ثقافة وفنون

الهُوية الأوروبية .. الأسطورة المفقودة

تفرض الأحداث السياسية من جديد على أجندة النقاش العام في القارة الأوروبية سؤالا إشكاليا مؤرقا، لم يتجرأ على الخوض فيه؛ بموضوعية وحياد، سوى قلة من المفكرين، ممن وجدوا أنفسهم يغردون خارج سردية الإجماع الأوروبي. إنه سؤال الهوية الأوروبية التي صنعت قسرا، لضمان استمرارية الوحدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي في أوروبا.
تواجه أوروبا اليوم، إلى جانب أزمتها الاقتصادية، ومشاكلها السياسية (مسألة اللاجئين، الانسحاب البريطاني، الإسلاموفوبيا، الإرهاب ...) أزمة هوية هي الأشد منذ نهاية الحرب الباردة. وفي محاولة لفهم إشكالية الهوية الأوروبية الجامعة في مواجهة الهويات الإقليمية و/أو القومية، لا مفر من العودة إلى تاريخ أوروبا، وما يحتويه من ديناميات صاغت ما درجنا على تسميته اليوم «القيم الأوروبية»، التي تستند إليها جميع محاولات بناء هوية أوروبية موحدة.
عودة نذكر فيها بأطروحة المؤرخ البريطاني الكبير إيريك هوبزباوم، الذي فضح السردية المتداولة «الذات الأوروبية» المثالية؛ حين أكد في السنوات الأخيرة من حياته على التشكيك في مشروع الكيان السياسي الأوروبي الموحد، فهو في نظره "ليس سوى رد فعل عابر على حروب القرن العشرين الكبرى".
تاريخيا، لم تشهد أوروبا أي وحدة فعلية قبل إنشاء الاتحاد الأوروبي، ما يعدم أي جذور تاريخية مباشرة للوحدة الحالية. فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، مرورا بقيام الدول القومية - الثورة المزدوجة؛ أي الثورة الصناعية في بريطانيا، والثورة السياسية في فرنسا - وصولا إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تكن لأوروبا أي هوية مشتركة بحسب هوبزباوم. وحتى من يرى بأن أوروبا وجدت هويتها الضالة في «الإرث المسيحي» يرتكب مغالطة تاريخية، إذ إن المسيحية لم تكن يوما عاملا كفيلا بتوحيد الأوروبيين.
يجد هذا الطرح ما يعضده في الوعي الذاتي الأوروبي المتأخر؛ حيث لم يدرك هؤلاء الحاجة إلى أوروبيتهم إلا عند مواجهة الغير، وتحديدا الآخرين في العالم الجديد. تلك هي الحقبة التي ظهرت فيها صفة «أوروبي» كمصطلح سياسي، ولا تزال الحال كذلك حتى اليوم.
لكن المثير حقا عجز كل مساعي التوحيد والتوليف، على فرض هوية "أوروبية"، فلا أحد يعرف عن نفسه اليوم، لدى سؤاله عن هويته، بأنه أوروبي. ما يعني بكلل بساطة أن الدولة القومية لا تزال تمثل أساس الهوية، وكل منها يجاهر بجذور اثنية ولغوية وثقافية وتاريخية تميزها عن سواها.
يعمق الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل هناف نقاش "الهوية الشقية"، بتعبير الكاتب الفرنسي/البولندي آلان فينكلكراوت، حين يضيف إلى ما طرحه هوبزباوم أسئلة حول "نقص في الهوية" بقوله: "يمكن لكل شخص في أوروبا أن يسمي نفسه أوروبيا، لكن لا أحد يمكنه الحديث عن الوطن أوروبا أو الأمة أوروبا". إن أوروبا برأيه ليست أمة، وليست انتماء، وإنها لم ولن تستطع أن تتحول إلى بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو إندونيسيا.
أما المفكر والمحلل النفسي الإيطالي سيرجيو بينفينيتو، فيكتب قائلا: "من الواضح جدا أن التقدم في الوحدة الأوروبية، لم يقدنا إلى وحدة سياسية وثقافية. ففي إيطاليا لا تعرف سوى أقلية من الناس أسماء البلدان التي تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وعدد تلك التي اعتمدت اليورو عملة لها إلخ (...) لا يوجد شيء اسمه وطنية أوروبية، حتى وإن كنت أنظر إلى نفسي كمواطن أوروبي".
إن "لعنة الهوية" تتجاوز المستوى القومي أو الوطني لتمتد على ربوع القارة العجوز، حتى إن اختلفت التعبيرات التي قد تتخذها تلك الأزمة ما بين المجال السياسي والاجتماعي. وهنا لا يتردد الكثيرون في التأكيد على أن مشكلة الاتحاد الأوروبي راهنا، تكمن فيما يطلقون عليها بـ"الأيديولوجية الأوروبانية" التي تسعى قوى بروكسل جاهدة إلى تكريسها، بالرغم من عدم توافر الأرض الخصبة لها، الأمر الذي بدأ بإنتاج رد فعل عكسي. وخصوصا مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية، وغياب التوافق الأوروبي حولها.
إن مساعي الانفصال بإقليم كتالونيا خير مثال على الشرخ الهوياتي العميق داخل الاتحاد الأوروبي، فبعد أزيد من ثلاثة عقود للمملكة الإسبانية في أحضان الاتحاد الأوروبي، لم تتمكن "الهوية الأوروبية" من تخفيف منسوب الشعور القومي بالتميز والاستقلالية لدى أبناء منطقة كتالونيا، فبالأحرى إذابتهم بشكل كلي في بوثقة المجتمع الإسباني.
إذا كان هذا واقع الحال في إسبانيا التي ذاق مواطنوها ثمار الرخاء الأوروبي قبيل العملة الموحدة، فكيف نتخيله سيكون في الدول التي انضمت حديثا إلى الاتحاد ذات النزعة القارية، والمشبعة بالتاريخ الاشتراكي الموروث عن التجربة السوفياتية، والسياق المختلف كليا عن الدول الأوروبية في جنوب القارة المؤسسة للاتحاد.
يبدو أن زمن صناع الإجماع بخصوص قضايا الهوية في القارة العجوز على ألسنة النخب والإعلام أضحى جزءا من التاريخ، فالواقع المعيش بأزماته الخانقة يفرض على الأوروبيين اليقظة والحذر والكثير من الجرأة والشجاعة فيما بينهم، إن هم أرادوا الحفاظ على وحدة كيانهم. فمساعي بروكسيل المستمرة لتحويل منطقة اليورو إلى كيان موحد، لن يتحقق على أرض الواقع، في ظل غياب الهوية «الأوروبية» المشتركة التي يفترض أن يبنى على أساسها أي كيان مماثل. "الذاكرة هي الحياة؛ تحملها دائما مجموعات من البشر الأحياء، وبالتالي هي في تطور مستمر"، هذه القاعدة التي رددها إيريك هوبزباوم في معظم أعماله تفرض على الأوروبيين العودة إلى المربع الأول لحسم السجال حول أسئلة "الهوية الأوروبية" ومصير "الأيديولوجية الأوروبانية" حتى لا يواجه من جديد ثورة الأقليات من جديد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون