة الآن بالدور المزدوج المتمثل بالوصاية على الوضع الراهن الإقليمي وحق تقرير المصير الوطني.
في بعض الأحيان يمكن أن يدار الإجهاد من خلال الاتفاق. والفهم الذي تقوم عليه المملكة المتحدة هو أن الاتحاد يعتمد على موافقة الأجزاء المكونة له.
وتنقسم السيادة بين وستمنستر والبلدان. عندما صوت الاسكتلنديون في استفتاء الاستقلال، فعلوا ذلك مع مباركة من بقية المملكة المتحدة.
على أن ما حدث عند ضم روسيا بزعامة فلاديمير بوتين لشبه جزيرة القرم يروي قصة مختلفة. وصفه بوتين بأنه عمل من أعمال تقرير المصير - يقال إن شعب القرم أيد الغزو الروسي في استفتاء لاحق.
ينظر معظم الديمقراطيين إلى الضم بما هو عليه فعلا - وهو عمل عدواني مسلح ينتهك سيادة أوكرانيا ويشكل تحديا للنظام الأوروبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث إن الحدود المذكورة لا يمكن انتهاكها، إلا من خلال الاتفاق.
إذا اتخذنا خطوة أخرى على الطريق الذي يسلكه بوتين فإن تقرير المصير يؤدي إلى التطهير العرقي.
تجلس كل اسكتلندا وشبه جزيرة القرم على طرفي نقيض من الطيف. الحالات الصعبة موجودة في الوسط، عندما يصطدم طلب معقول بالانفصال من جانب إحدى المناطق مع الحقوق التي يفرضها مواطنو الدولة الأكبر حجما. دستور مدريد في فترة ما بعد الفاشية، الذي أقر عند نشره من قبل الشعب الإسباني في الأقاليم كلها، بما في ذلك كتالونيا، يستثمر السيادة في شعب إسبانيا.
لا يمكن لأهل كتالونيا التصويت لمصلحة الانفصال دون التأثير على المواطنين الإسبان في قشتالة أو الأندلس.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES