كأن بريطانيا تنقصها هموم

|
"عدم المساواة مضيعة بشعة للزمن، إنها مضيعة لمصادر الناس" جيرمي كوربين زعيم حزب العمال البريطاني المعارض في زحمة الحضور المطلق لـ"بريكست" في بريطانيا، ووسط حرب أهلية في حزب المحافظين الحاكم، وفي ظل حكومة قابلة للانشطار في أي لحظة تبرز في البلاد، وفي مشهد ارتباك حول مصير المملكة المتحدة كدولة بحدودها الحالية المعروفة.. في ظل كل هذه المشاكل والهموم، تحضر على الساحة قضية ليست أقل خطورة من انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بل إنها أقدم من حيث الحضور من "بريكست" نفسه الذي لم يتجاوزه زمنه حتى اليوم العام ونصف العام فقط. بل حضرت بعد سلسلة من القوانين الدستورية والتشريعية المختلفة صدرت على مدى عقود في البلاد، إلا أن هذه القضية لم تحل. في الواقع تشير الأرقام إلى أنها تفاقمت بصورة خطيرة في جوانب عديدة. أما لماذا هي خطيرة؟ فلأن تلاحمها جذري بين الاقتصاد والمجتمع. إنها الفجوة بين أكثر المناطق ثراء وأشدها فقرا في بريطانيا. بمعنى آخر إنها تمثل عدم مساواة، تعتبرها بعض الجهات تهديدا خطيرا للمجتمع، بل يرى البعض الآخر أنها وصمة عار على مكانة بريطانيا. ووصل بالبعض إلى اعتبار القضية - المشكلة بمنزلة نقطة تحول فاصلة، وأنه يجب اتخاذ قرارات جوهرية بشأن نهج الاقتصاد. وإذا كانت تحذيرات كبير أساقفة كانتربري في المملكة المتحدة تكتسب دافعا دينيا، على الرغم من أنه لم يطرحها بهذا الصورة المجردة، إلا أن تحذيرات مؤسسات اجتماعية واقتصادية بعيدة عن الساحة الدينية لها أبعاد واقعية أكثر، لأنها تطرح المسألة بالأرقام. وهنا، ليس مهما عند أولئك الخائفين على مصير المجتمع من عدم المساواة، ما تقوله الحكومة، التي أعلنت أخيرا أن البطالة ارتفعت بشكل قياسي والعجز في الميزانية قد تراجع، وعدم المساواة "في الدخول" بلغ أدنى مستوى له منذ 30 عاما. هذه القضية قد تكون مثارة في بلدان نامية أو أقل تطورا أو فاشلة، لا في دول وصلت إلى "سن الرشد" والصدمة أن تقريرا للجنة المؤقتة للعدالة الاقتصادية التابعة لمعهد بحوث السياسات، توصل إلى نتيجة وهي: "أن الاقتصاد البريطاني أكثر الاقتصادات التي تعاني عدم التوازن في أوروبا. ويوجد فيه موظفون يتمتعون بمؤهلات تفوق وظائفهم أكثر من أي دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي" بل ذهب أبعد من ذلك حين استنتج أن "النموذج الاقتصادي لبريطانيا ببساطة لا يناسب العقد الثالث من الألفية الثالثة" وهذا يعني ببساطة أن البلاد بحاجة إلى تغيير بهذا الخصوص، على غرار بعض التحولات التي حدثت بالفعل في التاريخ البريطاني الحديث. بمعنى أن المملكة المتحدة تحتاج إما إلى "ثورة اقتصادية" أو "إصلاحات جذرية". لا تستطيع الحكومة الحالية القيام بأي شيء لإصلاح الخلل الخطير الراهن. هي في الواقع ليست قادرة على إقناع الناس بأنها متماسكة، أو حتى أنها قادرة على المضي قدما في إدارة البلاد بما يضمن مسيرة طبيعية أو تحولات إيجابية. صحيح أن هذه الحكومة لم "تخترع" عدم المساواة الذي يجري الحديث عنه، ويعود الأمر لسنوات ليست قليلة، لكن الصحيح أيضا أنها في وضع لا يمكنها من تقديم حتى أفكار إصلاحية. والأسباب كثيرة بهذا الخصوص، تبدأ بتكوينها الحزبي الراهن، ولا تنتهي بالمفاوضات الحالية مع الاتحاد الأوروبي للخروج من هذا التكتل. إضافة طبعا إلى أن حزب العمال المعارض يحقق النقاط تلو الأخرى لمصلحته من هذه الزاوية بالتحديد. بعد أن كانت قيادته حتى وقت قريب مثار سخرية من أنها غير قادرة على تحقيق تقدم شعبي على الإطلاق. هناك انفصال بين النمو الاقتصادي والدخول منذ الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. هذا ما توصل إليه المختصون. وبعد هذه الأزمة مر على بريطانيا ثلاث حكومات، لم تتمكن من إزالة هذا الانفصال. فرغم ارتفاع إجمالي الناتج المحلي للفرد بواقع 12 في المائة في غضون العقدين الماضيين، إلا أن متوسط دخل كل موظف تراجع وبالعودة للتقرير المثير المشار إليه، فمنذ سبعينيات القرن الماضي "تراجعت حصة الدخل القومي الموجهة للأجور بشكل تدريجي من 80 في المائة إلى 73 في المائة، بينما زادت الحصة الموجهة للأرباح. وبلغت حصة الأجور أدنى مستوياتها حاليا منذ الحرب العالمية الثانية" إنها أرقام مذهلة لاقتصاد يمثل محورا رئيسا للاقتصاد العالمي ككل. إنها أزمة وهَم ووجع، ليست في محلها الآن في المملكة المتحدة، السائرة نحو مستقبل اقتصادي بل مصيري لا إشارات واضحة له، ليس فقط من جهة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، بل من ناحية مستقبل وجود هذه المملكة بشكلها الحالي. الإصلاحات الاجتماعية - الاقتصادية المطلوبة، تبقى رهن الحالة السياسية، وهي حالة لا يمكن أن تنتج أي تغيير مفصلي في هذا الجانب الحيوي - الشعبي المهم. ولهذه القضية تفرعاتها أيضا، بما في ذلك الفجوة بين الطبقة الأكثر ثراء والطبقة الفقيرة، بل حتى لها رابط مع فارق الأجور بين الجنسين، وغير ذلك من روابط تختص مباشرة بالحياة اليومية العامة.
إنشرها