العلامة التجارية والنزعة الاستهلاكية للسلع

|

في أعقاب الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الصين، أصبحت النزعة الاستهلاكية ظاهرة جديدة على نطاق واسع. النزعة الاستهلاكية للسلع الغربية الفاخرة، بسبب نقص السلع الصينية الفاخرة. كيف يمكن لشركتين من شركات الأزياء الفرنسية أن يساعدا على تغيير هذا الاختلال في السوق، لمصلحة الشركات الصينية؟ لقد أصبحت الصين ثاني أكبر سوق للسلع الفاخرة في العالم، لكنها لا تزال حتى الآن غير قادرة على أن تتباهى بعلاماتها التجارية، رغم انفتاح الأسواق أمامها في العقود الثلاثة الماضية. تعد شركتا فويتون وهيرميز من الشركات العالمية العملاقة، حيث يقدر إجمالي مبيعاتها السنوية بـ 3.35 مليون يورو، و3.25 مليون يورو على التوالي عام 2010، وبنمو مستقر ومستدام، حتى في البيئة الاقتصادية الصعبة. فماذا يمكن للشركات الصينية التي ترغب في تأسيس علامة تجارية فاخرة أن تتعلم منهما؟ عندما ننظر إلى تطور شركتي لويس فويتون وهيرميز، فإننا نجد قواسم مشتركة: الأول هو أن كلتا الشركتين قد بدأت بتطوير وتصنيع المنتجات الكلاسيكية التي صمدت أمام تحديات الزمن، وقد ميزت هذه المنتجات نفسها من خلال ست سمات رئيسة، هي: الأسعار العالية، والجودة الممتازة، والتفرد والندرة، والقيمة الجمالية والعاطفية، والتاريخ والتراث الغني للعلامة التجارية، والرمزية المعنوية لامتلاك العلامة التجارية. وبعد ذلك قامت الشركتان بتأسيس نموذج تجاري موثوق، سرعان ما توسع وانتشر في الخارج. وقد أثبتت الأسواق الدولية أنها منصة عظيمة لتسليط الضوء على المهارة التصنيعية المتميزة، والمساعدة على تأسيس صورة راقية لعلامة تجارية دولية. وفي الوقت ذاته، فقد تميزت العلامتان التجاريتان تميزا واضحا من حيث الممارسات الإدارية، ويذكر أن شركة لويس فويتون هي جزء من مجموعة لويس فويتونمويتهينيسي، وهي مجموعة متعددة العلامات التجارية، ومسجلة كشركة عامة، بينما ظلت شركة هيرميز علامة تجارية مستقلة تديرها شركة عائلية. تعتبر شركة لويس فويتون، من الناحية الاستراتيجية، تقدمية إلى حد ما. لقد توسعت الشركة الأم لهذه الشركة، واستمرت في بناء إمبراطورية متعددة العلامات التجارية من خلال الشراء والاستحواذ. لقد شيدت مجموعة لويس فويتونمويتهينيسي أقوى محافظ العلامات التجارية في القطاع، التي بلغ عددها 60 علامة من أشهر العلامات التجارية، وذلك في أقسامها الخمسة وعملياتها الأخرى، وكانت لويس فويتون "نجمة النجوم" بالنسبة إليها، وكانت رسالتها إلى الأسواق والمستثمرين هي أن كل علامة من هذه العلامات قد تصبح "لويس فويتون" يوما من الأيام، ما يوفر إمكانات كبيرة للنمو المستقبلي وإيجاد القيمة للمستثمرين المحتملين. وعلى العكس من ذلك، فإن استراتيجية "هيرميز" تميل لأن تكون استراتيجية محافظة، حيث تركز على تراث العلامة التجارية والحرفية الخالصة، من خلال بناء قيمة مع مرور الزمن، ومن خلال الجودة أيضا، فهي تفضل النمو الداخلي، وحتى عندما لا تتمكن "هيرميز" من تلبية الطلب على حقائب كيلي الشهيرة، فإنها تفضل عدم التوسع في الإنتاج، وقد يكون هذا مستحيلا بالنسبة إلى شركة مسجلة. يعتبر نموذج "هيرميز" أساسا للصناعة الفاخرة، فإذا فَقَد المنتج الفاخر خصوصيته المتفردة، يصبح عندها أحد المنتجات الاستهلاكية العامة، ولا يمكن عند ذلك تبرير سعره. أما شركة لويس فويتون، فلم يكن أداؤها التنافسي جيدا في السوق، فتم ضمها لمجموعة مويتهينيسي في نهاية المطاف، وقد استطاعت أسواق رأس المال توفير شريان الحياة للعلامة التجارية التي تكافح من أجل البقاء، وتمكنت مجموعة لويس فويتونمويتهينيسي من إعادة هيكلة العلامة التجارية بنجاح، وبالتالي تنشيطها. لقد مكنت الإصلاحات التي اتخذتها الصين من أن تنفتح الأسواق أمامها بشكل كبير، لكن اقتصاد البلاد وواقعها الاجتماعي لم يتمكنا من تطوير علامة تجارية فاخرة، وذلك بسبب الافتقار إلى الأساسيات التالية: ـ الجانب الاقتصادي: ثمة نقص في رؤوس الأموال والمواهب اللازمة للصناعات الصينية والإبداعية، وذلك لأن معظم هذه الأموال والمواهب هرعت إلى الأسواق المالية المزدهرة وقطاع العقارات، التي من المرجح أن تَدر عوائد عالية جدا في المدى القصير. ــــ الجانب الاجتماعي: في مجتمع يسعى الناس فيه غالبا إلى أرباح مفاجئة على المدى القصير، فإن عددا قليلا منهم على استعداد للمشاركة في صناعة المنتجات الراقية، ذلك لأن السلع الاستهلاكية سريعة الحركة أكثر ربحية. ــــ الجانب الثقافي: لقد دمرت الثورة الثقافية القيم الثقافية التقليدية للبلاد، ما يعوق عملية التحديث في الفنون والثقافة. ـــ الجانب القانوني: في بلد لا تتوافر فيه حماية حقيقية للحقوق الفكرية، ويثرى فيه المزورون بسرعة كبيرة، فليس بمقدور المبتكرين إلا أن يفسحوا المجال للمقلدين. لكن جولة جديدة من التعديلات الاقتصادية الكلية، وإعادة هيكلة الشركات، والإصلاحات الثقافية ستعطي الصين فرصة ذهبية لتطوير صناعة السلع الفاخرة، وسيكون للنمو السريع في أعداد مستهلكي السلع الفاخرة ميزة إيجابية أخرى. قد لا يكون "التاريخ الطويل من التراث وقصة العلامة التجارية الخرافية" متاحا بسهولة بالنسبة إلى الداخلين الجدد، لكن لا يزال باستطاعتهم النجاح من خلال تمسكهم بروح الحرفية الدقيقة، وبذل جهود عظيمة في معالم أخرى، فعلامة كوتش التجارية، على سبيل المثال، أثبتت وجودها بنجاح كعلامة تجارية محلية رائدة وفاخرة في الولايات المتحدة، على الرغم من أنه لم يمض على وجودها سوى 60 عاما تقريبا، ويعود نجاحها إلى التزامها بالحرفية الباهرة وجودة منتجاتها. وفي السنوات الأخيرة، قامت بعض الشركات الصينية بتطبيق هذه الممارسات، فقد أنتجت العلامة التجارية زهاويكويوا Zhaoyicuiwu للمجوهرات التي مقرها بكين، على سبيل المثال، مجموعة من منتجات الحلي الشعبية من خلال إعادة اكتشاف الفسيفساء التخريمية، المفقودة منذ زمن طويل، وإدماجها في المبتكرات الحديثة. ليس من العملي في الوقت الحاضر أن تتبنى الشركات الصينية النموذج التنموي لمجموعة لويس فويتونمويتهينيسي، حيث يتطلب الأمر أولا ظهور عدد كبير من العلامات التجارية المحلية الفاخرة والمنافسة. تعمل العلامات التجارية الصينية أيضا في بيئة اقتصادية وظروف سوق مختلفة جدا، وقد يكون هذا في مصلحتها، ولديها اليوم، على سبيل المثال، أسرع الطرق للنمو عن طريق الاستفادة من أسواق المال. يجب على بناة العلامة التجارية الصينية، من خلال الاستفادة من خبرات العلامات التجارية الدولية الفاخرة، مثل فويتون وهيرميز، أن يواصلوا تطوير تكنولوجياتهم وتحسين قيمة منتجاتهم، كي يتمكنوا من إيجاد علامات تجارية حقيقية.

إنشرها