القيمة المضافة للمراجعة الداخلية

|

هل يمكن للمراجعة الداخلية أن تقدم قيمة مضافة للمؤسسات بمختلف أنواعها، وعلى الأخص المؤسسات الحكومية؟ لعل هذا المفهوم من أصعب القضايا التي تدعيها المراجعة الداخلية لتبرير دورها ولتبرير ما ينفق عليها، المراجعة الداخلية تضيف قيمة للمنشأة من خلال تقديم نصائح مفيدة حول تحسين الأداء، ذلك أن المراجعة الداخلية تقوم بدور أساسي في تقييم أداء جميع أنشطة المؤسسة، وهي تقدم هذه الوظيفة ليس لاكتشاف الأخطاء، ومن ثم التقرير عنها بطريقة مؤذية للعاملين بمختلف مستوياتهم، بل هي تقدم هذه الخدمة للموظفين أنفسهم ابتداء، فهي تكشف لهم نقاط الضعف والقوة وتقدم النصائح لتحسين العمل، نعم إذا اختلفت الآراء وأصر الموظفون على نوعية الأداء التي يقدمونها، على الرغم من توصيات المراجع الداخلي، فإن على المراجع الإفصاح عن رأيه بكل وضوح، على أن رأيه ليس بالضرورة صحيحا لا يقبل النقض، لكن مثل هذا التحدي ضروري لتطوير الأداء ويجب على الموظفين الذي يتمسكون بآرائهم تقديم ما يقنع الآخرين. ليس هذا فحسب بل إن المراجعة الداخلية تقدم خدمات للمؤسسات من حيث تقليل فرص الفساد والاحتيال والغش واختلاس الأصول، وهنا يأتي سؤال مهم عن دور المراجعة الداخلية في مكافحة الفساد، ويأتي الجواب أن للمراجعة دورا كبيرا ومسؤوليات لا يمكن الفكاك عنها، ولتوضيح المسألة فإن الفساد والاحتيال يحتاج إلى توافر ثلاثة عناصر حتى يمكن ارتكابه، وهي الفرص والتبرير والضغوط، فإذا كان لدى الشخص تبريرات منطقية يقنع بها نفسه للقيام بالاحتيال أو الغش وكانت عليه ضغوط خارجية اجتماعية أو مادية، فإن وجود فرصة للقيام بالغش يمثل خطأ كارثيا تتحمل المراجعة الداخلية مسؤوليته، إضافة إلى المسؤولية التي تقع على الإدارة نفسها. ذلك أن الدور الذي تقوم به الإدارة هو تطبيق وتطوير أنظمة المراقبة الداخلية التي تمنع حدوث فرصة للغش، خاصة ذلك الغش الجوهري الذي يعرض المنشأة كلها للخطر، ويأتي دور المراجعة الداخلية ومسؤولياتها للتأكد من هذه الإجراءات التي طبقتها لإدارة كافية لمنع حدوث الفرص التي تؤدي إلى الفساد. هنا يأتي مفهوم القيمة المضافة التي تقدمها المراجعة الداخلية للمنشآت فهي تبحث عن الفرص التي يمكن أن يجد الفساد منها طريقا لنخر جسد المنشآت الاقتصادية أو الاجتماعية ويمنعها من تحقيق أهدافها. لكن كي يقدم المراجع الداخلي هذه القيمة المضافة يجب أن يتحقق له الاستقلال، وفي مقالات سابقة تحدثت فيها عن استقلال المراجع الداخلي عن الجهاز التنفيذي عند المستوى المثالي لمفهوم الاستقلال، لكن الحقيقة أن الموضوع ليس بهذه المثالية المطلقة خاصة في مهنة المراجعة الداخلية. والمطالبة بمثل هذا الاستقلال المثالي لن تمكن المراجعة الداخلية من تقديم قيمة مضافة، ولعل أهم سبب في ذلك أن المراجع الداخلي شريك في المؤسسة له مصالح فيها وعنصر أساس في نجاحها، وهو يعمل من خلال هذا التصور ليقدم التوصيات التي تحقق هذا الهدف ويأتي بحلول ويشارك في الأفكار كاستشاري، لهذا يجب أن يتم تعيينه من داخل المؤسسة لأنه جزء منها وليس من خارجها، وإذا تم تعيين المراجع الداخلي من خارج المؤسسة لضعفت قدرته على تقديم القيمة المضافة كما ينبغي وكما تبررها التكلفة التي تدفع فيها. في بحث قمت به على مجموعة من المتدربين من القطاع العام، وكان الهدف هو فهم مدى وجود ظاهرة التعصب ضد المراجعين الداخليين في القطاع العام، وعلى الرغم من أن النموذج الذي تم تطويره يشير إلى أن هناك قلقا مفرطا من تأثير تقارير المراجعة في الموظفين، فإن هذا القلق لم يؤثر في رغبة هؤلاء الموظفين في بقاء المراجع الداخلي مستقلا، ذلك أنهم أكثر اطمئنانا لنتائج عمله كلما كان مستقلا، بينما يتحول قلقهم إلى تعصب ضده إذا ظهر لهم أنه غير مستقل، بمعنى أنه قد ينحاز ضدهم، ما يؤثر في مكافآتهم وعلاواتهم، أو على الأقل في ترشيحهم لمناصب قيادية أعلى، لهذا فإن استقلال المراجع الظاهري لهم، وعمله معهم عن قرب، وتقديمه النصائح التي تساعدهم على تحسين عملهم سيجعلهم أكثر اطمئنانا، وبالتالي يختفي القلق من تقارير المراجع الداخلي، بل سيتم دعمها. وهكذا فإن الاستقلال الظاهري مهم بمعنى أن يكون المراجع الداخلي واضحا في الهيكل التنظيمي، وأنه يرتبط بلجنة أو بالمسؤول الأعلى، وليس خاضعا لتأثير أي جهة أخرى، لكنه رغم هذا الاستقلال فإنه لا يستخدمه كسلاح ضد الآخرين ليرفع تقارير سرية ضدهم، أو أن يركز في تقاريره على قضايا هامشية مثل نقص في التوثيق أو تأخير في بدء الدوام وغيرهما. لعلي أكون أكثر وضوحا هنا، من حيث إن قيام المراجع بتنفيذ دوره الصحيح لتقديم خدمات حقيقية للمنظمة وموظفيها، وكذلك منح الإدارة ثقة أكثر بالأعمال التي تتم، وإن المراجعة الداخلية قادرة على منع فرص الفساد، كل هذا في حاجة إلى استقلال في الهيكل التنظيمي وبشكل واضح.

إنشرها