عربة التسوق السحرية

|

ليس غريبا أن نجد عربة التسوق في غرفة المعيشة أو فوق السرير. يمكننا اليوم أن نتبضع من جهاز الكمبيوتر في مقر العمل وفي السيارة وفي كل غرفة من غرف المنزل. ومع أن هذه العربة التي ترمز أيقونتها إلى شكل عربة التسوق المعروفة، إلا أنها مجرد أداة افتراضية لجمع المشتريات. يمكنك أن تضع فيها ما تشاء دون حرج، وإذا تركت مشترياتك فيها لأيام لن يأخذها أحد. كان المستهلكون في الدول المتقدمة يشكون في وقت سابق من إغراءات بطاقات الائتمان وعروضها الاستغلالية، إلا أنه اليوم يتعرض معظم سكان العالم لمخاطر إدمان التسوق الإلكتروني السهل، المخادع، الذي لم يتبق له إلا الأحلام ليخترقها ويعبث بها.
لو لبسنا قبعة البائع الإلكتروني ونظرنا من الزاوية الأخرى، لوجدنا أن المنافسة تشتد، ولكن وسائل الغواية ـــ وتلطفا يمكن أن نسميها الجذب ـــ تزداد وتتطور بشكل سريع ومهول. بينما في الجانب المقابل، لا يتطور الجانب السلوكي بالسرعة نفسها، فالدفاعات الطبيعية التي يصنعها الوعي تأخذ وقتا أطول بكثير من التطورات التقنية الرهيبة. لهذا يصنع هذا الفراغ المتنامي فرصا عديدة للمتاجر والبائعين قد تكون في الجانب الآخر نقاط ضعف للمستهلك.
كان الحديث في اليومين الماضيين عن خطة لتسهيل استخدام بطاقات "مدى" على شبكة الإنترنت، باعتبار أن وسائل الدفع أحد أكبر تحديات التجارة الإلكترونية في السعودية، فهذا الأمر رائع جدا من وجهة نظر البائعين. من جانب المستهلك نتحول إلى مشكلة سهولة الدفع، حيث إن سهولة الدفع تعني في معظم الحالات سهولة الشراء وسهولة الوقوع في الدين والضغط المادي الشديد. وهذا ليس التحسن الوحيد في دنيا عربات التسوق الافتراضية وعالم المشتريات الإلكترونية، فهناك التحسينات في التشريعات والإجراءات ونماذج الأعمال وتطور قراءة معلومات التفاعل الإلكترونية وتعدد خيارات النقل والشحن وغيرها، هناك في الحقيقة مسار طويل جدا من التحسينات التي لن تنتهي ولن تتوقف، فالبيئة الإلكترونية متغيرة والسوق متعطشة لهذه البدائل، وطموحات من يعمل فيها من باعة ومقدمي الخدمات لا تنتهي.
مع أن الداعمين للمشاريع الصغيرة والمتوسطة يشجعون تعدد الخيارات الشرائية على شبكة الإنترنت وجميعنا يتمنى مشاهدة مزيد من الحلول الثورية والابتكارية لتحسين التجارة الإلكترونية، إلا أنني أتساءل: ما الذي سيحصل للمستهلك الذي لا يزداد وعيا بقدر التحسن نفسه في أسواق الإنترنت؟ مع الوقت سيكبر الفراغ وتتراكم العادات السلبية غير المنتجة وتصبح النتيجة سلبية للاقتصاد والمجتمع. وهذا ما يحصل تماما اليوم، فمواليد الألفية أكثر استعدادا لشراء الكماليات اليوم من الفئات العمرية الأخرى، وبالتأكيد أكثر استهلاكا للتسوق من أمثالهم عمرا في الأزمان الماضية. لهذا يجب أن ننظر بعين العقل إلى هذه السلوكيات الشرائية التي لم يعد يمنعها المكوث في المنزل أو ممارسة هوايات أخرى؛ بل إن هوايات اليوم تصبح أحلى عند شراء متطلباتها من الإنترنت.
عندما ننظر إلى النصائح التقليدية التي تتعلق بالسلوك الاستهلاكي والتخطيط المالي نجد أن النصائح السابقة لم تعد تنفع في بيئة الإنترنت. على سبيل المثال، الذهاب إلى السوبر ماركت بقائمة محددة من المشتريات سيجعل العربة تمتلئ بشكل محدود، ولكن هذه النصيحة لا تنفع في سياق من المعروضات متاح لك طوال اليوم وبخيارات منوعة لا تنتهي. كذلك يمكن بسهولة تفادي متجر الحقائب الفاخرة أو الإكسسوارات الجذابة بتجنب الذهاب إلى السوق التقليدية بالكلية، ولكن اليوم سيعرفون اهتماماتك ويرسلون لك صور المنتج الذي فكرت فيه يوما ما كلما نظرت إلى هاتفك الذكي. كذلك تشير الدراسات إلى أن التخفي عن الآخرين والشعور بالحرية عند التسوق على الإنترنت يزيد من مخاطر التسوق ويجعلنا أكثر عرضة للاستجابة له.
عندما نشعر بالذنب، أو نجد أن سلوكياتنا الشرائية بدأت تؤثر في علاقاتنا أو أدائنا في العمل أو وضعنا المالي فالمسألة تحتاج إلى التوقف وإعادة النظر. الشعور بالاستمتاع الشديد جدا بالتسوق الانفرادي من خلال الأجهزة الإلكترونية لا يعد شعورا طبيعيا، فهو يقتل رغبتنا في ممارسة الأنشطة الأخرى التي كنا نمارسها ويجعلنا نشعر بالتوتر الشديد عندما لا نستطيع القيام بتلك الزيارات المتكررة لمتاجرنا المحببة. هذه العلامات تستوجب الحذر.
تقول الخبيرة المالية مورقان كوين، تستطيع القيام بأشياء بسيطة لتجنب الوقوع في إدمان التسوق على الإنترنت: تخلص من اشتراكات البريد الإلكتروني الترويجية، وقم بحذف تطبيقات المتاجر على جهازك، ولا تستخدم "علاج التسوق" ـــ المثبت تأثيره ـــ للحصول على السعادة، فهو مكلف جدا وهناك وسائل أخرى أفضل للحصول عليها، أي السعادة. الأهم أولا أن تقيم حالتك بصراحة وتعترف بها لنفسك. في نهاية الأمر، ينبغي علينا أن نشجع هذا الزخم الجديد لأنه يجعل الحصول على القيمة بشكل أفضل، ولكن هذا لا يعني أن نحول الحل إلى مشكلة. غير الإنترنت من حياتنا وسيغير كثيرا، ولكن تظل السيطرة الشخصية مطلبا مهما وإلا سحرتنا العربات الافتراضية وحملت إلينا العادات السيئة والخسائر.

إنشرها